بداية المجتهد ونهاية المقتصد. الإصدار 2.03

للإمام ابن رشد القرطبي

*1*الجزء الأول.

*2*مقدمة المؤلف.

@-بسم الله الرحمن الرحيم.

أما بعد حمد الله بجميع محامده، والصلاة والسلام على محمد رسوله وآله وأصحابه، فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي (في نسخة فاس: التنبيه لنفسي بدل أن أثبت) (انظر ترجمة المؤلف آخر الكتاب) على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكت الخلاف فيها، ما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع، وهذه المسائل في الأكثر هي المسائل المنطوق بها في الشرع أو تتعلق بالمنطوق به تعلقا قريبا، وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها، أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء الإسلاميين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن فشا التقليد.

وقبل ذلك فلنذكر كم أصناف الطرق التي تتلقي منها الأحكام الشرعية، وكم أصناف الأحكام الشرعية، وكم أصناف الأسباب التي أوجبت الاختلاف بأوجز ما يمكننا في ذلك. فنقول:

إن الطرق التي منها تلقيت الأحكام عن النبي عليه الصلاة والسلام بالجنس ثلاثة: إما لفظ، وإما فعل، وإما إقرار. وأما ما سكت عنه الشارع من الأحكام فقال الجمهور: إن طريق الوقوف عليه هو القياس. وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل، وما سكت عنه الشارع فلا حكم له. ودليل العقل يشهد ثبوته [أي ثبوت القياس. دار الحديث]، وذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى.

وأصناف الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام من السمع أربعة: ثلاثة متفق عليها، ورابع مختلف فيه. أما الثلاثة المتفق عليها فلفظ عام يحمل على عمومه، أو خاص يحمل على خصوصه، أو لفظ عام يراد به الخصوص، أو لفظ خاص يراد به العموم، وفي هذا يدخل التنبيه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، وبالمساوي على المساوى؛ فمثال الأول قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} فإن المسلمين اتفقوا على أن لفظ الخنزير متناول لجميع أصناف الخنازير ما لم يكن مما يقال عليه الاسم بالاشتراك، مثل خنزير الماء، ومثال العام يراد به الخاص قوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} فإن المسلمين اتفقوا على أن ليست الزكاة واجبة في جميع أنواع المال، ومثال الخاص يراد به العام قوله تعالى {فلا تقل لهما أف} وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإنه يفهم من هذا تحريم الضرب والشتم وما فوق ذلك، وهذه إما أن يأتي المستدعى بها فعله بصيغة الأمر، وإما أن يأتي بصيغة الخبر يراد به الأمر، وكذلك المستدعي تركه، إما أن يأتي بصيغة النهي، وإما أن يأتي بصيغة الخبر يراد به النهي، وإذا أتت هذه الألفاظ بهذه الصيغ، فهل يحمل استدعاء الفعل بها على الوجوب أو على الندب على ما سيقال في حد الواجب والمندوب إليه، أو يتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما، فيه بين العلماء خلاف مذكور في كتب أصول الفقه، وكذلك الحال في صيغ النهي هل تدل على الكراهية أو التحريم، أو لا تدل على واحد منهما، فيه الخلاف المذكور أيضا، والأعيان التي يتعلق بها الحكم إما أن يدل عليها بلفظ يدل على معنى واحد فقط، وهو الذي يعرف في صناعة أصول الفقه بالنص، ولا خلاف في وجوب العمل به، وإما أن يدل عليها بلفظ يدل على أكثر من معنى واحد، وهذا قسمان: إما أن تكون دلالته على تلك المعاني بالسواء، وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالمجمل، ولا خلاف في أنه لا يوجب حكما، وإما أن تكون دلالته على بعض تلك المعاني أكثر من بعض، وهذا يسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أكثر ظاهرا، ويسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أقل محتملا، وإذا ورد مطلقا حمل على تلك المعاني التي هو أظهر فيها حتى يقوم الدليل على حمله على المحتمل، فيعرض الخلاف للفقهاء في أقاويل الشارع، لكن ذلك من قبل ثلاثة معان: من قبل الاشتراك في لفظ العين الذي علق به الحكم، ومن قبل الاشتراك في الألف واللام المقرونة بجنس تلك العين، هل أريد بها الكل أو البعض؟ ومن قبل الاشتراك الذي في ألفاظ الأوامر والنواهي. وأما الطريق الرابع فهو أن يفهم من إيجاب الحكم لشيء ما نفي ذلك الحكم عما عدا ذلك الشيء أو من نفى الحكم عن شيء ما إيجابه لما عدا ذلك الشيء الذي نفي عنه، وهو الذي يعرف بدليل الخطاب، وهو أصل مختلف فيه، مثل قوله عليه الصلاة والسلام "في سائمة الغنم الزكاة" فإن قوما فهموا منه أن لا زكاة في غير السائمة، وأما القياس الشرعي فهو إلحاق الحكم الواجب لشيء ما بالشرع بالشيء، المسكوت عنه لشبهه بالشيء الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة جامعة بينهما، ولذلك كان القياس الشرعي صنفين قياس شبه، وقياس علة؛ والفرق بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام: أن القياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص، فيلحق به غيره، أعني أن المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ لأن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من جهة تنبيه اللفظ ليس بقياس، وإنما هو من باب دلالة اللفظ، وهذان الصنفان يتقاربان جدا لأنهما إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به، وهما يلتبسان على الفقهاء كثيرا جدا، فمثال القياس إلحاق شارب الخمر بالقاذف في الحد والصداق بالنصاب في القطع، وأما إلحاق الربويات بالمقتات أو بالمكيل أو بالمطعوم فمن باب الخاص أريد به العام، فتأمل هذا فإن فيه غموضا. والجنس الأول هو الذي ينبغي للظاهرية أن تنازع فيه، وأما الثاني فليس ينبغي لها أن تنازع فيه لأنه من باب السمع، والذي يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب، وأما الفعل فإنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقي منها الأحكام الشرعية، وقال قوم الأفعال: ليست تفيد حكما إذ ليس لها صيغ، والذين قالوا إنها تتلقي منها الأحكام اختلفوا في نوع الحكم الذي تدل عليه، فقال قوم: تدل على الوجوب، وقال قوم: تدل على الندب، والمختار عند المحققين أنها إن أتت بيانا لمجمل واجب دلت على الوجوب، وإن أتت بيانا لمجمل مندوب إليه دلت على الندب؛ وإن لم تأت بيانا لمجمل، فإن كانت من جنس القربة دلت على الندب وإن كانت من جنس المباحات دلت على الإباحة، وأما الإقرار فإنه يدل على الجواز فهذه أصناف الطرق التي تتلقى منها الأحكام أو تستنبط.

وأما الإجماع فهو مستند إلى أحد هذه الطرق الأربعة، إلا أنه إذا وقع في واحد منها ولم يكن قطعيا نقل الحكم من غلبة الظن إلى القطع وليس الإجماع أصلا مستقلا بذاته من غير استناد إلى واحد من هذه الطرق، لأنه لو كان كذلك لكان يقتضي إثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان لا يرجع إلى أصل من الأصول المشروعة. وأما المعاني المتداولة المتأدية من هذه الطرق اللفظية للمكلفين، فهي بالجملة: إما أمر بشيء وإما نهي عنه، وإما تخيير فيه. والأمر إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بتركه سمي واجبا، وإن فهم منه الثواب على الفعل وانتفى العقاب مع الترك سمي ندبا. والنهي أيضا إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالفعل سمي محرما ومحظورا،وإن فهم منه الحث على تركه من غير تعلق عقاب بفعله سمي مكروها، فتكون أصناف الأحكام الشرعية الملتقاة من هذه الطرق الخمس: واجب، ومندوب، ومحظور، ومكروه، ومخير فيه وهو المباح. وأما أسباب الاختلاف بالجنس فستة: أحدها تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع: أعني بين أن يكون اللفظ عاما يراد به الخاص، أو خاصا يراد به العام، أو عاما يراد به العام، أو خاصا يراد به الخاص، أو يكون له دليل خطاب، أو لا يكون له. والثاني الاشتراك الذي في الألفاظ، وذلك إما في اللفظ المفرد كلفظ القرء الذي ينطلق على الأطهار وعلى الحيض، وكذلك لفظ الأمر هل يحمل على الوجوب أو الندب، ولفظ النهي هل يحمل على التحريم أو على الكراهية، وإما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى {إلا الذين تابوا} فإنه يحتمل أن يعود على الفاسق فقط، ويحتمل أن يعود على الفاسق والشاهد، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف. والثالث اختلاف الإعراب. والرابع تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز، التي هي: إما الحذف، وإما الزيادة، وإما التقديم وإما التأخير، وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة. والخامس إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة، وتقييدها بالإيمان تارة. والسادس التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الأحكام بعضها مع بعض وكذلك التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات، أو تعارض القياسات أنفسها،أو التعارض الذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة: أعني معارضة القول للفعل أو للإقرار أو للقياس، ومعارضة الفعل للإقرار أو للقياس، ومعارضة الإقرار للقياس.

قال القاضي رضي الله عنه:

وإذ قد ذكرنا بالجملة هذه الأشياء، فلنشرع فيما قصدنا له، مستعينين بالله، ولنبدأ من ذلك بكتاب الطهارة على عاداتهم.

*2*كتاب الطهارة من الحدث.

@-فنقول: إنه اتفق المسلمون على أن الطهارة الشرعية طهارتان: طهارة من الحدث، وطهارة من الخبث، واتفقوا على أن الطهارة من الحدث ثلاثة أصناف: وضوء، وغسل، وبدل منهما وهو التيمم، وذلك لتضمن ذلك آية الوضوء الواردة في ذلك، فلنبدأ من ذلك بالقول في الوضوء، فنقول:

*3*كتاب الوضوء.

@-إن القول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر في خمسة أبواب: الباب الأول في الدليل على وجوبها، وعلى من تجب ومتى تجب. الثاني في معرفة أفعالها. الثالث في معرفة ما به تفعل وهو الماء. الرابع في معرفة نواقضها. الخامس في معرفة الأشياء التي تفعل من أجلها.

*4*الباب الأول.

@-فأما الدليل على وجوبها فالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} الآية. فإنه اتفق المسلمون على أن امتثال هذا الخطاب واجب على كل من لزمته الصلاة إذا دخل وقتها. وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" وقوله عليه الصلاة والسلام "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ" وهذان الحديثان ثابتان عند أئمة النقل. وأما الإجماع، فإنه لم ينقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف، ولو كان هناك خلاف لنقل، إذ العادات تقتضي ذلك. وأما من تجب عليه فهو البالغ العاقل، وذلك أيضا ثابت بالسنة والإجماع. أما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام "رفع القلم عن ثلاث، فذكر: الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق" وأما الإجماع، فإنه لم ينقل في ذلك خلاف، واختلف الفقهاء هل من شرط وجوبها الإسلام أم لا؟ وهي مسألة قليلة الغناء في الفقه، لأنها راجعة إلى الحكم الأخروي. وأما متى تجب فإذا دخل وقت الصلاة، أو أراد الإنسان الفعل الذي الوضوء شرط فيه، وإن لم يكن ذلك متعلقا بوقت، أما وجوبه عند دخول وقت الصلاة على المحدث فلا خلاف فيه لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} الآية، فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، ومن شروط الصلاة دخول الوقت، وأما دليل وجوبه عند إرادة الأفعال التي هو شرط فيها فسيأتي ذلك عند ذكر الأشياء التي يفعل الوضوء من أجلها واختلاف الناس في ذلك.

*4*الباب الثاني.

@-وأما معرفة فعل الوضوء فالأصل فيه ما ورد من صفته في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} . وما ورد من ذلك أيضا في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم في الآثار الثابتة، ويتعلق بذلك مسائل اثنتا عشرة مشهورة تجري مجرى الأمهات، وهي راجعة إلى معرفة الشروط والأركان وصفة الأفعال وأعدادها وتعيينها وتحديد محال أنواع أحكام جميع ذلك.

@-(المسألة الأولى من الشروط):

اختلف علماء الأمصار هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ولقوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات" الحديث المشهور. فذهب فريق منهم إلى أنها شرط، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور وداود. وذهب فريق آخر إلى أنها ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري. وسبب اختلافهم تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة: أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين، ولذلك وقع الخلاف فيه، وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة، والفقه أن ينظر بأيهما هو أقوى شبها فيلحق به.

@-(المسألة الثانية من الأحكام):

اختلف الفقهاء في غسل اليد قبل إدخالها في إناء الوضوء، فذهب قوم إلى أنه من سنن الوضوء بإطلاق، وإن تيقن طهارة اليد، وهو مشهور مذهب مالك والشافعي. وقيل إنه مستحب للشاك في طهارة يده؛ وهو أيضا مروي عن مالك. وقيل إن غسل اليد واجب على المنتبه من النوم، وبه قال داود وأصحابه. وفرق قوم بين نوم الليل ونوم النهار، فأوجبوا ذلك في نوم الليل ولم يوجبوه في نوم النهار، وبه قال أحمد، فتحصل في ذلك أربعة أقوال: قول إنه سنة بإطلاق، وقوله إنه استحباب للشاك وقول إنه واجب على المنتبه من نوم وقول أنه واجب على المنتبه من نوم الليل دون نوم النهار، والسبب في اختلافهم في ذلك اختلافهم في مفهوم الثابت من حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" وفي بعض رواياته "فليغسلها ثلاثا" فمن لم ير بين الزيادة الواردة في هذا الحديث على ما في آية الوضوء معارضة، وبين آية الوضوء حمل لفظ الأمر ههنا على ظاهره من الوجوب، وجعل ذلك فرضا من فروض الوضوء، ومن فهم من هؤلاء من لفظ البيات نوم الليل أوجب ذلك من نوم الليل فقط، ومن لم يفهم منه ذلك وإنما فهم منه النوم فقط أوجب ذلك على كل مستيقظ من النوم نهارا أو ليلا، ومن رأى أن بين هذه الزيادة والآية تعارضا إذ كان ظاهر الآية المقصود منه حصر فروض الوضوء كان وجه الجمع بينهما عنده أن يخرج لفظ الأمر عن ظاهره الذي هو الوجوب إلى الندب، ومن تأكد عنده هذا الندب لمثابرته عليه الصلاة والسلام على ذلك قال إنه من جنس السنن، ومن لم يتأكد عنده هذا الندب قال إن ذلك من جنس المندوب المستحب، وهؤلاء غسل اليد عندهم بهذه الحال إذا تيقنت طهارتها: أعني من يقول إن ذلك سنة، من يقول إنه ندب، ومن لم يفهم من هؤلاء من هذا الحديث علة توجب عنده أن يكون من باب الخاص أريد به العام كان ذلك عنده مندوبا للمستيقظ من النوم فقط، ومن فهم منه علة الشك وجعله من باب الخاص أريد به العام كان ذلك عنده للشاك، لأنه في معنى النائم، والظاهر من هذا الحديث أنه لم يقصد به حكم اليد في الوضوء، وإنما قصد به حكم الماء الذي يتوضأ به، إذا كان الماء مشترطا فيه الطهارة وأما من نقل من غسله صلى الله عليه وسلم يديه قبل إدخالهما في الإناء في أكثر أحيانه، فيحتمل أن يكون من حكم اليد على أن يكون غسلها في الابتداء من أفعال الوضوء، ويحتمل أن يكون من حكم الماء، أعني أن لا ينجس أو يقع فيه شك إن قلنا إن الشك مؤثر.

@-(المسألة الثالثة من الأركان):

اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في الوضوء على ثلاثة أقوال: قول إنهما سنتان في الوضوء، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وقول إنهما فرض فيه، وبه قال ابن أبي ليلى وجماعة من أصحاب داود، وقول إن الاستنشاق فرض والمضمضة سنة، وبه قال أبو ثور وأبو عبيدة وجماعة من أهل الظاهر، وسبب اختلافهم في كونها فرضا أو سنة اختلافهم في السنن الواردة في ذلك، هل هي زيادة تقتضي معارضة آية الوضوء أو لا تقتضي ذلك؛ فمن رأى أن هذه الزيادة إن حملت على الوجوب اقتضت معارضة الآية، إذ المقصود من الآية تأصيل هذا الحكم وتبيينه أخرجها من باب الوجوب إلى باب الندب، ومن لم ير أنها تقتضي معارضة حملها على الظاهر من الوجوب ومن استوت عنده هذه الأقوال والأفعال في حملها على الوجوب لم يفرق بين المضمضة والاستنشاق، ومن كان عنده القول محمولا على الوجوب والفعل محولا على الندب فرق بين المضمضة والاستنشاق، وذلك أن المضمضة نقلت من فعله عليه الصلاة والسلام ولم تنقل من أمره وأما الاستنشاق فمن أمره عليه الصلاة والسلام وفعله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر" خرجه مالك في موطئه، والبخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة.

@-(المسألة الرابعة من تحديد المحال):

اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء لقوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم} واختلفوا منه في ثلاثة مواضع: في غسل البياض الذي بين العذار والأذن، وفي غسل ما انسدل من اللحية، وفي تخليل اللحية، فالمشهور من مذهب مالك أنه ليس البياض الذي بين العذار والأذن من الوجه، وقد قيل في المذهب بالفرق بين الأمرد والملتحي فيكون في المذهب في ذلك ثلاثة أقوال. وقال أبو حنيفة والشافعي: هو من الوجه. وأما ما انسدل من اللحية، فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبو حنيفة ولا الشافعي في أحد قوليه؛ وسبب اختلافهم في هاتين المسئلتين هو خفاء تناول اسم الوجه لهذين الموضعين، أعني هل يتناولهما أو لا يتناولهما وأما تخليل اللحية فمذهب مالك أنه ليس واجبا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الوضوء، وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك؛ وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الآثار التي ورد فيها الأمر بتخليل اللحية والأكثر على أنها غير صحيحة مع أن الآثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام ليس في شيء منها التخليل.

@-(المسألة الخامسة من التحديد):

اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء لقوله تعالى {وأيديكم إلى المرافق} واختلفوا في إدخال المرافق فيها؛ فذهب الجمهور ومالك والشافعي وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها، وذهب بعض أهل الظاهر وبعض متأخري أصحاب مالك والطبري إلى أنه لا يجب إدخالها في الغسل؛ والسبب في اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف إلى، وفي اسم اليد في كلام العرب وذلك أن حرف إلى مرة يدل في كلام العرب على الغاية، ومرة يكون بمعنى مع، واليد أيضا في كلام العرب تطلق على ثلاثة معان على الكف فقط، وعلى الكف والذراع، وعلى الكف والذراع والعضد، فمن جعل "إلى" بمعنى مع (هنا في نسخة فاس بمعنى من)، أو فهم من اليد مجموع الثلاثة الأعضاء أوجب دخولها في الغسل (فيها هنا زيادة لأن إلى عنده تكون بمعنى من ومبدأ الشيء من الشيء)، ومن فهم من "إلى" الغاية ومن اليد ما دون المرفق ولم يكن الحد عنده داخلا في المحدود لم يدخلهما في الغسل، وخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم اليسرى كذلك، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل اليسرى كذلك، ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل، لأنه إذا تردد اللفظ بين المعنيين على السواء وجب أن لا يصار إلى أحد المعنيين إلا بدليل، وإن كانت "إلى" في كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى مع، وكذلك اسم اليد أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد، فقول من لم يدخلها من جهة الدلالة اللفظية أرجح، وقول من أدخلها من جهة هذا الأثر أبين، إلا أن يحمل هذا الأثر على الندب، والمسألة محتملة كما ترى، وقد قال قوم: إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن لم تكن من جنسه لم تدخل فيه.

@-(المسألة السادسة من التحديد):

اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه. فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله، وذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث، ومنهم من حده بالثلثين، وأما أبو حنيفة فحده بالربع، وحد مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه. وأما الشافعي فلم يحد في الماسح ولا في الممسوح حدا. وأصل هذا الاختلاف في الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك أنها مرة تكون زائدة مثل قوله تعالى {تنبت بالدهن} على قراءة من قرأ تنبت بضم التاء وكسر الباء من أنبت، ومرة تدل على التبعيض مثل قول القائل: أخذت بثوبه وبعضده، ولا معنى لإنكار هذا في كلام العرب، أعني كون الباء مبعضة، وهو قول الكوفيين من النحويين، فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله؛ ومعنى الزائدة ههنا كونها مؤكدة، ومن رآها مبعضة أوجب مسح بعضه، وقد احتج من رجح هذا المفهوم بحديث المغيرة "أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة" خرجه مسلم. وإن سلمنا أن الباء زائدة بقي ههنا أيضا احتمال آخر، وهو هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها.

@-(المسألة السابعة من الأعداد):

اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وإن الاثنين والثلاث مندوب إليهما، لما صح "أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا" ولأن الأمر ليس يقتضي إلا الفعل مرة مرة، أعني الأمر الوارد في الغسل في آية الوضوء، واختلفوا في تكرير مسح الرأس هل هو فضيلة أم ليس في تكريره فضيلة. فذهب الشافعي إلى أنه من توضأ ثلاثا ثلاثا يمسح رأسه أيضا ثلاثا، وأكثر الفقهاء يرون أن المسح لا فضيلة في تكريره؛ وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في قبول الزيادة الواردة في الحديث الواحد إذا أتت من طريق واحد ولم يرها الأكثر، وذلك أن أكثر الأحاديث التي روي فيها أنه توضأ ثلاثا ثلاثا من حديث عثمان وغيره لم ينقل فيها إلا أنه مسح واحدة فقط. في بعض الروايات عن عثمان في صفة وضوئه أنه عليه الصلاة والسلام مسح برأسه ثلاثا، وعضد الشافعي وجوب قبول هذه الزيادة بظاهر عموم ما روي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، وذلك أن المفهوم من عموم هذا اللفظ وإن كان من لفظ الصحابي هو حمله على سائر أعضاء الوضوء، إلا أن هذه الزيادة ليست في الصحيحين، فإن صحت يجب المصير إليها، لأن من سكت عن شيء ليس هو بحجة على من ذكره. وأكثر العلماء أوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياسا على سائر الأعضاء. وروى عن ابن الماجشون أنه قال: إذا نفذ الماء مسح رأسه ببلل لحيته، وهو اختيار ابن حبيب ومالك والشافعي.

ويستحب في صفة المسح أن يبدأ بمقدم رأسه فيمر يديه إلى قفاه ثم يردهما إلى حيث بدأ على ما في حديث عبد الله بن زيد الثابت. وبعض العلماء يختار أن يبدأ من مؤخر الرأس، وذلك أيضا مروي من صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام من حديث الربيع بنت معوذ، إلا أنه لم يثبت في الصحيحين.

@-(المسألة الثامنة من تعيين المحال):

اختلف العلماء في المسح على العمامة، فأجاز ذلك أحمد بن حنبل وأبو ثور والقاسم بن سلام وجماعة، ومنع من ذلك جماعة منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة، وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في وجوب العمل بالأثر الوارد في ذلك من حديث المغيرة وغيره "أنه عليه الصلاة والسلام مسح بناصيته وعلى العمامة" وقياسا على الخف، ولذلك اشترط أكثرهم لبسهما على طهارة، وهذا الحديث إنما رده من رده، إما لأنه لم يصح عنده، وإما لأن ظاهر الكتاب عارضه عنده، أعني الأمر فيه بمسح الرأس، وإما لأنه لم يشتهر العمل به عند من يشترط اشتهار العمل فيما نقل من طريق الآحاد وبخاصة في المدينة على المعلوم من مذهب مالك أنه يرى اشتهار العمل، وهو حديث خرجه مسلم، وقال فيه أبو عمر بن عبد البر إنه حديث معلول، وفي بعض طرقه أنه مسح على العمامة ولم يذكر الناصية، ولذلك لم يشترط بعض العلماء في المسح على العمامة المسح على الناصية، إذ لا يجتمع الأصل والبدل في فعل واحد.

@-(المسألة التاسعة من الأركان):

اختلفوا في مسح الأذنين هل هو سنة أو فريضة، وهل يجدد لهما الماء أم لا؟ فذهب بعض الناس إلى أنه فريضة، وأنه يجدد لهما الماء وممن قال بهذا القول جماعة من أصحاب مالك ويتأولون مع هذا أنه مذهب مالك لقوله فيهما إنهما من الرأس. وقال أبو حنيفة وأصحابه مسحهما فرض كذلك (انظر هذا، فإن المقرر في مذهب أبي حنفية أن مسحهما سنة لا فرض) إلا أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد. وقال الشافعي مسحهما سنة ويجدد لهما الماء. وقال بهذا القوم جماعة أيضا من أصحاب مالك؛ ويتأولون أيضا أنه قوله لما روي عنه أنه قال حكم مسحهما حكم المضصمضة؛ وأصل اختلافهم في كون مسحهما سنة أو فرضا اختلافهم في الآثار الواردة بذلك، أعني مسحه عليه الصلاة والسلام أذنيه هل هي زيادة على ما في الكتاب من مسح الرأس فيكون حكمهما أن يحمل على الندب لمكان التعارض الذي يتخيل بينها وبين الآية إن حملت على الوجوب، أم هي مبينة لمجمل الذي في الكتاب فيكون حكمهما حكم الرأس في الوجوب، فمن أوجبهما جعلها مبينة لمجمل الكتاب، ومن لم يوجبهما جعلها زائدة كالمضمضة، والآثار الواردة بذلك كثيرة، وإن كانت لم تثبت في الصحيحين فهي قد اشتهر العمل بها. وأما اختلافهم في تجديد الماء لهما فسببه تردد الأذنين بين أن يكونا عضوا مفردا بذاته من أعضاء الوضوء، أو يكونا جزءا من الرأس. وقد شذ قوم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه، وذهب آخرون إلى أنه يمسح باطنهما مع الرأس ويغسل ظاهرهما مع الوجه، وذلك لتردد هذا العضو بين أن يكون جزءا من الوجه أو جزءا من الرأس، وهذا لا معنى له مع اشتهار الآثار في ذلك بالمسح واشتهار العمل به. والشافعي يستحب فيهما التكرار كما يستحبه في مسح الرأس.

@-(المسألة العاشرة من الصفات):

اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في نوع طهارتهما، فقال قوم: طهارتهما الغسل، وهم الجمهور، وقال قوم: فرضهما المسح، وقال قوم: بل طهارتهما تجوز بالنوعين: الغسل والمسح، وإن ذلك راجع إلى اختيار المكلف، وسبب اختلافهم القراءتان المشهورتان في آية الوضوء: أعني قراءة من قرأ، وأرجلكم بالنصب عطفا على المغسول، وقراءة من قرأ وأرجلكم بالخفض عطفا على الممسوح، وذلك أن قراءة النصب ظاهرة في الغسل، وقراءة الخفض ظاهرة في المسح كظهور تلك في الغسل، فمن ذهب إلى أن فرضهما واحد من هاتين الطهارتين على التعيين إما الغسل وإما المسح ذهب إلى ترجيح ظاهر إحدى القراءتين على القراءة الثانية، وصرف بالتأويل ظاهر القراءة الثانية إلى معنى ظاهر القراءة التي ترجحت عنده؛ ومن اعتقد أن دلالة كل واحدة من القراءتين على ظاهرها على السواء، وأنه ليست إحداهما على ظاهرها أدل من الثانية على ظاهرها أيضا جعل ذلك من الواجب المخير ككفارة اليمين وغير ذلك، وبه قال الطبري وداود. وللجمهور تأويلات في قراءة الخفض، أجودها أن ذلك عطف على اللفظ لا على المعنى، إذ كان ذلك موجودا في كلام العرب مثل قول الشاعر:

لعب الزمان بها وغيرها * بعدي سوا في المحور والقطر.

بالخفض، ولو عطف على المعنى لرفع القطر.

وأما الفريق الثاني، وهم الذين أوجبوا المسح، فإنهم تأولوا قراءة النصب على أنها عطف على الموضع كما قال الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا.

وقد رجح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه عليه الصلاة والسلام إذ قال في قوم لم يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء "ويل للأعقاب من النار" قال فهذا يدل على أن الغسل هو الفرض، لأن الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب، وهذا ليس فيه حجة، لأنه إنما وقع الوعيد على أنهم تركوا أعقابهم دون غسل، ولا شك أن من شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم كما أن من شرع في المسح ففرضه المسح عند من يخير بين الأمرين، وقد يدل هذا على ما جاء في أثر آخر خرجه أيضا مسلم أنه قال: فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى "ويل للأعقاب من النار" وهذا الأثر وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدل على جوازه منه على منعه، لأن الوعيد إنما تعلق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة، بل سكت عن نوعها، وذلك دليل على جوازها، وجواز المسح هو أيضا مروي عن بعض الصحابة والتابعين، ولكن من طريق المعنى، فالغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل، إذ كانت القدمان لا ينقى دنسهما غالبا إلا بالغسل، وينقى دنس الرأس بالمسح وذلك أيضا غالب، والمصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لاحظ فيهما معنيين: معنى مصلحيا، ومعنى عباديا، وأعني بالمصلحي ما رجع إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي ما رجع "إلى" زكاة النفس. وكذلك اختلفوا في الكعبين هل يدخلان في المسح أو في الغسل عند من أجاز المسح؟ وأصل اختلافهم الاشتراك الذي في حرف إلى أعني في قوله تعالى {وأرجلكم إلى الكعبين} وقد تقدم القول في اشتراك هذا الحرف في قوله تعالى {إلى المرفقين} لكن الاشتراك وقع هنالك من جهتين من اشتراك اسم اليد، ومن اشتراك حرف إلى وهنا من قبل اشتراك حرف إلى فقط. وقد اختلفوا في الكعب ما هو، وذلك لاشتراك اسم الكعب واختلاف أهل اللغة في دلالته، فقيل هما العظمان اللذان عند معقد الشراك وقيل هما العظمان الناتئان في طرف الساق، ولا خلاف فيما أحسب في دخولهما في الغسل عند من يرى أنهما عند معقد الشراك إذا كانا جزءا من القدم، لذلك قال قوم: إنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخلت الغاية فيه: أعني الشيء الذي يدل عليه حرف إلى، إذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه مثل قوله تعالى {ثم أتموا الصيام إلى الليل} .

@-(المسألة الحادية عشرة من الشروط):

اختلفوا في وجود ترتيب أفعال الوضوء على نسق الآية. فقال قوم: هو سنة، وهو الذي حكاه المتأخرون من أصحاب مالك عن المذهب، وبه قال أبو حنيفة والثوري وداود. وقال قوم: هو فريضة، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد، وهذا كله في ترتيب المفروض مع المفروض، وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة فهو عند مالك مستحب؛ وقال أبو حنيفة هو سنة؛ وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما الاشتراك الذي في واو العطف، وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المترتبة بعضها على بعض، وقد يعطف بها غير المرتبة، وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب، ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة: ليس تقتضي نسقا ولا ترتيبا، وإنما تقتضي الجمع فقط، وقال الكوفيون: بل تقتضي النسق والترتيب؛ فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب، ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه. والسبب الثاني اختلافهم في أفعاله عليه الصلاة والسلام، هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب؟ فمن حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب، لأنه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه توضأ قط إلا مرتبا، ومن حملها على الندب قال إن الترتيب سنة، ومن فرق بين المسنون والمفروض من الأفعال قال: إن الترتيب الواجب إنما ينبغي أن يكون في الأفعال الواجبة، ومن لم يفرق قال: إن الشروط الواجبة قد تكون في الأفعال التي ليست واجبة.

@-(المسألة الثانية عشرة من الشروط):

اختلفوا في الموالاة في أفعال الوضوء، فذهب مالك إلى أن الموالاة فرض مع الذكر ومع القدرة ساقطة مع النسيان ومع الذكر عند العذر ما لم يتفاحش التفاوت. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الموالاة ليست من واجبات الوضوء، والسبب في ذلك الاشتراك الذي في الواو أيضا، وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المتتابعة المتلاحقة بعضها على بعض، وقد يعطف بها الأشياء المتراخية بعضها عن بعض. وقد احتج قوم لسقوط الموالاة بما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يتوضأ في أول طهوره ويؤخر غسل رجليه إلى آخر الطهر، وقد يدخل الخلاف في هذه المسألة أيضا في الاختلاف في حمل الأفعال على الوجوب أو على الندب، وإنما فرق مالك بين العمد والنسيان، لأن الناسي الأصل فيه في الشرع أنه معفو عنه إلى أن يقوم الدليل على غير ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" وكذلك العذر يظهر من أمر الشرع أن له تأثيرا في التخفيف، وقد ذهب قوم إلى أن التسمية من فروض الوضوء واحتجوا لذلك بالحديث المرفوع، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "لا وضوء لمن لم يسم الله" وهذا الحديث لم يصح عند أهل النقل، وقد حمله بعضهم على أن المراد به النية، وبعضهم حمله على الندب فيما أحسب، فهذه مشهورات المسائل التي تجري من هذا الباب مجرى الأصول، وهي كما قلنا متعلقة إما بصفات أفعال هذه الطهارة، وإما بتحديد مواضعها، وإما بتعريف شروطها وأركانها وسائر ما ذكر، ومما يتعلق بهذا الباب مسح الخفين إذ كان من أفعال الوضوء.

*4*(والكلام المحيط بأصوله يتعلق بالنظر في سبع مسائل) بالنظر في جوازه، وفي تحديد محله، وفي تعيين محله، وفي صفته: أعني صفة المحل، وفي توقيته، وفي شروطه، وفي نواقضه:

@-(المسألة الأولى): فأما الجواز، ففيه ثلاثة أقوال: القول المشهور أنه جائز على الإطلاق، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار. والقول الثاني جوازه في السفر دون الحضر. والقول الثالث منع جوازه بإطلاق وهو أشدها. والأقاويل الثلاثة مروية عن الصدر الأول وعن مالك، والسبب في اختلافهم ما يظن من معارضة آية الوضوء الوارد فيها الأمر بغسل الأرجل للآثار التي وردت في المسح مع تأخير آية الوضوء، وهذا الخلاف كان بين الصحابة في الصدر الأول، فكان منهم من يرى أن آية الوضوء ناسخة لتلك الآثار، وهو مذهب ابن عباس، واحتج القائلون بجوازه بما رواه مسلم أنه كان يعجبهم حديث جرير، وذلك أنه روى "أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يمسح على الخفين، فقيل له إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة" وقال المتأخرون القائلون بجوزاه: ليس بين الآية والآثار تعارض، لأن الأمر بالغسل إنما هو متوجه إلى من لا خف له، والرخصة إنما هي للابس الخف، وقيل إن تأويل قراءة الأرجل بالخفض هو المسح على الخفين، وأما من فرق بين السفر والحضر فلأن أكثر الآثار الصحاح الواردة في مسحه عليه الصلاة والسلام إنما كانت في السفر، مع أن السفر مشعر بالرخصة والتخفيف، والمسح على الخفين هو من باب التخفيف، فإن نزعه مما يشق على المسافر.

@-(المسألة الثانية): وأما تحديد المحل فاختلف فيه أيضا فقهاء الأمصار، فقال قوم: إن الواجب من ذلك مسح أعلى الخف، وإن مسح الباطن أعني أسفل الخف مستحب، ومالك أحد من رأى هذا والشافعي، ومنهم من أوجب مسح ظهورهما وبطونهما، وهو مذهب ابن نافع من أصحاب مالك، ومنهم من أوجب مسح الظهور فقط ولم يستحب مسح البطون، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وسفيان وجماعة، وشذ أشهب فقال: إن الواجب مسح الباطن، أو الأعلى أيهما مسح (نسخة فاس: والأعلى مستحب)؛ وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك وتشبيه المسح بالغسل، وذلك أن في ذلك أثرين متعارضين: أحدهما حديث المغيرة بن شعبة وفيه "أنه صلى الله عليه وسلم مسح على الخف وباطنه" والآخر حديث علي "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه، فمن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين حمل حديث المغيرة على الاستحباب، وحديث علي على الوجوب، وهي طريقة حسنة. ومن ذهب مذهب الترجيح أخذ إما بحديث علي، وإما بحديث المغيرة، فمن رجح حديث المغيرة على حديث علي رجحه من قبل القياس، أعني قياس المسح على الغسل، ومن رجح حديث علي رجحه من قبل مخالفته للقياس أو من جهة السند، والأسعد في هذه المسألة هو مالك. وأما من أجاز الاقتصار على مسح الباطن فقط فلا أعلم له حجة، لأنه لا هذا الأثر اتبع، ولا هذا القياس استعمل، أعني قياس المسح على الغسل.

@-(المسألة الثالثة): وأما نوع محل المسح فإن الفقهاء القائلين بالمسح اتفقوا على جواز المسح على الخفين، واختلفوا في المسح على الجوربين، فأجاز ذلك قوم ومنعه قوم، وممن منع ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة، وممن أجاز ذلك أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري. وسبب اختلافهم اختلافهم في صحة الآثار الواردة عنه عليه الصلاة والسلام أنه مسح على الجوربين والنعلين. واختلافهم أيضا في هل يقاس على الخف غيره أم هي عبادة لا يقاس عليها ولا يتعدى بها محلها، فمن لم يصح عنده الحديث أو لم يبلغه، ولم ير القياس على الخف قصر المسح عليه، ومن صح عنده الأثر، أو جوز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين، وهذا الأثر لم يخرجه الشيخان أعني البخاري ومسلما وصححه الترمذي، ولتردد الجوربين المجلدين بين الخف والجورب غير المجلد عن مالك في المسح عليهما روايتان: إحداهما بالمنع والأخرى بالجواز.

@-(المسألة الرابعة): وأما صفة الخف، فإنهم اتفقوا على جواز المسح على الخف الصحيح، واختلفوا في المخرق، فقال مالك وأصحابه: يمسح عليه إذا كان الخرق يسيرا، وحدد أبو حنيفة بما يكون الظاهر منه أقل من ثلاثة أصابع. وقال قوم بجواز المسح على الخف المنخرق ما دام يسمى خفا وإن تفاحش خرقه، وممن روى عنه ذلك الثوري، ومنع الشافعي أن يكون في مقدم الخف خرق يظهر منه القدم ولو كان يسيرا في أحد القولين عنه وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في انتقال الفرض من الغسل إلى المسح هل هو لموضع الستر أعني ستر خف القدمين، أم هو لموضع المشقة في نوع الخفين؟ فمن رآه لموضع الستر لم يجز المسح على الخف المنخرق، لأنه إذا انكشف من القدم شيء انتقل فرضهما من المسح إلى الغسل، ومن رأى أن العلة في ذلك المشقة لم يعتبر الخرق ما دام يسمى خفا. وأما التفريق بين الخرق الكثير واليسير فاستحسان ورفع للحرج. وقال الثوري: كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ذلك حظر لورد ونقل عنهم. قلت: هذه المسألة هي مسكوت عنها، فلو كان فيها حكم مع عموم الابتلاء به لبينه صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى {لتبين للناس ما نزل إليهم} .

@-(المسألة الخامسة): وأما التوقيت فإن الفقهاء أيضا اختلفوا فيه، فرأى مالك أن ذلك غير مؤقت، وأن لابس الخفين يمسح عليهما ما لم ينزعهما أو تصيبه جنابة؛ وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن ذلك مؤقت. والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك، وذلك أنه ورد في ذلك ثلاثة أحاديث: أحدها حديث علي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم" خرجه مسلم. والثاني حديث أبي بن عمارة "أنه قال يارسول الله أأمسح على الخف؟ قال: نعم، قال: يوما؟ قال: نعم، ويومين؟ قال: نعم، قال: وثلاثة؟ قال نعم حتى بلغ سبعا، ثم قال: امسح ما بدا لك" خرجه أبو داود والطحاوي. والثالث حديث صفوان بن عسال قال: كنا في سفر فأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من بول أو نوم أو غائط (هكذا رواية الترمذي ورواية النسائي "ثلاثة أيام بلياليهن" من غائط وبول ونوم إلا من جنابة). قلت: أما حديث علي فصحيح خرجه مسلم. وأما حديث أبي بن عمارة فقال فيه أبو عمر بن عبد البر إنه حديث لا يثبت وليس له إسناد قائم، ولذلك ليس ينبغي أن يعارض به حديث علي. وأما حديث صفوان بن عسال فهو وإن كان لم يخرجه البخاري ولا مسلم فإنه قد صححه قوم من أهل العلم بحديث الترمذي وأبو محمد بن حزم، وهو بظاهره معارض بدليل الخطاب لحديث أبي كحديث علي، وقد يحتمل أن يجمع بينهما بأن يقال: إن حديث صفوان وحديث علي خرجا مخرجا السؤال عن التوقيت، وحديث أبي بن عمارة نص في ترك التوقيت، لكن حديث أبي لم يثبت بعد، فعلى هذا يجب العمل بحديثي علي وصفوان، وهو الأظهر إلا أن دليل الخطاب فيهما يعارضه القياس، وهو كون التوقيت غير مؤثر في نقض الطهارة، لأن النواقض هي الأحداث.

@-(المسألة السادسة): وأما شرط المسح على الخفين، فهو أن تكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء، وذلك شيء مجمع عليه إلا خلافا شاذا. وقد روي عن ابن القاسم عن مالك ذكره ابن لبابة في المنتخب، وإنما قال به الأكثر لثبوته في حديث المغيرة وغيره إذا أراد أن ينزع الخف عنه، فقال عليه الصلاة والسلام "دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان" والمخالف حمل هذه الطهارة على الطهارة اللغوية، واختلف الفقهاء من هذا الباب فيمن غسل رجليه ولبس خفيه ثم أتم وضوءه هل يمسح عليهما؟ فمن لم ير أن الترتيب واجب ورأى أن الطهارة تصح لكل عضو قبل أن تكمل الطهارة لجميع الأعضاء قال بجواز ذلك، ومن رأى أن الترتيب واجب وأنه لا تصح طهارة العضو إلا بعد طهارة جميع أعضاء الطهارة لم يجز ذلك، وبالقول الأول قال أبو حنيفة، وبالقول الثاني قال الشافعي ومالك، إلا أن مالكا لم يمنع ذلك من جهة الترتيب، وإنما منعه من جهة أنه يرى أن الطهارة لا توجد للعضو إلا بعد كمال جميع الطهارة، وقد قال عليه الصلاة والسلام "وهما طاهرتان" فأخبر عن الطهارة الشرعية. وفي بعض روايات المغيرة "إذا أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما" وعلى هذه الأصول يتفرع الجواب فيمن لبس أحد خفيه بعد أن غسل إحدى رجليه وقبل أن يغسل الأخرى؛ فقال مالك: لا يمسح على الخفين لأنه لابس للخف قبل تمام الطهارة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة والثوري والمزي والطبري وداود: يجوز له المسح، وبه قال جماعة من أصحاب مالك منهم مطرف وغيره، وكلهم أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول بعد غسل الرجل الثانية ثم لبسها جاز له المسح، وهل من شرط المسح على الخف أن لا يكون على خف آخر عن مالك فيه قولان. وسبب الخلاف هل كما تنتقل طهارة القدم إلى الخف إذا ستره الخف، كذلك تنتقل طهارة الخف الأسفل الواجبة إلى الخف الأعلى؟ فمن شبه النقلة الثانية بالأولى أجاز المسح على الخف الأعلى، ومن لم يشبهها بها وظهر له الفرق لم يجز ذلك.

@-(المسألة السابعة): فأما نواقض هذه الطهارة، فإنهم أجمعوا على أنها نواقض الوضوء بعينها، واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا؟ فقال قوم: إن نزعه وغسل قدميه فطهارته باقية، وإن لم يغسلهما وصلى أعاد الصلاة بعد غسل قدميه، وممن قال بذلك مالك وأصحابه والشافعي وأبو حنيفة، إلا أن مالكا رأى أنه إن أخر ذلك استأنف الوضوء على رأيه في وجوب المولاة على الشرط الذي تقدم. وقال قوم: طهارته باقية حتى يحدث حدثا ينقض الوضوء وليس عليه غسل، وممن قال بهذا القول داود وابن أبي ليلى. وقال الحسن بن حي: إذا نزع خفيه فقد بطلت طهارته، وبكل واحد من هذه الأقوال الثلاثة قالت طائفة من فقهاء التابعين، وهذه المسألة هي مسكوت عنها. وسبب اختلافهم هل المسح على الخفين هو أصل بذاته في الطهارة أو بدل من غسل القدمين عند غيبوبتهما في الخفين؟ فإن قلنا هو أصل بذاته فالطهارة باقية وإن نزع الخفين كمن قطعت رجلاه بعد غسلهما، وإن قلنا إنه بدل، فيحتمل أن يقال إذا نزع الخف بطلت الطهارة وإن كنا نشترط الفور، ويحتمل أن يقال إن غسلهما أجزأت الطهارة إذا لم يشترط الفور. وأما اشتراط الفور من حين نزع الخف فضعيف، وإنما هو شيء يتخيل فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الباب.

*4*الباب الثالث في المياه.

@-والأصل في وجوب الطهارة بالمياه قوله تعالى {وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به} وقوله {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} وأجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافا في الصدر الأول شاذا، وهم محجوبون بتناول اسم الماء المطلق له، وبالأثر الذي خرجه مالك وهو قوله عليه الصلاة والسلام في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وهو وإن كان حديثا مختلفا في صحته، فظاهر الشرع يعضده، وكذلك أجمعوا على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالبا أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير إلا خلافا شاذا، روي في الماء الآجن عن ابن سيرين، وهو أيضا محجوج بتناول اسم الماء المطلق له، واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة إما طعمه أو لونه أو ريحه أو أكثر من واحد من هذه الأوصاف أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور. واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه وأنه طاهر، فهذا ما أجمعوا عليه من هذا الباب، واختلفوا من ذلك في ست مسائل تجري مجرى القواعد والأصول لهذا الباب.

@-(المسألة الأولى) اختلفوا في الماء إذا خالطته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه، فقال قوم: هو طاهر سواء كان كثيرا أو قليلا، وهي إحدى الروايات عن مالك، وبه قال أهل الظاهر، وقال قوم: بالفرق بين القليل والكثير، فقالوا إن كان قليلا كان نجسا، وإن كان كثيرا لم يكن نجسا. وهؤلاء اختلفوا في الحد بين القليل والكثير، فذهب أبو حنيفة إلى أن الحد في هذا هو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدمي من أحد طرفيه لم تسر الحركة إلى الطرف الثاني منه. وذهب الشافعي إلى أن الحد في ذلك هو قلتان من هجر، وذلك نحو قلال من خمسمائة رطل، ومنهم من لم يجد في ذلك حدا، ولكن قال: إن النجاسة تفسد قليل الماء وإن لم تغير أحد أوصافه، وهذا أيضا مروي عن مالك، وقد روي أيضا أن هذا الماء مكروه فيتحصل عن مالك في الماء اليسير تحله النجاسة اليسيرة ثلاثة أقوال: قول إن النجاسة تفسده، وقول إنها لا تفسده إلا أن يتغير أحد أوصافه، وقول إنه مكروه. وسبب اختلافهم في ذلك هو تعارض ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، وذلك أن حديث أبي هريرة المتقدم وهو قوله عليه الصلاة والسلام "إذا استيقظ أحدكم من نومه" الحديث، يفهم من ظاهره أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء، وكذلك أيضا حديث أبي هريرة الثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه" فإنه يوهم بظاهره أيضا أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء.

وكذلك ما ورد من النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم. وأما حديث أنس الثابت "أن أعرابيا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه، فلما فرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب ماء فصب على بوله" فظاهره أن قليل النجاسة لا يفسد قليل الماء، إذ معلوم أن ذلك الموضع قد طهر من ذلك الذنوب. وحديث أبي سعيد الخدري كذلك أيضا خرجه أبو داود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له "إنه يتسقى من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحائض وعذرة الناس، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الماء لا ينسجه شيء" فرام العلماء الجمع بين هذه الأحاديث واختلفوا في طريق الجمع فاختلفت لذلك مذاهبهم؛ فمن ذهب إلى القول بظاهر حديث الأعرابي وحديث أبي سعيد قال: إن حديثي أبي هريرة غير معقولي المعنى، وامتثال ما تضمناه عبادة لا لأن ذلك الماء ينجس، حتى إن الظاهرية أفرطت في ذلك فقالت: لو صب البول إنسان في ذلك الماء من قدح لما كره الغسل به والوضوء، فجمع بينهما على هذا الوجه من قال هذا القول، ومن كره الماء القليل تحله النجاسة اليسيرة جمع بين الأحاديث، فإنه حمل حديثي أبي هريرة على الكراهية، وحمل حديث الأعرابي وحديث أبي سعيد على ظاهرهما، أعني على الإجزاء. وأما الشافعي وأبو حنيفة، فجمعا بين حديثي أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري، بأن حملا حديثي أبي هريرة على الماء القليل، وحديث أبي سعيد على الماء الكثير. وذهب الشافعي إلى أن الحد في ذلك الذي يجمع الأحاديث هو ما ورد في حديث عبد الله بن عمر عن أبيه، خرجه أبو داود والترمذي، وصححه أبو محمد بن حزم قال "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال: إن كان الماء قلتين لم يحمل خبثا" وأما أبو حنيفة فذهب إلى أن الحد في ذلك من جهة القياس، وذلك أنه اعتبر سريان النجاسة في جميع الماء بسريان الحركة، فإذا كان الماء بحيث يظن أن النجاسة لا يمكن فيها أن تسري في جميعه فالماء طاهر، لكن من ذهب هذين المذهبين فحديث الأعرابي المشهور معارض له ولا بد، فلذلك لجأت الشافعية إلى أن فرقت بين ورود الماء على النجاسة وورودها على الماء، فقالوا إن ورد عليها الماء كما في حديث الأعرابي لم ينجس، وإن وردت النجاسة على الماء كما في حديث أبي هريرة نجس.

وقال جمهور الفقهاء: هذا تحكم، وله إذا تؤمل وجه من النظر، وذلك أنهم إنما صاروا إلى الإجماع على أن النجاسة اليسيرة لا تؤثر في الماء الكثير إذا كان الماء الكثير بحيث يتوهم أن النجاسة لا تسري في جميع أجزائه، وأنه يستحيل عينها عن الماء الكثير، وإذا كان ذلك كذلك، فلا يبعد أن قدرا ما من الماء لو حله قدر ما من النجاسة لسرت فيه ولكان نجسا، فإذا ورد ذلك الماء على النجاسة جزءا فجزءا فمعلوم أنه تفنى عين تلك النجاسة وتذهب قبل فناء ذلك الماء، وعلى هذا فيكون آخر جزء ورد من ذلك الماء قد طهر المحل لأن نسبته إلى ما ورد عليه مما بقي من النجاسة نسبة الماء الكثير إلى القليل من النجاسة، ولذلك كان العلم يقع في هذه الحال بذهاب عين النجاسة، أعني في وقوع الجزء الأخير الطاهر على آخر جزء يبقى من عين النجاسة، ولهذا أجمعوا على أن مقدار ما يتوضأ به يطهر قطرة البول الواقعة في الثوب أو البدن.

واختلفوا إذا وقعت القطرة من البول في ذلك القدر من الماء. وأولى المذاهب عندي وأحسنها طريقة في الجمع، هو أن يحمل حديث أبي هريرة وما في معناه على الكراهية، وحديث أبي سعيد وأنس على الجواز، لأن هذا التأويل يبقى مفهوم الأحاديث على ظاهرها، أعني حديثي أبي هريرة من أن المقصود بها تأثير النجاسة في الماء؛ وحد الكراهية عندي هو ما تعافه النفس وترى أنه ماء خبيث، وذلك أن ما يعاف الإنسان شربه يجب أن يجتنب استعماله في القربة إلى الله تعالى، وأن يعاف وروده على ظاهر بدنه كما يعاف وروده على داخله، وأما من احتج بأنه لو كان قليل النجاسة ينجس قليل الماء لما كان الماء يطهر أحدا أبدا، إذ كان يجب على هذا أن يكون المنفصل من الماء عن الشيء النجس المقصود تطهيره أبدا نجسا، فقول لا معنى له، لما بيناه من أن نسبة آخر جزء يرد من الماء على آخر جزء يبقى من النجاسة في المحل نسبة الماء الكثير إلى النجاسة القليلة، وإن كان يعجب به كثير من المتأخرين، فإنا نعلم قطعا أن الماء الكثير يحيل النجاسة ويقلب عينها إلى الطهارة، ولذلك أجمع العلماء على أن الماء اللكثير لا تفسده النجاسة القليلة، فإذا تابع الغاسل صب الماء على المكان النجس أو العضو النجس، فيحيل الماء ضرورة عين النجاسة بكثرته، ولا فرق بين الماء الكثير أن يرد على النجاسة الواحدة بعينها دفعة، أو يرد عليها جزءا بعد جزء، فإذا هؤلاء إنما احتجوا بموضع الإجماع على موضع الخلاف من حيث لم يشعروا بذلك، والموضعان في غاية التباين، فهذا ما ظهر لنا في هذه المسألة من سبب اختلاف الناس فيها وترجيح أقوالهم فيها، ولوددنا لو أن سلكنا في كل مسألة هذا المسلك، لكن رأينا أن هذا يقتضي طولا وربما عاق الزمان عنه، وأن الأحوط هو أن نؤم الغرض الأول الذي قصدناه، فإن يسر الله تعالى فيه وكان لنا انفساح من العمر فسيتم هذا الغرض.

@-( المسألة الثانية) الماء الذي خالطه زعفران أو غيره من الأشياء الطاهرة التي تنفك منه غالبا متى غيرت أحد أوصافه، فإنه طاهر عند جميع العلماء غير مطهر عند مالك والشافعي، ومطهر عند أبي حنيفة ما لم يكن التغير عن طبخ. وسبب اختلافهم هو خفاء تناول اسم الماء المطلق للماء الذي خالطه أمثال هذه الأشياء، أعني هل يتناوله أو لا يتناوله؟ فمن رأى أنه لا يتناوله اسم الماء المطلق وإنما يضاف إلى الشيء الذي خالطه فيقال ماء كذا لا ماء مطلق لم يجز الوضوء به، إذ كان الوضوء إنما يكون بالماء المطلق، ومن رأى أنه يتناوله اسم الماء المطلق أجاز به الوضوء، ولظهور عدم تناول اسم الماء للماء المطبوخ مع شيء طاهر اتفقوا على أنه لا يجوز الوضوء به، وكذلك في مياه النبات المستخرجة منه إلا ما في كتاب ابن شعبان من أجازة طهر الجمعة بماء الورد. والحق أن الاختلاط يختلف بالكثرة والقلة، فقد يبلغ من الكثرة إلى حد لا يتناوله اسم الماء المطلق مثل ما يقال ماء الغسل، وقد لا يبلغ إلى ذلك الحد، وبخاصة متى تغيرت منه الريح فقط، ولذلك لم يعتبر الريح قوم ممن منعوا الماء المضاف، وقد قال عليه الصلاة والسلام لأم عطية عند أمره إياها بغسل ابنته "اغسلنها بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور" فهذا ماء مختلط ولكنه لم يبلغ من الاختلاط بحيث يسلب عنه اسم الماء المطلق، وقد روي عن مالك باعتبار الكثرة في المخالطة والقلة والفرق بينهما، فأجازه مع القلة وإن ظهرت الأوصاف، ولم يجزه مع الكثرة.

@-(المسلئة الثالثة) الماء المستعمل في الطهارة. اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: فقوم لم يجيزوا الطهارة به على كل حال، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وقوم كرهوه ولم يجيزوا التيمم مع وجوده، وهو مذهب مالك وأصحابه، وقوم لم يروا بينه وبين الماء المطلق فرقا، وبه قال أبو ثور وداود وأصحابه، وشذ أبو يوسف فقال إنه نجس. وسبب الخلاف في هذا أيضا ما يظن من أنه لا يتناوله اسم الماء المطلق حتى إن بعضهم غلا فظن أن اسم الغسالة أحق به من اسم الماء، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أصحابه يقتتلون على فضل وضوئه، ولا بد أن يقع من الماء المستعمل في الإناء الذي بقي فيه الفضل. وبالجملة فهو ماء مطلق لأنه في الأغلب ليس ينتهي إلى أن يتغير أحد أوصافه بدنس الأعضاء التي تغسل به، فإن انتهى إلى ذلك، فحكمه حكم الماء الذي تغير أحد أوصافه بشيء طاهر، وإن كان هذا تعافه النفوس أكثر، وهذا لحظ من كرهه، وأما من زعم أنه نجس فلا دليل معه.

@-(المسألة الرابعة) اتفق العلماء على طهارة أسآر المسلمين وبهيمة الأنعام، واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافا كثيرا، فمنهم من زعم أن كل حيوان طاهر السؤر، ومنهم من استثنى من ذلك الخنزير فقط، وهذان القولان مرويان عن مالك، ومنهم من استثنى من ذلك الخنزير والكلب، وهو مذهب الشافعي ومنهم من استثنى من ذلك السباع عامة، وهو مذهب ابن القاسم، ومنهم من ذهب إلى أن الأسآر تابعة للحوم، فإن كانت اللحوم محرمة فالأسآر نجسة، وإن كانت مكروهة فالأسآر مكروهة، وإن كانت مباحة فالأسآر طاهرة. وأما سؤر المشرك فقيل إنه نجس، وقيل إنه مكروه إذا كان يشرب الخمر، وهو مذهب ابن القاسم، وكذلك عنده جميع أسآر الحيوانات التي لا تتوقى النجاسة غالبا مثل الدجاج المخلاة والإبل الجلالة والكلاب المخلاة. وسبب اختلافهم في ذلك هو ثلاثة أشياء: أحدها معارضة القياس لظاهر الكتاب. والثاني معارضته لظاهر الآثار. والثالث معارضة الآثار بعضها بعضا في ذلك. أما القياس فهو أنه لما كان الموت من غير ذكاة هو سبب نجاسة عين الحيوان بالشرع وجب أن تكون الحياة هي سبب طهارة عين الحيوان، وإذا كان ذلك كذلك فكل حي طاهر العين، وكل طاهر العين فسؤره طاهر. وأما ظاهر الكتاب فإنه عارض هذا القياس في الخنزير والمشرك، وذلك أن الله تعالى يقول في الخنزير {فإنه رجس} وما هو رجس في عينه فهو نجس لعينه، ولذلك استثنى قوم من الحيوان الحي الخنزير فقط، ومن لم يستثنه حمل قوله "رجس" على جهة الذم له. وأما المشرك ففي قوله تعالى {إنما المشركون نجس} فمن حمل هذا أيضا على ظاهره استثنى من مقتضى ذلك في القياس المشركين، ومن أخرجه مخرج الذم لهم طرد قياسه.

وأما الآثار فإنها عارضت هذا القياس في الكلب والهر والسباع. أما الكلب فحديث أبي هريرة المتفق على صحته، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرات" وفي بعض طرقه "أولاهن بالتراب" وفي بعضها "وعفروه الثامنة بالتراب" وأما الهر فما رواه قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين" وقرة ثقة عند أهل الحديث. وأما السباع فحديث ابن عمر المتقدم عن أبيه قال "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال: إن كان الماء قلتين لم يحمل خبثا". وأما تعارض الآثار في هذا الباب، فمنها أنه روي عنه "أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها الكلاب والسباع، فقال "لها ما حملت في بطونها ولكم ما غبر شرابا وطهورا" ونحو هذا حديث عمر الذي رواه مالك في موطئه وهو قوله "يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا" وحديث أبي قتادة أيضا الذي خرجه مالك "أن كبشة سكبت له وضوء فجاءت هرة لتشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات"

فاختلف العلماء في تأويل هذه الآثار ووجه جمعها مع القياس المذكور؛ فذهب مالك في الأمر بإراقة سؤر الكلب وغسل الإناء منه، إلى أن ذلك عبادة غير معللة، وأن الماء الذي يلغ فيه ليس بنجس، ولم ير إراقة ما عدا الماء من الأشياء التي يلغ فيها الكلب في المشهور عنه، وذلك كما قلنا لمعارضة ذلك القياس له، ولأنه ظن أيضا أنه إن فهم منه أن الكلب نجس العين عارضه ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى {فكلوا مما أمسكن عليكم} يريد أنه لو كان نجس العين لنجس الصيد بمماسته، وأيد هذا التأويل بما جاء في غسله من العدد والنجاسات ليس يشترط في غسلها العدد فقال: إن هذا الغسل إنما هو عباده، ولم يعرج على سائر تلك الآثار لضعفها عنده. وأما الشافعي فاستثنى الكلب من الحيوان الحي ورأى أن ظاهر هذا الحديث يوجب نجاسة سؤره، وأن لعابه هو النجس لا عينه فيما أحسب، وأنه يجب أن يغسل الصيد منه، وكذلك استثنى الخنزير لمكان الآية المذكورة. وأما أبو حنيفة فإنه زعم أن المفهوم من هذه الآثار الواردة بنجاسة سؤر السباع والهر والكلب هو من قبل تحريم لحومها، وأن هذا من باب الخاص أريد به العام فقال: الأسآر تابعة للحوم الحيوان، وأما بعض الناس فاستثنى من ذلك الكلب والهر والسباع على ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك. وأما بعضهم فحكم بطهارة سؤر الكلب والهر، فاستثنى من ذلك السباع فقط. أما سؤر الكلب فللعدد المشترط في غسله، ولمعارضة ظاهر الكتاب له ولمعارضة حديث أبي قتادة له، إذ علل عدم نجاسة الهرة من قبل أنها من الطوافين والكلب طواف. وأما الهرة فمصيرا إلى ترجيح حديث أبي قتادة على حديث قرة عن ابن سيرين، وترجيح حديث ابن عمر على حديث عمر، وما ورد في معناه لمعارضة حديث أبي قتادة له بدليل الخطاب؛ وذلك أنه لما علل عدم النجاسة في الهرة بسبب الطواف فهم منه أن ما ليس بطواف وهي السباع فأسآرها محرمة، وممن ذهب هذا المذهب ابن القاسم،

وأما أبو حنيفة فقال كما قلنا بنجاسة سؤر الكلب، ولم ير العدد في غسله شرطا في طهارة الإناء الذي ولغ فيه لأنه عارض ذلك عنده القياس في غسل النجاسات، أعني أن المعتبر فيها إنما هو إزالة العين فقط، وهذا على عادته في رد أخبار الآحاد لمكان معارضة الأصول لها. قال القاضي: فاستعمل من هذا الحديث بعضا ولم يستعمل بعضا، أعني أنه استعمل منه ما لم تعارضه عنده الأصول، ولم يستعمل ما عارضته منه الأصول، وعضد ذلك بأنه مذهب أبي هريرة الذي روى الحديث، فهذه هي الأشياء التي حركت الفقهاء إلى هذا الاختلاف الكثير في هذه المسألة وقادتهم إلى الافتراق فيها، والمسألة اجتهادية محضة يعسر أن يوجد فيها ترجيح ، ولعل الأرجح أن يستثنى من طهارة أسآر الحيوان الكلب والخنزير والمشرك لصحة الآثار الواردة في الكلب ولأن ظاهر الكتاب أولى أن يتبع في القول بنجاسة عين الخنزير والمشرك من القياس، وكذلك ظاهر الحديث، وعليه أكثر الفقهاء، أعني على القول بنجاسة سؤر الكلب، فإن الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب مخيل ومناسب في الشرع لنجاسة الماء الذي ولغ فيه، أعني أن المفهوم بالعادة في الشرع من الأمر بإراقة الشيء وغسل الإناء منه هو لنجاسة الشيء، وما اعترضوا به من أنه لو كان ذلك لنجاسة الإناء لما اشترط فيه العدد، فغير نكير أن يكون الشرع يخص نجاسة دون نجاسة بحكم دون حكم تغليظا لها. قال القاضي: وقد ذهب جدي رحمة الله عليه في كتاب المقدمات إلى أن هذا الحديث معلل معقول المعنى ليس من سبب النجاسة. بل من سبب ما يتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ في الإناء كلبا، فيخاف من ذلك السم. قال: ولذلك جاء هذا العدد الذي هو السبع في غسله، فإن هذا العدد قد استعمل في الشرع في مواضع كثيرة في العلاج والمداواة من الأمراض، وهذا الذي قال رحمه الله هو وجه حسن على طريقة المالكية، فإنه إذا قلنا إن ذلك الماء غير نجس، فالأولى أن يعطى علة في غسله من أن يقول إنه غير معلل، وهذا طاهر بنفسه، وقد اعترض عليه فيما بلغني بعض الناس بأن قال: إن الكلب الكلب لا يقرب الماء في حين كلبه، وهذا الذي قالوه هو عند استحكام هذه العلة بالكلاب، لا في مباديها وفي أول حدوثها، فلا معنى لاعتراضهم. وأيضا فإنه ليس في الحديث ذكر الماء، وإنما فيه ذكر الإناء، ولعل في سؤره خاصية من هذا الوجه ضارة، أعني قبل أن يستحكم به الكلب، ولا يستنكر ورود مثل هذا في الشرع، فيكون هذا من باب ما ورد في الذباب إذا وقع في الطعام أن يغمس، وتعليل ذلك بأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء. وأما ما قيل في المذهب من أن هذا الكلب هو الكلب المنهي عن اتخاذه أو الكلب الخضري فضعيف وبعيد من هذا التعليل، إلا أن يقول قائل: إن ذلك أعني النهي من باب التحريج في اتخاذه.

@-(المسألة الخامسة) اختلف العلماء في أسآر الطهر على خمسة أقوال: فذهب قوم إلى أن أسآر الطهر طاهرة بإطلاق، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة. وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة، ويجوز للمرأة أن تتطهر بسؤر الرجل، وذهب آخرون إلى أنه يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ما لم تكن المرأة جنبا أو حائضا، وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لواحد منهما أن يتطهر بفضل صاحبه إلا أن يشرعا معا. وقال قوم: لا يجوز وإن شرعا معا، وهو مذهب أحمد بن حنبل. وسبب اختلافهم في هذا اختلاف الآثار، وذلك أن في ذلك أربعة آثار: أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من الجنابة هو وأزواجه من إناء واحد، والثاني حديث ميمونة أنه اغتسل من فضلها، والثالث حديث الحكم الغفاري أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، خرجه أبو داود والترمذي. والرابع حديث عبد الله بن سرجس قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان معا". فذهب العلماء في تأويل هذه الأحاديث مذهبين: مذهب الترجيح، ومذهب الجمع في بعض والترجيح في بعض، أما من رجح حديث اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه من إناء واحد على سائر الأحاديث، لأنه مما اتفق الصحاح على تخريجه، ولم يكن عنده فرق بين أن يغتسلا معا أو يغتسل كل منهما بفضل صاحبه، لأن المغتسلين معا كل واحد منهما مغتسل بفضل صاحبه، وصحح حديث ميمونة مع هذا الحديث ورجحه على حديث الغفاري فقال بطهر الأسآر على الإطلاق. وأما من رجح حديث الغفاري على حديث ميمونة وهو مذهب أبي محمد بن حزم. وجمع بين حديث الغفاري وحديث اغتسال النبي عليه الصلاة والسلام مع أزواجه من إناء واحد بأن فرق بين الاغتسال معا، وبين أن يغتسل أحدهما بفضل الآخر وعمل على هذين الحديثين فقط أجاز للرجل أن يتطهر مع المرأة من إناء واحد، ولم يجز أن يتطهر هو من فضل طهرها، وأجاز أن تتطهر هي من فضل طهره. وأما من ذهب مذهب الجمع بين الأحاديث كلها ما خلا حديث ميمونة، فإنه أخذ بحديث عبد الله بن سرجس، لأنه يمكن أن يجتمع عليه حديث الغفاري، وحديث غسل النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه من إناء واحد ويكون فيه زيادة، وهي أن لا تتوضأ المرأة أيضا بفضل الرجل، لكن يعارضه حديث ميمونة، وهو حديث خرجه مسلم، لكن قد علله كما قلنا بعض الناس من أن بعض رواته قال فيه: أكثر ظني أو أكثر علمي أن أبا الشعثاء حدثني، وأما من لم يجز لواحد منهما أن يتطهر بفضل صاحبه ولا يشرعان معا، فلعله لم يبلغه من الأحاديث إلا حديث الحكم الغفاري وقاس الرجل على المرأة. وأما من نهى عن سؤر المرأة الجنب والحائض فقط، فلست أعلم له حجة إلا أنه مروي عن بعض السلف أحسبه عن ابن عمر.

@-(المسألة السادسة) صار أبو حنيفة من بين معظم أصحابه وفقهاء الأمصار إلى إجازة الوضوء بنبيذ التمر في السفر لحديث ابن عباس "أن ابن مسعود خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل معك من ماء؟ فقال: معي نبيذ في إداوتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصبب فتوضأ به، وقال: شراب وطهور" وحديث أبي رافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن مسعود بمثله، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثمرة طيبة وماء طهور" وزعموا أنه منسوب إلى الصحابة علي وابن عباس، وأنه لا مخالف لهم من الصحابة، فكان كالإجماع عندهم. ورد أهل الحديث هذا الخبر ولم يقبلوه لضعف رواته، ولأنه قد روي من طرق أوثق من هذه الطرق أن ابن مسعود لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن. واحتج الجمهور لرد هذا الحديث بقوله تعالى {فلم تجدوا ماء فتيموا صعيدا طيبا} قالوا فلم يجعل ههنا وسطا بين الماء والصعيد، وبقوله عليه الصلاة والسلام "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء إلى عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته" ولهم أن يقولوا إن هذا قد أطلق عليه في الحديث اسم الماء، والزيادة لا تقتضي نسخا فيعارضها الكتاب، لكن هذا مخالف لقولهم إن الزيادة نسخ.

*4*الباب الرابع في نواقض الوضوء.

@-والأصل في هذا الباب قوله تعالى {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} وقوله عليه الصلاة والسلام "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ" واتفقوا في هذا الباب على انتقاض الوضوء من البول والغائط والريح والمذي والودي لصحة الآثار في ذلك إذا كان خروجها على وجه الصحة.

@-(ويتعلق بهذا الباب مما اختلفوا فيه سبع مسائل) تجري منه مجرى القواعد لهذا الباب.

@-(المسألة الأولى) اختلف علماء الأمصار في انتقاض الوضوء مما يخرج من الجسد من النجس على ثلاثة مذاهب: فاعتبر قوم في ذلك الخارج وحده من أي موضع خرج وعلى أي جهة خرج، وهو أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأحمد وجماعة ولهم من الصحابة السلف فقالوا: كل نجاسة تسيل من الجسد وتخرج منه يجب منها الوضوء كالدم والرعاف الكثير والفصد والحجامة والقيء إلا البلغم عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة: إنه إذا ملأ الفم ففيه الوضوء، ولم يعتبر أحد من هؤلاء اليسير من الدم إلا مجاهد، واعتبر قوم آخرون المخرجين الذكر والدبر، فقالوا: كل ما خرج من هذين السبيلين فهو ناقض للوضوء من أي شيء خرج من دم أو حصا أو بلغم وعلى أي وجه خرج كان خروجه على سبيل الصحة أو على سبيل المرض، وممن قال بهذا القول الشافعي وأصحابه ومحمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك. واعتبر قوم آخرون الخارج والمخرج وصفة الخروج، فقالوا: كل ما خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه وهو البول والغائط والمذي والودي والريح إذا كان خروجه على وجه الصحة فهو ينقض الوضوء، فلم يروا في الدم والحصاة والدود وضوءا ولا في السلس، وممن قال بهذا القول مالك وجل أصحابه. والسبب في اختلافهم أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائط وبول وريح ومذي لظاهر الكتاب ولتظاهر الآثار بذلك. تطرق إلى ذلك ثلاث احتمالات: أحدها أن يكون الحكم إنما علق بأعيان هذه الأشياء فقط المتفق عليها على ما رآه مالك رحمه الله. الاحتمال الثاني أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن لكون الوضوء طهارة، والطهارة إنما يؤثر فيها النجس. والاحتمال الثالث أن يكون الحكم أيضا إنما علق بها من جهة أنها خارجة من هذين السبيلين، فيكون على هذين القولين الأخيرين ورود الأمر بالوضوء من تلك الأحداث المجمع عليها إنما هو من باب الخاص أريد به العام ويكون عند مالك وأصحابه إنما هو من باب الخاص المحمول على خصوصه؛ فالشافعي وأبو حنيفة اتفقا على أن الأمر بها هو من باب الخاص أريد به العام، واختلفا أي عام هو الذي قصد به؟ فمالك يرجح مذهبه بأن الأصل هو أن يحمل الخاص على خصوصه حتى يدل الدليل على غير ذلك، والشافعي محتج بأن المراد به المخرج لا الخارج باتفاقهم على إيجاب الوضوء من الريح الذي يخرج من أسفل، وعدم إيجاب الوضوء منه إذا خرج من فوق وكلاهما ذات واحدة، والفرق بينهما اختلاف المخرجين، فكان هذا تنبيها على أن الحكم للمخرج وهو ضعيف لأن الريحين مختلفان في الصفة والرائحة، وأبو حنيفة يحتج لأن المقصود بذلك هو الخارج النجس لكون النجاسة مؤثرة في الطهارة، وهذه الطهارة وإن كانت طهارة حكمية فإن فيها شبها من الطهارة المعنوية، أعني طهارة النجس، وبحديث ثوبان "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ" وبما روي عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما من إيجابهما الوضوء من الرعاف وبما روي من أمره صلى الله عليه وسلم المستحاضة بالوضوء لكل صلاة، فكان المفهوم من هذا كله عند أبي حنيفة الخارج النجس، وإنما اتفق الشافعي وأبو حنيفة على إيجاب الوضوء من الأحداث المتفق عليها وإن خرجت على جهة المرض لأمره صلى الله عليه وسلم بالوضوء عند كل صلاة للمستحاضة والاستحاضة مرض. وأما مالك فرأى أن المرض له ههنا تأثير في الرخصة قياسا أيضا على ما روي أيضا من أن المستحاضة لم تؤمر إلا بالغسل فقط، وذلك أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش هذا هو متفق على صحته، ويختلف في هذه الزيادة فيه، أعني الأمر بالوضوء لكل صلاة، ولكن صححها أبو عمر بن عبد البر، قياسا على من يغلبه الدم من جرح ولا ينقطع، مثل ما روي أن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه يثعب دما.

@-(المسألة الثانية) اختلف العلماء في النوم على ثلاثة مذاهب: فقوم رأوا أنه حدث، فأوجبوا من قليله وكثيره الوضوء، وقوم رأوا أنه ليس بحدث فلم يوجبوا منه الوضوء إلا إذا تيقن بالحدث على مذهب من لا يعتبر الشك، وإذا شك على مذهب من يعتبر الشك حتى إن بعض السلف كان يوكل بنفسه إذا نام من يتفقد حاله، أعني هل يكون منه حدث أم لا؟ وقوم فرقوا بين النوم القليل الخفيف والكثير المستثقل، فأوجبوا في الكثير المستثقل الوضوء دون القليل، وعلى هذا فقهاء الأمصار والجمهور. ولما كانت بعض الهيئات يعرض فيها الاستثقال من النوم أكثر من بعض، وكذلك خروج الحدث اختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: من نام مضطجعا أو ساجدا فعليه الوضوء، طويلا كان النوم أو قصيرا. ومن نام جالسا فلا وضوء عليه إلا أن يطول ذلك به. واختلف القول في مذهبه في الراكع، فمرة قال حكمه حكم القائم، ومرة قال حكمه حكم الساجد. وأما الشافعي فقال: على كل نائم كيفما نام الوضوء إلا من نام جالسا، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء إلا على من نام مضطجعا، وأصل اختلافهم في هذه المسألة اختلاف الآثار الواردة في ذلك، وذلك أن ههنا أحاديث يوجب ظاهرها أنه ليس في النوم وضوء أصلا، كحديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل إلى ميمونة فنام عندها حتى سمعنا غطيطه ثم صلى ولم يتوضأ" وقوله عليه الصلاة والسلام "إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لعله يذهب أن يستغفر ربه فيسب نفسه" وما روي أيضا "أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينامون في المسجد حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون" وكلها آثار ثابتة وههنا أيضا أحاديث يوجب ظاهرها أن النوم حدث، وأبينها في ذلك حديث صفوان بن عسال وذلك أنه قال "كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن لا ننزع خفافنا من غائط وبول ونوم ولا ننزعها إلا من جنابة" فسوى بين البول والغائط والنوم، صححه الترمذي. ومنها حديث أبي هريرة المتقدم، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه" فإن ظاهره أن النوم يوجب الوضوء قليله وكثيره، وكذلك يدل ظاهر آية الوضوء عند من كان عنده المعنى في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} أي إذا قمتم من النوم على ما روي عن زيد بن أسلم وغيره من السلف فلما تعارضت ظواهر هذه الآثار ذهب العلماء فيها مذهبين: مذهب الترجيح، ومذهب الجمع؛ فمن ذهب مذهب الترجيح إما أسقط وجوب الوضوء من النوم أصلا على ظاهر الأحاديث التي تسقطه وإما أوجبه من قليله أو كثيره على ظاهر الأحاديث التي توجبه أيضا، أعني على حسب ما ترجح عنده من الأحاديث الموجبة، أو من الأحاديث المسقطة؛ ومن ذهب مذهب الجمع حمل الأحاديث الموجبة للوضوء منه على الكثير والمسقطة للوضوء على القليل، وهو كما قلنا مذهب الجمهور، والجمع أولى من الترجيح ما أمكن الجمع عند أكثر الأصوليين. وأما الشافعي فإنما حملها على أن استثنى من هيئات النائم الجلوس فقط لأنه قد صح ذلك عن الصحابة، أعني أنهم كانوا ينامون جلوسا ولا يتوضئون ويصلون. وإنما أوجبه أبو حنيفة في النوم والاضطجاع فقط لأن ذلك ورد في حديث مرفوع، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال "إنما الوضوء على من نام مضطجعا" والرواية بذلك ثابتة عن عمر. وأما مالك فلما كان النوم عنده إنما ينقض الوضوء من حيث كان غالبا سبب للحدث راعى فيه ثلاثة أشياء: الاستثقال أو الطول أو الهيئة، فلم يشترط في الهيئة التي يكون منها خروج الحدث غالبا لا الطول ولا الاستثقال، واشترط ذلك في الهيئات التي لا يكون خروج الحدث منها غالبا.

@-(المسألة الثالثة) اختلف العلماء في إيجاب الوضوء من لمس النساء باليد أو بغير ذلك من الأعضاء الحساسة، فذهب قوم إلى أن من لمس امرأة بيده مفضيا إليها ليس بينه وبينها حجاب ولا ستر فعليه الوضوء، وكذلك من قبلها لأن القبلة عندهم لمس ما، سواء التذ أم لم يلتذ وبهذا القول قال الشافعي وأصحابه، إلا أنه مرة فرق بين اللامس والملموس، فأوجب الوضوء على اللامس دون الملموس، ومرة سوى بينهما، ومرة أيضا فرق بين ذوات المحارم والزوجة، فأوجب الوضوء من لمس الزوجة دون ذوات المحارم، ومرة سوى بينهما. وذهب آخرون إلى إيجاب الوضوء من اللمس إذا قارنته اللذة أو قصد اللذة في تفصيل لهم في ذلك وقع بحائل أو بغير حائل بأي عضو اتفق ما عدا القبلة، فإنهم لم يشترطوا لذة في ذلك، وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه، ونفى قوم إيجاب الوضوء من لمس النساء وهو مذهب أبي حنيفة، ولكل سلف من الصحابة إلا اشتراط اللذة فإني لا أذكر أحدا من الصحابة اشترطها. وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم اللمس في كلام العرب، فإن العرب تطلقه مرة على اللمس الذي هو باليد، ومرة تكني به عن الجماع، فذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة في آية الوضوء هو الجماع في قوله تعالى {أو لامستم النساء} وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد، ومن هؤلاء من رآه من باب العام أريد به الخاص فاشترط فيه اللذة، ومنهم من رآه من باب العام أريد به العام فلم يشترط اللذة فيه، ومن اشترط اللذه فإنما دعاه إلى ذلك ما عارض عموم الآية من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلمس عائشة عند سجوده بيده وربما لمسته وخرج أهل الحديث حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، فقلت من هي إلا أنت؟ فضحكت" قال أبو عمر هذا الحديث وهنه الحجازيون وصححه الكوفيون، وإلى تصحيحه مال أبو عمر بن عبد البر، قال: وروى هذا الحديث أيضا من طريق معبد بن نباتة، وقال الشافعي إن ثبت حديث معبد بن نباتة في القبلة لم أر فيها ولا في اللمس وضوءا. وقد احتج من أوجب الوضوء من اللمس باليد بأن اللمس ينطلق حقيقة على اللمس باليد وينطلق مجازا على الجماع، وأنه إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فالأولى أن يحمل على الحقيقة حتى يدل الدليل على المجاز؛ ولأولئك أن يقولوا إن المجاز إذا كثر استعماله كان أدل على المجاز منه على الحقيقة كالحال في اسم الغائط الذي هو أدل على الحدث الذي هو فيه مجاز منه على المطمئن من الأرض الذي هو فيه حقيقة. والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على المعنيين بالسواء أو قريبا من السواء أنه أظهر عندي في الجماع وإن كان مجازا، لأن الله تبارك وتعالى قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع وهما في معنى اللمس، وعلى هذا التأويل في الآية يحتج بها في إجازة التيمم للجنب دون تقدير تقديم فيها ولا تأخير على ما سيأتي بعد، وترتفع المعارضة التي بين الآثار والآية على التأويل الآخر. وأما من فهم من الآية اللمسين معا فضعيف، فإن العرب إذا خاطبت بالاسم المشترك إنما تقصد به معنى واحد من المعاني التي يدل عليها الاسم لا جميع المعاني التي يدل عليها، وهذا بين بنفسه في كلامهم.

@-(المسألة الرابعة) مس الذكر. اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب، فمنهم من رأى الوضوء فيه كيفما مسه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه وأحمد وداود، ومنهم من لم ير فيه وضوءا أصلا وهو أبو حنيفة وأصحابه، ولكلا الفريقين سلف من الصحابة والتابعين. وقوم فرقوا بين أن يمسه بحال أو لا يمسه بتلك الحال، وهؤلاء افترقوا فيه فرقا: فمنهم من فرق فيه بين أن يلتذ أو لا يلتذ. ومنهم من فرق بين أن يمسه بباطن الكف أو لا يمسه، فأوجبوا الوضوء مع اللذة ولم يوجبوه مع عدمها، وكذلك أوجبه قوم مع المس بباطن الكف ولم يوجبوه مع المس بظاهرها، وهذان الاعتباران مرويان عن أصحاب مالك، وكان اعتبار باطن الكف راجع إلى اعتبار سبب اللذة. وفرق قوم في ذلك بين العمد والنسيان، فأوجبوا الوضوء منه مع العمد ولم يوجبوه مع النسيان، وهو مروي عن مالك، وهو قول داود وأصحابه. ورأى قوم أن الوضوء من مسه سنة لا واجب، قال أبو عمر: وهذا الذي استقر من مذهب مالك عند أهل المغرب من أصحابه، والرواية عنه فيه مضطربة. وسبب اختلافهم في ذلك أن فيه حديثين متعارضين: أحدهما الحديث الوارد من طريق بسرة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" وهو أشهر الأحاديث الواردة في إيجاب الوضوء من مس الذكر، خرجه مالك في الموطأ، وصححه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وضعفه أهل الكوفة؛ وقد روي أيضا معناه من طريق أم حبيبة، وكان أحمد بن حنبل يصححه، وقد روي أيضا معناه من طريق أبي هريرة، وكان ابن السكن أيضا يصححه، ولم يخرجه البخاري ولا مسلم. والحديث الثاني المعارض له حديث طلق بن علي قال "قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد أن يتوضأ؟ فقال: وهل هو إلا بضعة منك؟" خرجه أيضا أبو داود والترمذي، وصححه كثير من أهل العلم الكوفيون وغيرهم؛ فذهب العلماء في تأويل هذه الأحاديث أحد مذهبين: إما مذهب الترجيح أو النسخ، وإما مذهب الجمع، فمن رجح حديث بسرة أو رآه ناسخا لحديث طلق بن علي قال بإيجاب الوضوء من مس الذكر، ومن رجح حديث طلق بن علي أسقط وجوب الوضوء من مسه، ومن رام أن يجمع بين الحديثين أوجب الوضوء منه في حال ولم يوجبه في حال، أو حمل حديث بسرة على الندب، وحديث طلق بن علي نفى الوجوب والاحتجاجات التي يحتج بها كل واحد من الفريقين في ترجيح الحديث الذي رجحه كثيرة يطول ذكرها، وهي موجودة في كتبهم، ولكن نكتة اختلافهم هو ما أشرنا إليه.

@-(المسألة الخامسة) اختلف الصدر الأول في إيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار لاختلاف الآثار الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفق جمهور فقهاء الأمصار بعد الصدر الأول على سقوطه، إذ صح عندهم أنه عمل الخلفاء الأربعة، ولما ورد من حديث جابر أنه قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار" خرجه أبو داود. ولكن ذهب قوم من أهل الحديث أحمد وإسحاق وطائفة غيرهم أن الوضوء يجب فقط من أكل لحم الجزور لثبوت الحديث الوارد بذلك عنه عليه الصلاة والسلام.

@-(المسألة السادسة): شذ أبو حنيفة فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة لمرسل أبي العالية، وهو أن قوما ضحكوا في الصلاة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الوضوء والصلاة. ورد الجمهور هذا الحديث لكونه مرسلا ولمخالفته للأصول، وهو أن يكون شيء ما ينقض الطهارة في الصلاة ولا ينقضها في غير الصلاة وهو مرسل صحيح.

@-(المسألة السابعة) وقد شذ قوم فأوجبوا الوضوء من حمل الميت، وفيه أثر ضعيف "من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" وينبغي أن تعلم أن جمهور العلماء أوجبوا الوضوء من زوال العقل بأي نوع كان من قبل إغماء أو جنون أو سكر، وهؤلاء كلهم قاسوه على النوم، أعني أنهم رأوا أنه إذا كان يوجب الوضوء في الحالة التي هي سبب للحدث غالبا وهو الاستثقال، فأحرى أن يكون ذهاب العقل سببا لذلك، فهذه هي مسائل هذا الباب المجمع عليها، والمشهورات من المختلف فيها، وينبغي أن نصير إلى الباب الخامس.

*4*الباب الخامس. وهو معرفة الأفعال التي تشترط هذه الطهارة في فعلها.

@-والأصل في هذا الباب قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام "لايقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" فاتفق المسلمون على أن الطهارة شرط من شروط الصلاة لمكان هذا، وإن كانوا اختلفوا هل هي شرط من شروط الصحة أو من شروط الوجوب، ولم يختلفوا أن ذلك شرط في جميع الصلوات إلا في صلاة الجنازة وفي السجود، أعني سجود التلاوة، فإن فيه خلافا شاذا، والسبب في ذلك الاحتمال العارض في انطلاق اسم الصلاة على الصلاة على الجنائز وعلى السجود، فمن ذهب إلى أن اسم الصلاة ينطلق على صلاة الجنائز وعلى السجود نفسه وهم الجمهور اشترط هذه الطهارة فيهما: ومن ذهب إلى أنه لا ينطلق عليهما إذ كانت صلاة الجنائز ليس فيها ركوع ولا سجود، وكان السجود أيضا ليس فيه قيام ولا ركوع لم يشترطوا هذه الطهارة فيهما، ويتعلق بهذا الباب مع هذه المسألة أربع مسائل:

@-(المسألة الأولى) هل هذه الطهارة شرط في مس المصحف أم لا؟ فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أنها شرط في مس المصحف، وذهب أهل الظاهر إلى أنها ليست بشرط في ذلك، والسبب في اختلافهم تردد مفهوم قوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} بين أن يكون المطهرون هم بنو آدم وبين أن يكونوا هم الملائكة، وبين أن يكون هذا الخبر مفهمومه النهي، وبين أن يكون خبرا لا نهيا، فمن فهم من المطهرون بني آدم، وفهم من الخبر النهي قال: لا يجوز أن يمس المصحف إلا طاهر، ومن فهم منه الخبر فقط وفهم من لفظ المطهرون الملائكة قال: إنه ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف، وإذا لم يكن هنالك دليل لا من كتاب ولا من سنة ثابتة بقي الأمر على البراءة الأصلية وهي الإباحة؛ وقد احتج الجمهور لمذهبهم بحديث عمرو بن حزم "أن النبي عليه الصلاة والسلام كتب: لا يمس القرآن إلا طاهر" وأحاديث عمرو بن حزم اختلف الناس في وجوب العمل بها لأنها مصحفة، ورأيت ابن المفوز يصححها إذا روتها الثقات لأنها كتاب النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأهل الظاهر يردونهما، ورخص مالك للصبيان في مس المصحف على غير طهر لأنهم غير مكلفين.

@-(المسألة الثانية) اختلف الناس في إيجاب الوضوء على الجنب في أحوال: أحدها إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ فذهب الجمهور إلى استحبابه دون وجوبه وذهب أهل الظاهر إلى وجوبه لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمر "أنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأ واغسل ذكرك ثم نم" وهو أيضا مروي عنه من طريق عائشة. وذهب الجهمور إلى حمل الأمر بذلك على الندب والعدول به عن ظاهره لمكان عدم مناسبة وجوب الطهارة لإرادة النوم، أعني المناسبة الشرعية، وقد احتجوا أيضا لذلك بأحاديث أثبتها حديث ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فأتي بطعام، فقالوا: ألا نأتيك بطهر؟ فقال: أأصلي فأتوضأ. وفي بعض رواياته: فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: ما أردت الصلاة فأتوضأ" والاستدلال به ضعيف، فإنه من باب مفهوم الخطاب من أضعف أنواعه، وقد احتجوا بحديث عائشة "أنه عليه الصلاة والسلام كان ينام وهو جنب لا يمس الماء" إلا أنه حديث ضعيف. وكذلك اختلفوا في وجوب الوضوء على الجنب الذي يريد أن يأكل أو يشرب وعلى الذي يريد أن يعاود أهله، فقال الجمهور في هذا كله بإسقاط الوجوب لعدم مناسبة الطهارة لهذه الأشياء، وذلك أن الطهارة إنما فرضت في الشرع لأحوال التعظيم كالصلاة، وأيضا فلمكان تعارض الآثار في ذلك، وذلك أنه روي عنه عليه الصلاة والسلام "أنه أمر الجنب إذا أراد أن يعاود أهله أن يتوضأ" وروي عنه أنه كان يجامع ثم يعاود ولا يتوضأ. وكذلك روي عنه منع الأكل والشرب للجنب حتى يتوضأ. وروي عنه إباحة ذلك.

@-(المسألة الثالثة) ذهب مالك والشافعي إلى اشتراط الوضوء في الطواف، وذهب أبو حنيفة إلى إسقاطه. وسبب اختلافهم تردد الطواف بين أن يلحق حكمه بحكم الصلاة أو لا يلحق، وذلك أنه ثبت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع الحائض الطواف كما منعها الصلاة" فأشبه الصلاة من هذه الجهة. وقد جاء في بعض الآثار تسمية الطواف صلاة، وحجة أبي حنيفة أنه ليس كل شيء منعه الحيض، فالطهارة شرط في فعله إذا ارتفع الحيض كالصوم عند الجمهور.

@-(المسألة الرابعة) ذهب الجمهور إلى أنه يجوز لغير متوضئ أن يقرأ القرآن ويذكر الله، وقال قوم: لا يجوز ذلك له إلا أن يتوضأ. وسبب الخلاف حديثان متعارضان ثابتان: أحدهما حديث أبي جهم قال "أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه السلام حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم إنه رد عليه الصلاة والسلام السلام". والحديث الثاني حديث علي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة" فصار الجمهور إلى أن الحديث الثاني ناسخ للأول، وصار من أوجب الوضوء لذكر الله إلى ترجيح الحديث الأول.

*3*كتاب الغسل.

@-والأصل في هذه الطهارة قوله تعالى {وإن كنتم جنبا فاطهروا} والكلام المحيط بقواعدها ينحصر بعد المعرفة بوجوبها وعلى من تجب، ومعرفة ما به تفعل، وهو الماء المطلق في ثلاثة أبواب: الباب الأول: في معرفة العمل في هذه الطهارة. والثاني: في معرفة نواقض هذه الطهارة. والباب الثالث: في معرفة أحكام نواقض هذه الطهارة. فأما على من تجب؟ فعلى كل من لزمته الصلاة ولا خلاف في ذلك، وكذلك لا خلاف في وجوبها ودلائل ذلك هي دلائل الوضوء بعينها، وقد ذكرناها، وكذلك أحكام المياه، وقد تقدم القول فيها.

*4*الباب الأول في معرفة العلم في هذه الطهارة. وهذا الباب يتعلق به أربع مسائل:

@-(المسألة الأولى) اختلف العلماء هل من شرط هذه الطهارة إمرار اليد على جميع الجسد كالحال في طهارة أعضاء الوضوء، أم يكفي فيها إفاضة الماء على جميع الجسد وإن لم يمر يديه على بدنه؛ فأكثر العلماء على أن إفاضة الماء كافية في ذلك. وذهب مالك وجل أصحابه والمزني من أصحاب الشافعي إلى أنه إن فات المتطهر موضع واحد من جسده لم يمر يده عليه أن طهره لم يكمل بعد. والسبب في اختلافهم اشتراك اسم الغسل ومعارضة ظاهر الأحاديث الواردة في صفة الغسل لقياس الغسل على ذلك في الوضوء، وذلك أن الأحاديث الثابتة التي وردت في صفة غسله عليه الصلاة والسلام من حديث عائشة وميمونة ليس فيها ذكر التدلك، وإنما فيها إفاضة الماء فقط. ففي حديث عائشة قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات، ثم يفيض الماء على جلده كله" والصفة الواردة في حديث ميمونة قريبة من هذا، إلا أنه أخر غسل رجليه من أعضاء الوضوء إلى آخر الطهر، وفي حديث أم سلمة أيضا، وقد سألته عليه الصلاة والسلام : "هل تنقض ضفر رأسها لغسل الجنابة، فقال عليه الصلاة والسلام : إنما يكفيك أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت" وهو أقوى في إسقاط التدلك من تلك الأحاديث الأخر، لأنه لا يمكن هنالك أن يكون الواصف لطهره قد ترك التدلك، وأما ههنا فإنما حصر لها شروط الطهارة، ولذلك أجمع العلماء على أن صفة الطهارة الواردة من حديث ميمونة وعائشة هي أكمل صفاتها، وأن ما ورد في حديث أم سلمة من ذلك فهو من أركانها الواجبة، وأن الوضوء في أول الطهر ليس من شرط الطهر إلا خلافا شاذا، روي عن الشافعي وفيه قوة من جهة الأحاديث، وفي قول الجمهور قوة من جهة النظر، لأن الطهارة ظاهر من أمرها أنها شرط في صحة الوضوء، لا أن الوضوء شرط في صحتها، فهو من باب معارضة القياس لظاهر الحديث، وطريقة الشافعي تغليب ظاهر الأحاديث على القياس؛ فذهب قوم كما قلنا إلى ظاهر الأحاديث وغلبوا ذلك على قياسها على الوضوء، فلم يوجبوا التدلك، وغلب آخرون قياس هذه الطهارة على الوضوء على ظاهر الأحاديث، فأوجبوا التدلك كالحال في الوضوء، فمن رجح القياس صار إلى إيجاب التدلك، ومن رجح ظاهر الأحاديث على القياس صار إلى إسقاط التدلك، وأعني بالقياس: قياس الطهر على الوضوء. وأما الاحتجاج من طريق الاسم ففيه ضعف إذ كان اسم الطهر والغسل ينطلق في كلام العرب على المعنيين جميعا على حد سواء.

@-(المسألة الثانية) اختلفوا هل من شروط هذه الطهارة النية أم لا؟ كاختلافهم في الوضوء، فذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود وأصحابه إلى أن النية من شروطها، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أنها تجزئ بغير نية كالحال في الوضوء عندهم. وسبب اختلافهم في الطهر هو بعينه سبب اختلافهم في الوضوء، وقد تقدم ذلك.

@-(المسألة الثالثة) اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في هذه الطهارة أيضا كاختلافهم فيهما في الوضوء. أعني هل هما واجبان فيها أم لا؟ فذهب قوم إلى أنهما غير واجبين فيها، وذهب قوم إلى وجوبهما؛ وممن ذهب إلى عدم وجوبهما مالك والشافعي، وممن ذهب إلى وجوبهما أبو حنيفة وأصحابه. وسبب اختلافهم معارضة ظاهر حديث أم سلمة للأحاديث التي نقلت من صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام في طهره وذلك أن الأحاديث التي نقلت من صفة وضوئه في الطهر فيها المضمضة والاستنشاق، وحديث أم سلمة ليس فيه أمر لا بمضمضة ولا باستنشاق، فمن جعل حديث عائشة وميمونة مفسرا لمجمل حديث أم سلمة ولقوله تعالى {وإن كنتم جنبا فاطهروا} أوجب المضمضة والاستنشاق، ومن جعله معارضا جمع بينهما بأن حمل حديثي عائشة وميمونة على الندب، وحديث أم سلمة على الوجوب، ولهذا السبب بعينه اختلفوا في تخليل الرأس هل هو واجب في هذه الطهارة أم لا؟ ومذهب مالك أنه مستحب، ومذهب غيره أنه واجب، وقد عضد مذهبه من أوجب التخليل بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " تحت كل شعرة جنابة فأنقوا البشرة وبلوا الشعر".

@-(المسألة الرابعة) اختلفوا هل من شرط هذه الطهارة الفور والترتيب، أم ليسا من شروطهما كاختلافهم من ذلك في الوضوء؟. وسبب اختلافهم في ذلك هل فعله عليه الصلاة والسلام محمول على الوجوب أو على الندب؟ فإنه لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه ما توضأ قط إلا مرتبا متواليا، وقد ذهب قوم إلى أن الترتيب في هذه الطهارة أبين منها في الوضوء. وذلك بين الرأس وسائر الجسد، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي الماء على جسدك" وحرف ثم يقتضي الترتيب بلا خلاف بين أهل اللغة.

*4*الباب الثاني في معرفة نواقض هذه الطهارة.

@-والأصل في هذا الباب قوله تعالى {وإن كنتم جنبا فاطهروا} وقوله {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} الآية. واتفق العلماء على وجوب هذه الطهارة من حدثين: أحدهما خروج المني على وجه الصحة في النوم أو اليقظة من ذكر كان أو أنثى، إلا ما روي عن النخعي من أنه كان لا يرى على المرأة غسلا من الاحتلام، وإنما اتفق الجمهور على مساواة المرأة في الاحتلام للرجل لحديث أم سلمة الثابت أنها قالت "يا رسول الله المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل هل عليها غسل؟ قال: نعم إذا رأت الماء". وأما الحديث الثاني الذي اتفقوا عليه فهو دم الحيض، أعني إذا انقطع، وذلك أيضا لقوله تعالى {ويسألونك عن المحيض} الآية، ولتعليمه الغسل من الحيض لعائشة وغيرها من النساء. واختلفوا في هذا الباب مما يجري مجرى الأصول في مسئلتين مشهورتين.

@-(المسألة الأولى) اختلف الصحابة رضي الله عنهم في سبب إيجاب الطهر من الوطء، فمنهم من رأى الطهر واجبا في التقاء الختانين أنزل أم لم ينزل، وعليه أكثر فقهاء الأمصار مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وجماعة من أهل الظاهر، وذهب قوم من أهل الظاهر إلى إيجاب الطهر مع الإنزال فقط والسبب في اختلافهم في ذلك تعارض الأحاديث في ذلك، لأنه ورد في ذلك حديثان ثابتان اتفق أهل الصحيح على تخريجهما. قال القاضي رضي الله عنه: ومتى قلت ثابت، فإنما أعني به ما أخرجه البخاري ومسلم، أو ما اجتمعا عليه: أحدهما حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان فقد أوجب الغسل" والحديث الثاني حديث عثمان أنه سئل فقيل له "أرأيت الرجل إذا جامع أهله ولم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم " فذهب العلماء في هذين الحديثين مذهبين: أحدهما مذهب النسخ، والثاني مذهب الرجوع إلى ما عليه الاتفاق عند التعارض الذي لا يمكن الجمع فيه ولا الترجيح. فالجمهور رأوا أن حديث أبي هريرة ناسخ لحديث عثمان، ومن الحجة لهم على ذلك ما روي عن أبي بن كعب أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل ذلك رخصة في أول الإسلام ثم أمر بالغسل، خرجه أبو داود. وأما من رأى أن التعارض بين هذين الحديثين هو مما لا يمكن الجمع فيه بينهما ولا الترجيح فوجب الرجوع عنده إلى ما عليه الاتفاق، وهو وجوب الماء من الماء. وقد رحج الجمهور حديث أبي هريرة من جهة القياس، قالوا: وذلك أنه لما وقع الإجماع على أن مجاورة الختانين توجب الحد وجب أن يكون هو الموجب للغسل، وحكموا أن هذا القياس مأخوذ عن الخلفاء الأربعة، ورجح الجمهور ذلك أيضا من حديث عائشة لأخبارها ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجه مسلم.

@-(المسألة الثانية) اختلف العلماء في الصفة المعتبرة في كون خروج المني موجبا للطهر. فذهب مالك إلى اعتبار اللذة في ذلك. وذهب الشافعي إلى أن نفس خروجه هو الموجب للطهر سواء خرج بلذة أو بغير لذة. وسبب اختلافهم في ذلك هو شيئان: أحدهما هل اسم الجنب ينطلق على الذي أجنب على الجهة الغير المعتادة أم ليس ينطلق عليه؟ فمن رأى أنه إنما ينطلق على الذي أجنب على طريق العادة لم يوجب الطهر في خروجه من غير لذة، ومن رأى أنه ينطلق على خروج المني كيفما خرج أوجب منه الطهر وإن لم يخرج مع لذة. والسبب الثاني تشبيه خروجه بغير لذة بدم الاستحاضة، واختلافهم في خروج الدم على جهة الاستحاضة هل يوجب طهرا أم ليس يوجبه؟ فسنذكره في باب الحيض وإن كان من هذا الباب.

وفي المذهب في هذا الباب فرع، وهو إذا انتقل من أصل مجاريه بلذة ثم خرج في وقت آخر بغير لذة مثل أن يخرج من المجامع بعد أن يتطهر، فقيل يعيد الطهر، وقيل لا يعيده، وذلك أن هذا النوع من الخروج صحبته اللذة في بعض نقلته ولم تصحبه في بعض، فمن غلب حال اللذة قال: يجب الطهر، ومن غلب حال عدم اللذة قال: لا يجب عليه الطهر.

*4*الباب الثالث. في أحكام هذين الحدثين أعني الجنابة والحيض.

*5*أما أحكام الحدث الذي هو الجنابة، ففيه ثلاث مسائل:

@-(المسألة الأولى) اختلف العلماء في دخول المسجد للجنب على ثلاثة أقوال: فقوم منعوا ذلك بإطلاق، وهو مذهب مالك وأصحابه؛ وقوم منعوا ذلك إلا لعابر فيه لا مقيم ومنهم الشافعي؛ وقوم أباحوا ذلك للجميع، ومنهم داود وأصحابه فيما أحسب. وسبب اختلاف الشافعي وأهل الظاهر هو تردد قوله تبارك وتعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الآية، بين أن يكون في الآية مجاز حتى يكون هنالك محذوف مقدر وهو موضع الصلاة: أي لا تقربوا موضع الصلاة، ويكون عابر السبيل استثناء من النهي عن قرب موضع الصلاة، وبين أن لا يكون هنالك محذوف أصلا وتكون الآية على حقيقتها، ويكون عابر السبيل هو المسافر الذي عدم الماء وهو جنب، فمن رأى أن في الآية محذوفا أجاز المرور للجنب في المسجد ومن لم ير ذلك لم يكن عنده في الآية دليل على منع الجنب الإقامة في المسجد وأما من منع العبور في المسجد فلا أعلم له دليلا إلا ظاهر ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال "لا أحل المسجد لجنب ولا حائض" وهو حديث غير ثابت عند أهل الحديث، واختلافهم في الحائض في هذا المعنى هو اختلافهم في الجنب.

@-(المسألة الثانية: مس الجنب المصحف) ذهب قوم إلى إجازته وذهب الجهمور إلى منعه، وهم الذين منعوا أن يمسه غير متوضئ. وسبب اختلافهم هو سبب اختلافهم في منع غير المتوضئ أن يمسه أعني قوله {لا يمسه إلا المطهرون} وقد ذكرنا سبب الاختلاف في الآية فيما تقدم، وهو بعينه سبب اختلافهم في منع الحائض مسه.

@-(المسألة الثالثة: قراءة القرآن للجنب) اختلف الناس في ذلك، فذهب الجمهور إلى منع ذلك، وذهب قوم إلى إباحته، والسبب في ذلك الاحتمال المتطرق إلى حديث علي أنه قال "كان عليه الصلاة والسلام لا يمنعه من قراءة القرآن شيء إلا الجنابة" وذلك أن قوما قالوا: إن هذا لا يوجب شيئا، لأنه ظن من الراوي، ومن أين يعلم أحد أن ترك القراءة كان لموضع الجنابة إلا لو أخبره بذلك؟ والجمهور رأوا أنه لم يكن علي رضي الله عنه ليقول هذا عن توهم ولا ظن، وإنما قاله عن تحقق، وقوم جعلوا الحائض في هذا الاختلاف بمنزلة الجنب، وقوم فرقوا بينهما، فأجازوا للحائض القراءة القليلة استحسانا لطول مقامها حائضا، وهو مذهب مالك، فهذه هي أحكام الجنابة.

@-(وأما أحكام الدماء الخارجة من الرحم) فالكلام المحيط بأصولها ينحصر في ثلاثة أبواب: الأول: معرفة أنواع الدماء الخارجة من الرحم. والثاني: معرفة العلامات التي تدل على انتقال الطهر إلى الحيض، والحيض إلى الطهر أو الاستحاضة، والاستحاضة أيضا إلى الطهر. والثالث: معرفة أحكام الحيض والاستحاضة: أعني موانعهما وموجباتهما.

ونحن نذكر في كل باب من هذه الأبواب الثلاثة من المسائل ما يجري مجرى القواعد والأصول لجميع ما في هذا الباب على ما قصدنا إليه مما اتفقوا عليه واختلفوا فيه.

*4*الباب الأول.

@-اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرحم ثلاثة: دم حيض، وهو الخارج على جهة الصحة، ودم استحاضة، وهو الخارج على جهة المرض، وأنه غير دم الحيض لقوله عليه الصلاة والسلام "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة". ودم نفاس، وهو الخارج مع الولد.

*4*الباب الثاني.

@-أما معرفة علامات انتقال هذه الدماء بعضها إلى بعض، وانتقال الطهر إلى الحيض، والحيض إلى الطهر، فإن معرفة ذلك في الأكثر تنبني على معرفة أيام الدماء المعتادة وأيام الأطهار، ونحن نذكر منها ما يجري مجرى الأصول وهي سبع مسائل:

@-(المسألة الأولى) اختلف العلماء في أكثر أيام الحيض وأقلها وأقل أيام الطهر، فروي عن مالك أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوما، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام، وأما أقل أيام الحيض فلا حد لها عند مالك، بل قد تكون الدفعة الواحدة عنده حيضا، إلا أنه لا يعتد بها في الأقراء في الطلاق. وقال الشافعي: أقله يوم وليلة. وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام. وأما أقل الطهر فاضطربت فيه الروايات عن مالك، فروي عنه عشرة أيام، وروي عنه ثمانية أيام، وروي خمسة عشر يوما، وإلى هذه الرواية مال البغدايون من أصحابه، وبها قال الشافعي وأبو حنيفة، وقيل سبعة عشر يوما، وهو أقصى ما انعقد عليه الإجماع فيما أحسب، وأما أكثر الطهر فليس له عندهم حد؛ وإذا كان هذا موضوعا من أوقاويلهم فمن كان لأقل الحيض عنده قدر معلوم وجب أن يكون ما كان أقل من ذلك القدر إذا ورد في سن الحيض عنده استحاضة، ومن لم يكن لأقل الحيض عنده قدر محدود وجب أن تكون الدفعة عنده حيضا، ومن كان أيضا عنده أكثره محدودا وجب أن يكون ما زاد على ذلك القدر عنده استحاضة، ولكن محصل مذهب مالك في ذلك أن النساء على ضربين: مبتدأة ومعتادة؛ فالمبتدأة تترك الصلاة برؤية أول دم تراه إلى تمام خمسة عشر يوما، فإن لم ينقطع صلت وكانت مستحاضة، وبه قال الشافعي، إلا أن مالكا قال تصلي من حين تتيقن الاستحاضة، وعند الشافعي أنها تعيد صلاة ما سلف لها من الأيام، إلا أقل الحيض عنده وهو يوم وليلة. وقيل عن مالك بل تعتد أيام لداتها ثم تستظهر بثلاثة ايام، فإن لم ينقطع الدم فهي مستحاضة. وأما المعتادة ففيها روايتان عن مالك: إحداهما بناؤها على عادتها وزيادة ثلاثة أيام ما لم تتجاوز أكثر مدة الحيض. والثانية جلوسها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض، أو تعمل على التمييز إن كانت من أهل التمييز. وقال الشافعي: تعمل على أيام عادتها وهذه الأقاويل لها المختلف فيها عند الفقهاء في أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر لا مستند لها إلا التجربة والعادة، وكل إنما قال من ذلك ما ظن أن التجربة أوقفته على ذلك ولاختلاف ذلك في النساء عسر أن يعرف بالتجربة حدود هذه الأشياء في أكثر النساء، ووقع في ذلك هذا الخلاف الذي ذكرنا وأجمعوا بالجملة على أن الدم إذا تمادى أكثر من مدة أكثر الحيض أنه استحاضة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت لفاطمة بنت حبيش "فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهبت قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" والمتجاوزة لأمد أكثر أيام الحيض قد ذهب عنها قدرها ضرورة وإنما صار الشافعي ومالك رحمه الله في المعتادة في إحدى الروايتين عنه إلى أنها تبني على عادتها لحديث أم سلمة الذي رواه في الموطأ "أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلي" فألحقوا حكم الحائض التي تشك في الاستحاضة بحكم المستحاضة التي تشك في الحيض. وإنما رأى أيضا في المبتدأة أن يعتبر أيام لداتها، لأن أيام لداتها شبيهة بأيامها فجعل حكمهما واحدا. وأما الاستظهار الذي قال به مالك بثلاثة أيام، فهو شيء انفرد به مالك وأصحابه رحمهم الله وخالفهم في ذلك جميع فقهاء الأمصار ما عدا الأوزاعي، إذ لم يكن لذلك ذكر في الأحاديث الثابتة، وقد روي في ذلك أثر ضعيف.

@-(المسألة الثانية) ذهب مالك وأصحابه في الحائض التي تنقطع حيضتها، وذلك بأن تحيض يوما أو يومين، وتطهر يوما أو يومين إلى أنها تجمع أيام الدم بعضها إلى بعض وتلغي أيام الطهر وتغتسل في كل يوم ترى فيه الطهر أول ما تراه وتصلي، فإنها لا تدري لعل ذلك طهر فإذا اجتمع لها من أيام الدم خمسة عشر يوما فهي مستحاضة، وبهذا القول قال الشافعي. وروي عن مالك أيضا أنها تلفق أيام الدم وتعتبر ذلك أيام عادتها فإن ساوتها استظهرت بثلاثة أيام، فإن انقطع الدم وإلا فهي مستحاضة، وجعل الأيام التي لا تر فيها الدم غير معتبرة في العدد لا معنى له، فإنه لا تخلو تلك الأيام أن تكون أيام حيض أو أيام طهر، فإن كانت أيام حيض فيجب أن تلفقها إلى أيام الدم، وإن كانت أيام طهر فليس يجب أن تلفق أيام الدم، إذ كان قد تخللها طهر، والذي يجيء على أصوله أنها أيام حيض لا أيام طهر إذ أقل الطهر عنده محدود وهو أكثر من اليوم واليومين فتدبر هذا فإنه بين إن شاء الله تعالى. والحق أن دم الحيض ودم النفاس يجري ثم ينقطع يوما أو يومين ثم يعود حتى تنقضي أيام الحيض أو أيام النفاس كما تجري ساعة أو ساعتين من النهار ثم تنقطع.

@-(المسألة الثالثة) اختلفوا في أقل النفاس وأكثره؛ فذهب مالك إلى أنه لا حد لأقله، وبه قال الشافعي؛ وذهب أبو حنيفة وقوم إلى أنه محدود، فقال أبو حنيفة: هو خمسة وعشرون يوما، وقال أبو يوسف صاحبه: أحد عشر يوما، وقال الحسن البصري: عشرون يوما. وأما أكثره فقال مالك مرة: هو ستون يوما، ثم رجع عن ذلك فقال: يسأل عن ذلك النساء، وأصحابه ثابتون على القول الأول وبه قال الشافعي. وأكثر أهل العلم من الصحابة على أن أكثره أربعون يوما، وبه قال أبو حنيفة وقد قيل تعتبر المرأة في ذلك أيام أشباهها من النساء، فإذا جاوزتها فهي مستحاضة. وفرق قوم بين ولادة الذكر وولادة الأنثى، فقالوا: للذكر ثلاثون يوما وللأنثى أبعون يوما وسبب الخلاف عسر الوقوف على ذلك بالتجربة لاختلاف أحوال النساء في ذلك، ولأنه ليس هناك سنة يعمل عليها كالحال في اختلافهم في أيام الحيض والطهر.

@-(المسألة الرابعة) اختلف الفقهاء قديما وحديثا هل الدم الذي ترى الحامل هو حيض أم استحاضة؟ فذهب مالك والشافعي في أصح قوليه وغيرهما إلى أن الحامل تحيض؛ وذهب أبو حنيفة وأحمد والثوري وغيرهم إلى أن الحامل لا تحيض، وأن الدم الظاهر لها دم فساد وعلة، إلا أن يصيبها الطلق، فأجمعوا على أنه دم نفاس، وأن حكمه حكم الحيض في منعه الصلاة وغير ذلك من أحكامه، ولمالك وأصحابه في معرفة انتقال الحائض الحامل إذا تمادى بها الدم من حكم الحيض إلى حكم الاستحاضة أقوال مضطربة: أحدها أن حكمها حكم الحائض نفسها؛ أعني إما أن تقعد أكثر أيام الحيض ثم هي مستحاضة، وإما أن تستظهر على أيامها المعتادة بثلاثة أيام ما لم يكن مجموع ذلك أكثر من خمسة عشر يوما، وقيل إنها تقعد حائضا ضعف أكثر أيام الحيض، وقيل إنها تضعف أكثر أيام الحيض بعدد الشهور التي مرت لها ففي الشهر الثاني من حملها تضعف أيام أكثر الحيض مرتين، وفي الثالث ثلاث مرات وفي الرابع أربع مرات وكذلك ما زادت الأشهر. وسبب اختلافهم في ذلك عسر الوقوف على ذلك بالتجربة واختلاط الأمرين، فإنه مرة يكون الدم الذي تراه الحامل دم حيض، وذلك إذا كانت قوة المرأة وافرة والجنين صغيرا، وبذلك أمكن أن يكون حمل على حمل على ما حكاه بقراط وجالينوس وسائر الأطباء، ومرة يكون الدم الذي تراه الحامل لضعف الجنين ومرضه التابع لضعفها ومرضها في الأكثر، فيكون دم علة ومرض، وهو في الأكثر دم علة.

@-(المسألة الخامسة) اختلف الفقهاء في الصفرة والكدرة هل هي حيض أم لا؟ فرأت جماعة أنها حيض في أيام الحيض، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وروي مثل ذلك عن مالك. وفي المدونة عنه: أن الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض وفي غير أيام الحيض رأت ذلك مع الدم أم لم تره. وقال داود وأبو يوسف: إن الصفرة والكدرة لا تكون حيضة إلا بأثر الدم. والسبب في اختلافهم مخالفة ظاهر حديث أم عطية لحديث عائشة، وذلك أنه روي عن أم عطية أنها قالت: كنا لا نعد الصفرة ولا الكدرة بعد الغسل شيئا، وروي عن عائشة: أن النساء كن يبعثن إليها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة؛ فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، فمن رجح حديث عائشة جعل الصفرة والكدرة حيضا، سواء ظهرت في أيام الحيض أو في غير أيامه مع الدم أو بلا دم، فإن حكم الشيء الواحد في نفسه ليس يختلف، ومن رام الجمع بين الحديثين قال: إن حديث أم عطية هو بعد انقطاع الدم، وحديث عائشة في أثر انقطاعه، أو إن حديث عائشة هو في أيام الحيض، وحديث أم عطية في غير أيام الحيض. وقد ذهب قوم إلى ظاهر حديث أم عطية ولم يروا الصفرة ولا الكدرة شيئا لا في أيام حيض ولا في غيرها، ولا بأثر الدم ولا بعد انقطاعه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "دم الحيض دم أسود يعرف" ولأن الصفرة والكدرة ليست بدم، وإنما هي من سائر الرطوبات التي ترخيها الرحم، وهو مذهب أبي محمد بن حزم.

@-(المسألة السادسة) اختلف الفقهاء في علامة الطهر، فرأى قوم أن علامة الطهر رؤية القصة البيضاء أو الجفوف، وبه قال ابن حبيب من أصحاب مالك وسواء كانت المرأة ممن عادتها أن تطهر بالقصة البيضاء أو بالجفوف أي ذلك رأت طهرت به. وفرق قوم فقالوا: إن كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف، وذلك في المدونة عن مالك. وسبب اختلافهم أن منهم من راعى العادة ومنهم من راعى انقطاع الدم فقط، وقد قيل إن التي عادتها الجفوف تطهر بالقصة البيضاء ولا تطهر التي عادتها القصة البيضاء بالجفوف وقد قيل بعكس هذا وكله لأصحاب مالك.

@-(المسألة السابعة) اختلف الفقهاء في المستحاضة إذا تمادى بها الدم متى يكون حكمها حكم الحائض، كما اختلفوا في الحائض إذا تمادى بها الدم متى يكون حكمها حكم المستحاضة، وقد تقدم ذلك، فقال مالك في المستحاضة أبدأ: حكمها حكم الطاهرة إلى أن يتغير الدم إلى صفة الحيض، وذلك إذا مضى لاستحاضتها من الأيام ما هو أكثر من أقل أيام الطهر، فحينئذ تكون حائضا: أعني إذا اجتمع لها هذان الشيئان تغير الدم وأن يمر لها في الاستحاضة من الأيام ما يمكن أن يكون طهرا، وإلا فهي مستحاضة أبدا. وقال أبو حنيفة تقعد أيام عادتها إن كانت لها عادة، وإن كانت مبتدأة قعدت أكثر الحيض وذلك عنده عشرة أيام. وقال الشافعي تعمل على التمييز إن كانت من أهل التمييز، وإن كانت من أهل العادة عملت على العادة، وإن كانت من أهلهما معا فله في ذلك قولان: أحدهما تعمل على التمييز، والثاني على العادة. والسبب في اختلافهم أن في ذلك حديثين مختلفين أحدهما حديث عائشة عن فاطمة بنت أبي حبيش "أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرها وكانت مستحاضة أن تدع الصلاة قدر أيامها التي كانت تحيض فيها قبل أن يصيبها الذي أصابها ثم تغتسل وتصلي" وفي معناه أيضا حديث أم سلمة المتقدم الذي خرجه مالك، والحديث الثاني ما خرجه أبو داود من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت استحيضت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن دم الحيضة أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامكثي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضيء وصلي فإنما هو عرق" وهذا الحديث صححه أبو محمد بن حزم، فمن هؤلاء من ذهب مذهب الترجيح، ومنهم من ذهب مذهب الجمع، فمن ذهب مذهب ترجيح حديث أم سلمة وما ورد في معناه قال باعتبار الأيام، ومالك رضي الله عنه اعتبر عدد الأيام فقط في الحائض التي تشك في الاستحاضة، ولم يعتبرها في المستحاضة التي تشك في الحيض، أعني لا عددها ولا موضعها من الشهر إذا كان عندها ذلك معلوما، والنص إنما جاء في المستحاضة التي تشك في الحيض، فاعتبر الحكم في الفرع، ولم يعتبره في الأصل وهذا غريب فتأمله. ومن رجح حديث فاطمة بنت أبي حبيش قال باعتبار اللون، ومن هؤلاء من راعى مع اعتبار لون الدم مضي ما يمكن أن يكون طهرا من أيام الاستحاضة، وهو قول مالك فيما حكاه عبد الوهاب. ومنهم من لم يراع ذلك. ومن جمع بين الحديثين قال: الحديث الأول هو في التي تعرف عدد أيامها من الشهر وموضعها. والثاني في التي لا تعرف عددها ولا موضعها وتعرف لون الدم، ومنهم من رأى أنها إن لم تكن من أهل التمييز ولا تعرف موضع أيامها من الشهر وتعرف عددها أو لا تعرف عددها إنها تتحرى على حديث حمنة بنت جحش، صححه الترمذي، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها "إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي" وسيأتي الحديث بكماله عند حكم المستحاضة في الطهر، فهذه هي مشهورات المسائل التي في هذا الباب، وهي بالجملة واقعة في أربعة مواضع: أحدها معرفة انتقال الطهر إلى الحيض. والثاني معرفة انتقال الحيض إلى الطهر. والثالث معرفة انتقال الحيض إلى الاستحاضة. والرابع معرفة انتقال الاستحاضة إلى الحيض، وهو الذي وردت فيه الأحاديث. وأما الثلاثة فمسكوت عنها: أعني عن تحديدها، وكذلك الأمر في انتقال النفاس إلى الاستحاضة.

*4*الباب الثالث. وهو معرفة أحكام الحيض والاستحاضة.

@-والأصل في هذا الباب قوله تعالى {ويسئلونك عن المحيض} الآية، والأحاديث الواردة في ذلك التي سنذكرها. واتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء: أحدها فعل الصلاة ووجوبها، أعني أنه ليس يجب على الحائض قضاؤها بخلاف الصوم. والثاني أنه يمنع فعل الصوم لا قضاءه، وذلك لحديث عائشة الثابت أنها قالت: "كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" وإنما قال بوجوب القضاء عليها طائفة من الخوارج. والثالث فيما أحسب الطواف لحديث عائشة الثابت حين أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفعل كل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت. والرابع الجماع في الفرج لقوله تعالى {فاعتزلوا النساء في المحيض} الآية.

@-(واختلفوا من أحكامها في مسائل) نذكر منها مشهوراتها، وهي خمس:

@-(المسألة الأولى) اختلف الفقهاء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: له منها ما فوق الإزار فقط. وقال سفيان الثوري وداود الظاهري: إنما يجب عليه أن يجتنب موضع الدم فقط. وسبب اختلافهم ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، والاحتمال الذي في مفهوم آية الحيض، وذلك أنه ورد في الأحاديث الصحاح عن عائشة وميمونة وأم سلمة أنه عليه الصلاة والسلام كان يأمر إذا كانت إحداهن حائضا أن تشد عليها إزارها ثم يباشرها، وورد أيضا من حديث ثابت بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "اصنعوا كل شيء بالحائض إلا النكاح" وذكر أبو داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها وهي حائض "اكشفي عن فخذك، قالت: فكشفت، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه حتى دفئ، وكان قد أوجعه البرد. وأما الاحتمال الذي في آية الحيض، فهو تردد قوله تعالى {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} بين أن يحمل على عمومه إلا ما خصصه الدليل، أو أن يكون من باب العام أريد به الخاص، بدليل قوله تعالى فيه {قل هو أذى} والأذى إنما يكون في موضع الدم، فمن كان المفهوم منه عنده العموم، أعني أنه إذا كان الواجب عنده أن يحمل هذا القول على عمومه حتى يخصصه الدليل، استثنى من ذلك ما فوق الإزار بالسنة، إذ المشهور جواز تخصيص الكتاب بالسنة عند الأصوليين، ومن كان عنده من باب العام أريد به الخاص رجح هذه الآية على الآثار المانعة مما تحت الإزار، وقوي ذلك عنده بالآثار المعارضة للآثار المانعة مما تحت الإزار، ومن الناس من رام الجمع بين هذه الآثار، وبين مفهوم الآية على هذا المعنى الذي نبه عليه الخطاب الوارد فيها وهو كونه أذى، فحمل أحاديث المنع لما تحت الإزار على الكراهية وأحاديث الإباحة، ومفهوم الآية على الجواز، ورجحوا تأويلهم هذا بأنه قد دلت السنة أنه ليس من جسم الحائض شيء نجس إلا موضع الدم وذلك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عائشة أن تناوله الخمرة وهي حائض، فقالت: إني حائض، فقال عليه الصلاة والسلام: إن حيضتك ليست في يدك" وما ثبت أيضا من ترجيلها رأسه عليه الصلاة والسلام وهي حائض، وقوله عليه الصلاة والسلام "إن المؤمن لا ينجس".

@-(المسألة الثانية) اختلفوا في وطء الحائض في طهرها وقبل الاغتسال، فذهب مالك والشافعي والجمهور إلى أن ذلك لا يجوز حتى تغتسل، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ذلك جائز إذا طهرت لأكثر مدة الحيض وهو عنده عشرة أيام، وذهب الأوزاعي إلى أنها إن غسلت فرجها بالماء جاز وطؤها، أعني كل حائض طهرت متى طهرت، وبه قال أبو محمد بن حزم. وسبب اختلافهم الاحتمال الذي في قوله تعالى {فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم الله} هل المراد به الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء؟ ثم إن كان الطهر بالماء، فهل المراد به طهر جميع الجسد أم طهر الفرج؟ فإن الطهر في كلام العرب وعرف الشرع اسم مشترك يقال على هذه الثلاثة المعاني، وقد رجح الجمهور مذهبهم بأن صيغة التفعل إنما تنطلق على ما يكون من فعل المكلفين، لا على ما يكون من فعل غيرهم، فيكون قوله تعالى {فإذا تطهرن} أظهر في معنى الغسل بالماء منه في الطهر الذي هو انقطاع الدم، والأظهر يجب المصير إليه حتى يدل الدليل على خلافه، ورجح أو حنيفة مذهبه بأن لفظ يفعلن في قوله تعالى {حتى يطهرن} هو أظهر في الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض منه في التطهر بالماء. والمسألة كما ترى محتملة، ويجب على من فهم من لفظ الطهر في قوله تعالى {حتى يطهرن} معنى واحدا من هذه المعاني الثلاثة أن يفهم ذلك المعنى بعينه من قوله تعالى {فإذا تطهرن} لأنه مما ليس يمكن أو مما يعسر أن يجمع في الآية بين معنيين من هذه المعاني مختلفين حتى يفهم من لفظه يطهرن النقاء، ويفهم من لفظ تطهرن الغسل بالماء على ما جرت به عادة المالكيين في الاحتجاج لمالك، فإنه ليس من عادة العرب أن يقولوا لا تعط فلانا درهما حتى يدخل الدار، فإذا دخل المسجد فأعطه درهما، بل إنما يقولون وإذا دخل الدار فأعطه درهما، لأن الجملة الثانية هي مؤكدة لمفهوم الجملة الأولى. ومن تأول قوله تعالى {ولا تقربوهن حتى يطهرن} على أنه النقاء، وقوله {فإذا تطهرن} على أنه الغسل بالماء فهو بمنزلة من قال لا تعط فلانا درهما حتى يدخل الدار، فإذا دخل المسجد فأعطه درهما، وذلك غير مفهوم في كلام العرب، إلا أن يكون هنالك محذوف ويكون تقدير الكلام: ولا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، وفي تقدير هذا الحذف بعد أما ولا دليل عليه إلا أن يقول قائل: ظهور لفظ التطهر في معنى الاغتسال هو الدليل عليه، لكن هذا يعارضه ظهور عدم الحذف في الآية، فإن الحذف مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أظهر من حمله على المجاز، وكذلك فرض المجتهد هنا إذا انتهى بنظره إلى مثل هذا الموضع أن يوازن بين الظاهرين، فما ترجح عنده منهما على صاحبه عمل عليه، وأعني بالظاهرين أن يقايس بين ظهور لفظ فإذا تطهرن في الاغتسال بالماء وظهور عدم الحذف في الآية إن أحب أن يحمل لفظ تطهرن على ظاهره من النقاء، فأي الظاهرين كان عنده أرجح عمل عليه، أعني إما أن لا يقدر في الآية حذفا ويحمل لفظ فإذا تطهرن على النقاء أو يقدر في الآية حذفا ويحمل لفظ فإذا تطهرن على الغسل بالماء، أو يقايس بين ظهور لفظ فإذا تطهرن في الاغتسال وظهور يطهرن في النقاء، فأي كان عنده أظهر أيضا صرف تأويل اللفظ الثاني له وعمل على أنهما يدلان في الآية على معنى واحد، أعني إما على معنى النقاء وإما على معنى الاغتسال بالماء، وليس في طباع النظر الفقهي أن ينتهي في هذه الأشياء إلى أكثر من هذا فتأمله، وفي مثل هذه الحال يسوغ أن يقال: كل مجتهد مصيب. وأما اعتبار أبي حنيفة أكثر الحيض في هذه المسألة فضعيف.

@-(المسألة الثالثة) اختلف الفقهاء في الذي يأتي امرأته وهي حائض، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يستغفر الله ولا شيء عليه. وقال أحمد بن حنبل: يتصدق بدينار أو بنصف دينار. وقالت فرقة من أهل الحديث: إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينار. وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الأحاديث الواردة في ذلك أو وهيها، وذلك أنه روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض أن يتصدق بدينار. وروي عنه بنصف دينار. وكذلك روي أيضا في حديث ابن عباس هذا أنه إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينار. وروي هذا الحديث يتصدق بخمسي دينار، وبه قال الأوزاعي، فمن صح عنده شيء من هذه الأحاديث صار إلى العمل بها، ومن لم يصح عنده شيء منها وهم الجمهور عمل على الأصل الذي هو سقوط الحكم حتى يثبت بدليل.

@-(المسألة الرابعة) اختلف العلماء في المستحاضة، فقوم أوجبوا عليها طهرا واحدا فقط، وذلك عند ما ترى أنه قد انقضت حيضتها بإحدى تلك العلامات التي تقدمت على حسب مذهب هؤلاء في تلك العلامات، وهؤلاء الذين أوجبوا عليها طهرا واحدا انقسموا قسمين: فقوم أوجبوا عليها أن تتوضأ لكل صلاة، وقوم استحبوا ذلك لها ولم يوجبوه عليها، والذين أوجبوا عليها طهرا واحد فقط هم مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأكثر فقهاء الأمصار، وأكثر هؤلاء أوجبوا أن تتوضأ لكل صلاة، وبعضهم لم يوجب عليها إلا استحبابا وهو مذهب مالك، وقوم آخرون غير هؤلاء رأوا أن على المستحاضة أن تتطهر لكل صلاة، وقوم رأوا أن الواجب أن تؤخر الظهر إلى أول العصر، ثم تتطهر وتجمع بين الصلاتين، وكذلك تؤخر المغرب إلى آخر وقتها وهو أول وقت العشاء، وتتطهر طهرا ثانيا وتجمع بينهما ثم تتطهر طهرا ثالثا لصلاة الصبح، فأوجبوا عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة، وقوم رأوا أن عليها طهرا واحدا في اليوم والليلة، ومن هؤلاء من لم يحد له وقتا، وهو مروي عن علي. ومنهم من رأى أن تتطهر من طهر إلى طهر، فيتحصل في المسألة بالجملة أربعة أقوال: قول إنه ليس عليها إلا طهرا واحد فقط عند انقطاع دم الحيض. وقول إن عليها الطهر لكل صلاة.

وقول إن عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة. وقول إن عليها طهرا واحدا في اليوم والليلة. والسبب في اختلافهم في هذه المسألة هو اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، وذلك أن الوارد في ذلك من الأحاديث المشهورة أربعة أحاديث: واحد منها متفق على صحته، وثلاثة مختلف فيها. أما المتفق على صحته فحديث عائشة قالت "جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" وفي بعض روايات هذا الحديث "وتوضئي لكل صلاة" وهذه الزيادة لم يخرجها البخاري ولا مسلم، وخرجها أبو داود وصححها قوم من أهل الحديث. والحديث الثاني حديث عائشة عن أم حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف "أنها استحاضت فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة" وهذا الحديث هكذا أسنده إسحاق عن الزهري، وأما سائر أصحاب الزهري فإنما رووا عنه: أنها استحيضت، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: "إنما هو عرق وليست بالحيضة" وأمرها أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة على أن ذلك هو الذي فهمت منه، لا أن ذلك منقول من لفظه عليه الصلاة والسلام ، ومن هذا الطريق خرجه البخاري، وأما الثالث فحديث أسماء بنت عميس "أنها قالت: يا رسول الله إن فاطمة ابنة أبي حبيش استحيضت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وللمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر وتتوضأ فيما بين ذلك" خرجه أبو داود، وصححه أبو محمد بن حزم.

وأما الرابع فحديث حمنة ابنة جحش، وفيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرها بين أن تصلي الصلوات بطهر واحد عند ما ترى أنه قد انقطع دم الحيض، وبين أن تغتسل في اليوم والليلة ثلاث مرات على حديث أسماء بنت عميس، إلا أن هنالك ظاهره على الوجوب وهنا على التخيير، فلما اختلفت ظواهر هذه الأحاديث ذهب الفقهاء في تأويلها أربعة مذاهب: مذهب النسخ، ومذهب الترجيح، ومذهب الجمع، ومذهب البناء، والفرق بين الجمع والبناء أن الباني ليس يرى أن هنالك تعارضا فيجمع بين الحديثين، وأما الجامع فهو يرى أن هنالك تعارضا في الظاهر، فتأمل هذا، فإنه فرق بين.

أما من ذهب مذهب الترجيح فمن أخذ بحديث فاطمة بنة حبيش لمكان الاتفاق على صحته عمل على ظاهره، أعني من أنه لم يأمرها صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة ولا أن تجمع بين الصلوات بغسل واحد، ولا بشيء من تلك المذاهب، وإلى هذا ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحاب هؤلاء وهم الجمهور، ومن صحت عنده من هؤلاء الزيادة الواردة فيه، وهو الأمر بالوضوء لكل صلاة أوجب ذلك عليها، ومن لم تصح عنده لم يوجب ذلك عليها، وأما من ذهب مذهب البناء فقال: إنه ليس بين حديث فاطمة وحديث أم حبيبة الذي من رواته ابن إسحاق تعارض أصلا، وأن الذي في حديث أم حبيبة من ذلك زيادة على ما في حديث فاطمة، فإن حديث فاطمة إنما وقع الجواب فيه عن السؤال، هل ذلك الدم حيض يمنع الصلاة أم لا؟ فأخبرها عليه الصلاة والسلام أنها ليست بحيضة تمنع الصلاة ولم يخبرها فيه بوجوب الطهر أصلا لكل صلاة ولا عند انقطاع دم الحيض؛ وفي حديث أم حبيبة أمرها بشيء واحد وهو التطهر لكل صلاة، لكن للجمهور أن يقولوا إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو كان واجبا عليها الطهر لكل صلاة لأخبرها بذلك، ويبعد أن يدعى مدع أنها كانت تعرف ذلك مع أنها كانت تجهل الفرق بين الاستحاضة والحيض.

وأما تركه عليه الصلاة والسلام إعلامها بالطهر لواجب عليها عند انقطاع دم الحيض، فمضمن في قوله" إنها ليست بالحيضة" لأنه كان معلوما من سنته عليه الصلاة والسلام أن انقطاع الحيض يوجب الغسل، فإذا إنما لم يخبرها بذلك لأنها كانت عالمة به، وليس الأمر كذلك في وجوب الطهر لكل صلاة إلا أن يدعي مدع أن هذه الزيادة لم تكن قبل ثابتة وتثبت بعد، فيتطرق إلى ذلك المسألة المشهورة، هي الزيادة نسخ أم لا؟ وقد روي في بعض طرق حديث فاطمة أمره عليه الصلاة والسلام لها بالغسل، فهذا هو حال من ذهب مذهب الترجيح ومذهب البناء، وأما من ذهب مذهب النسخ فقال: إن حديث أسماء بنت عميس ناسخ لحديث أم حبيبة، واستدل على ذلك بما روي عن عائشة "أن سهلة بنت سهيل استحيضت وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد والمغرب والعشاء في غسل واحد وتغتسل ثالثا للصبح" وأما الذين ذهبوا مذهب الجمع فقالوا: إن حديث فاطمة ابنة حبيش محمول على التي تعرف أيام الحيض من أيام الاستحاضة، وحديث أم حبيبة محمول على التي لا تعرف ذلك، فأمرت بالطهر في كل وقت احتياطا للصلاة، وذلك أن هذه إذا قامت إلى الصلاة يحتمل أن تكون طهرت فيجب عليها أن تغتسل لكل صلاة. وأما حديث أسماء ابنة عميس فمحمول على التي لا يتميز لها أيام الحيض من أيام الاستحاضة، إلا أنه قد ينقطع عنها في أوقات فهذه إذا انقطع عنها الدم وجب عليها أن تغتسل وتصلي بذلك الغسل صلاتين. وهنا قوم ذهبوا مذهب التخيير بين حديثي أم حبيبة وأسماء واحتجوا لذلك بحديث حمنة بنت جحش وفيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرها" وهؤلاء منهم من قال: إن المخيرة هي التي لا تعرف أيام حيضتها. ومنهم من قال: بل هي المستحاضة على الإطلاق عارفة كانت أو غير عارفة، وهذا هو قول خامس في المسألة، إلا أن الذي في حديث حمنة ابنة جحش إنما هو التخيير بين أن تصلي الصلوات كلها بطهر واحد، وبين أن تتطهر في اليوم والليلة ثلاث مرات. وأما من ذهب إلى أن الواجب أن تطهر في كل يوم مرة واحدة، فلعله إنما أوجب ذلك عليها لمكان الشك ولست أعلم في ذلك أثرا.

@-(المسألة الخامسة) اختلف العلماء في جواز وطء المستحاضة على ثلاثة أقوال: فقال قوم: يجوز وطؤها، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، وهو مروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وجماعة من التابعين. وقال قوم ليس يجوز وطؤها، وهو مروي عن عائشة، وبه قال النخعي والحكم. وقال قوم: لا يأتيها زوجها إلا أن يطول ذلك بها، وبهذا القول قال أحمد بن حنبل. وسبب اختلافهم هل إباحة الصلاة لها هي رخصة لمكان تأكيد وجوب الصلاة، أم إنما أبيحت لها الصلاة لأن حكمها حكم الطاهر؟ فمن رأى أن ذلك رخصة لم يجز لزوجها أن يطأها، ومن رأى ذلك لأن حكمها حكم الطاهر أباح لها ذلك، وهي بالجملة مسألة مسكوت عنها. وأما التفريق بين الطول ولا طول فاستحسان.

*3*كتاب التيمم.

@-والقول المحيط بأصول هذا الكتاب يشتمل بالجملة على سبعة أبواب: الباب الأول في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها. الثاني: معرفة من تجوز له هذه الطهارة. الثالث: في معرفة شروط جواز هذه الطهارة. الرابع: في صفة هذه الطهارة. الخامس: فيما تصنع به هذه الطهارة. السادس: في نواقض الطهارة. السابع: في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها أو في استباحتها.

*4*الباب الأول في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها.

@-اتفق العلماء على أن هذه الطهارة هي بدل من الطهارة الصغرى، واختلفوا في الكبرى، فروى عن عمر وابن مسعود أنهما كانا لا يريانها بدلا من الكبرى، وكان علي وغيره من الصحابة يرون أن التيمم يكون بدلا من الطهارة الكبرى، وبه قال عامة الفقهاء. والسبب في اختلافهم الاحتمال الوارد في آية التيمم، وأنه لم تصح عندهم الآثار الواردة بالتيمم للجنب، أما الاحتمال الوارد في الآية فلأن قوله تعالى {فلم تجدوا ماء فتيمموا} يحتمل أن يعود الضمير الذي فيه على المحدث حدثا أصغر فقط، ويحتمل أن يعود عليهما معا، لكن من كانت الملامسة عنده في الآية الجماع فالأظهر أنه عائد عليهما معا، و من كانت الملامسة عنده هي اللمس باليد، أعني قوله تعالى {أو لامستم النساء} فالأظهر أنه إنما يعود الضمير عنده على المحدث حدثا أصغر فقط، إذ كانت الضمائر إنما يحمل أبدا عودها على أقرب مذكور إلا أن يقدر في الآية تقديما وتأخير حتى يكون تقديرها هكذا يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا: وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا. ومثل هذا ليس ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل، فإن التقديم والتأخير مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، وقد يظن أن في الآية شيئا يقتضي تقديما وتأخيرا، وهو أن حملها على ترتيبها يوجب أن المرض والسفر حدثان، لكن هذا لا يحتاج إليه إذا قدرت أو ههنا بمعنى الواو، وذلك موجود في كلام العرب في مثل قول الشاعر:

وكان سيان أن لا يسرحوا نعما * أو يسرحوه بها واغبرت السرح

فإنه إنما يقال: سيان زيد وعمرو. وهذا هو أحد الأسباب التي أوجبت الخلاف في هذه المسألة. وأما ارتيابهم في الآثار التي وردت في هذا المعنى فبين مما خرجه البخاري ومسلم: أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال: أجنبت فلم أجد الماء، فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به" وفي بعض الروايات: أنه قال له عمر: نوليك ما توليت وخرج مسلم عن شقيق (1) قال: كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله لأبي موسى: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، فقال أبو موسى لعبد الله ألم تسمع لقول عمار؟ وذكر له الحديث المتقدم، فقال له عبد الله: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ لكن الجمهور رأوا أن ذلك قد ثبت من حديث عمار وعمران بن الحصين، خرجهما البخاري، وإن نسيان عمر ليس مؤثرا في وجوب العمل بحديث عمار، وأيضا فإنهم استدلوا بجواز التيمم للجنب والحائض بعموم قوله عليه الصلاة والسلام "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا". وأما حديث عمران بن الحصين فهو "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال: يا فلان أما يكفيك أن تصلي مع القوم؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليه الصلاة والسلام: عليك بالصعيد فإنه يكفيك" ولموضع هذا الاحتمال اختلفوا: هل لمن ليس عنده ماء أن يطأ أهله أم لا يطؤها؟ أعني من يجوز للجنب التيمم.

----------

(1)"شقيق": الأصل غير واضح، والتصحيح من صحيح مسلم. دار الحديث]

----------

*4*الباب الثاني في معرفة من تجوز له الطهارة.

@-وأما من تجوز له هذه الطهارة، فأجمع العلماء أنها تجوز لاثنين: للمريض والمسافر إذا عدما الماء. واختلفوا في أربع: المريض يجد الماء ويخاف من استعماله، وفي الحاضر يعدم الماء، وفي الصحيح المسافر يجد الماء فيمنعه من الوصول إليه خوف، وفي الذي يخاف من استعماله من شدة البرد. فأما المريض الذي يجد الماء ويخاف من استعماله، فقال الجمهور: يجوز التيمم له؛ وكذلك الصحيح الذي يخاف الهلاك أو المرض الشديد من برد الماء، وكذلك الذي يخاف من الخروج إلى الماء، إلا أن معظمهم أوجب عليه الإعادة إذا وجد الماء، وقال عطاء: لا يتيمم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء. وأما الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء، فذهب مالك والشافعي إلى جواز التيمم له، وقال أبو حنيفة: لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح وإن عدم الماء، وسبب اختلافهم في هذه المسائل الأربع التي هي قواعد هذا الباب؛ أما في المريض الذي يخاف من استعمال الماء، فهو اختلافهم: هل في الآية محذوف مقدر في قوله تعالى {وإن كنتم مرضى أو على سفر} . فمن رأى أن في الآية حذفا وأن تقدير الكلام وإن كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء، وأن الضمير في قوله تعالى {فلم تجدوا ماء} إنما يعود على المسافر فقط أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء. ومن رأى أن الضمير في "فلم تجدوا ماء" يعود على المريض والمسافر معا وأنه ليس في الآية حذف لم يجز للمريض إذا وجد الماء التيمم. وأما سبب اختلافهم في الحاضر الذي يعدم الماء، فاحتمال الضمير الذي في قوله تعالى "فلم تجدوا ماء" أن يعود على أصناف المحدثين: أعني الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط. فمن رآه عائدا على جميع أصناف المحدثين أجاز التيمم للحاضرين، ومن رآه عائدا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يجز التيمم للحاضر الذي عدم الماء، وأما سبب اختلافهم في الخائف من الخروج إلى الماء، فاختلافهم في قياسه على من عدم الماء، وكذلك اختلافهم في الصحيح يخاف من برد الماء، السبب فيه هو اختلافهم في قياسه على المريض الذي يخاف من استعمال الماء، وقد رجح مذهبهم القائلون بجواز التيمم للمريض بحديث جابر في المجروح الذي اغتسل فمات، فأجاز عليه الصلاة والسلام المسح له وقال "قتلوه قتلهم الله" وكذلك رجحوا أيضا قياس الصحيح الذي يخاف من برد الماء على المريض بما روي أيضا في ذلك عن عمرو بن العاص أنه أجنب في ليلة باردة، فتيمم وتلا قول الله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فلم يعنف.

*4*الباب الثالث في معرفة شروط جواز هذه الطهارة.

@-وأما معرفة شروط هذه الطهارة، فيتعلق بها ثلاث مسائل قواعد: إحداها: هل النية من شرط هذه الطهارة أم لا؟. والثانية: هل الطلب شرط في جواز التيمم عند عدم الماء أم لا؟. والثالثة: هل دخول الوقت شرط في جواز التيمم أم لا؟.

@-(أما المسألة الأولى) فالجمهور على أن النية فيها شرط لكونها عبادة غير معقولة المعنى، وشذ زفر فقال: إن النية ليست بشرط فيها، وأنها لا تحتاج إلى نية، وقد روى ذلك أيضا عن الأوزاعي والحسن بن حي وهو ضعيف.

@-(وأما المسألة الثانية) فإن مالكا رضي الله عنه اشترط الطلب وكذلك الشافعي، ولم يشترطه أبو حنيفة. سبب اختلافهم في هذا هو هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء أم ليس يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء فلم يجده؟ لكن الحق في هذا أن يعتقد أن المتيقن لعدم الماء إما بطلب متقدم وإما بغير ذلك هو عادم للماء، وأما الظان فليس بعادم للماء، ولذلك يضعف القول بتكرر الطلب الذي في المذهب في المكان الواحد بعينه ويقوى اشتراطه ابتداء إذا لم يكن هنالك علم قطعي بعدم الماء.

@-(وأما المسألة الثالثة) وهو اشتراط دخول الوقت فمنهم من اشترطه وهو مذهب الشافعي ومالك، ومنهم من لم يشترطه، وبه قال أبو حنيفة وأهل الظاهر وابن شعبان من أصحاب مالك. وسبب اختلافهم هو: هل ظاهر مفهوم آية الوضوء يقتضي أن لا يجوز التيمم والوضوء إلا عند دخول الوقت لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} الآية، فأوجب الوضوء والتيمم عند وجوب القيام إلى الصلاة، وذلك إذا دخل الوقت، فوجب لهذا أن يكون حكم الوضوء والتيمم في هذا حكم الصلاة، أعني أنه كما أن الصلاة من شرط صحتها الوقت، كذلك من شروط صحة الوضوء والتيمم الوقت، إلا أن الشرع خصص الوضوء من ذلك، فبقي التيمم على أصله أم ليس يقتضي هذا ظاهر مفهوم الآية، وأن تقدير قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأيضا فإنه لو لم يكن هنالك محذوف لما كان يفهم من ذلك إلا إيجاب الوضوء والتيمم عند وجوب الصلاة فقط، لا أنه لا يجزئ إن وقع قبل الوقت إلا أن يقاسا على الصلاة، فلذلك الأولى أن يقال في هذا إن سبب الخلاف فيه هو قياس التيمم على الصلاة، لكن هذا يضعف، فإن قياسه على الوضوء أشبه، فتأمل هذه المسألة، فإنها ضعيفة، أعني من يشترط في صحته دخول الوقت ويجعله من العبادات المؤقتة، فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، لكن من باب أنه ليس ينطلق اسم الغير واجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة، لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على الماء، ولذلك اختلف المذهب متى يتيمم؟، هل في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره؟ لكن ههنا مواضع يعلم قطعا أن الإنسان ليس بطارئ على الماء فيها قبل دخول الوقت، ولا الماء بطارئ عليه. وأيضا فإن قدرنا طرو الماء فليس يجب عليه إلا نقض التيمم فقط لا منع صحته، وتقدير الطرو هو ممكن في الوقت وبعده، فلم جعل حكمه قبل دخول الوقت خلاف حكمه في الوقت أعني أنه قبل الوقت يمنع انعقاد التيمم، وبعد دخول الوقت لا يمنعه، وهذا كله لا ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل سمعي، ويلزم على هذا أن لا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت فتأمله.

*4*الباب الرابع في صفة هذه الطهارة

@-وأما صفة هذه الطهارة فيتعلق بها ثلاث مسائل هي قواعد هذا الباب.

@-(المسألة الأولى) اختلف الفقهاء في حد الأيدي التي أمر الله بمسحها في التيمم في قوله {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} على أربعة أقوال: القول الأول: أن الحد الواجب في ذلك هو الحد الواجب بعينه في الوضوء، وهو إلى المرافق، وهو مشهور المذهب، وبه قال فقهاء الأمصار. والقول الثاني: أن الفرض هو مسح الكف فقط، وبه قال أهل الظاهر وأهل الحديث. والقول الثالث: الاستحباب إلى المرفقين، والفرض الكفان، وهو مروي عن مالك. والقول الرابع: أن الفرض إلى المناكب، وهو شاذ روي عن الزهري ومحمد بن مسلمة. والسبب في اختلافهم اشتراك اسم اليد في لسان العرب، وذلك أن اليد في كلام العرب يقال على ثلاثة معان: على الكف فقط وهو أظهرها استعمالا، ويقال على الكف والذراع، ويقال على الكف والساعد والعضد. والسبب الثاني اختلاف الآثار في ذلك، وذلك أن حديث عمار المشهور فيه من طرقه الثابتة "إنما يكفيك أن تضرب بيدك ثم تنفخ فيها ثم تمسح بها وجهك وكفيك". وورد في بعض طرقه أنه قال له عليه الصلاة والسلام "وأن تمسح بيديك إلى المرفقين". وروي أيضا عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" وروي أيضا من طريق ابن عباس ومن طريق غيره؛ فذهب الجمهور إلى ترجيح هذه الأحاديث على حديث عمار الثابت من جهة عضد القياس لها: أعني من جهة قياس التيمم على الوضوء وهو بعينه حملهم على أن عدلوا بلفظ اسم اليد عن الكف الذي هو فيه أظهر إلى الكف والساعد، ومن زعم أنه ينطلق عليهما بالسواء، وأنه ليس في أحدهما أظهر منه في الثاني فقط أخطأ، فإن اليد وإن كانت اسما مشتركا فهي في الكف حقيقة، وفيما فوق الكف مجاز، وليس كل اسم مشترك هو مجمل، وإنما المشترك المجمل الذي وضع من أول أمره مشتركا، وفي هذا قال الفقهاء إنه لا يصح الاستدلال به، ولذلك ما نقول إن الصواب هو أن يعتقد أن الفرض إنما هو الكفان فقط، وذلك أن اسم اليد لا يخلو أن يكون في الكف أظهر منه في سائر الأجزاء أو يكون دلالته على سائر أجزاء الذراع والعضد بالسواء، فإن كان أظهر فيجب المصير إلى الأخذ بالأثر الثابت، فأما أن يغلب القياس ههنا على الأثر فلا معنى له، ولا أن ترجح به أيضا أحاديث لم تثبت بعد، فالقول في هذه المسألة بين من الكتاب والسنة فتأمله. وأما من ذهب إلى الآباط فإنما ذهب إلى ذلك، لأنه قد روي في بعض طرق حديث عمار أنه قال "تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب". ومن ذهب إلى أن يحمل تلك الأحاديث على الندب وحديث عمار على الوجوب فهو مذهب حسن إذ كان الجمع أولى من الترجيح عند أهل الكلام الفقهي، إلا أن هذا إنما ينبغي أن يصار إليه إن صحت تلك الأحاديث.

@-(المسألة الثانية) اختلف العلماء في عدد الضربات على الصعيد للتيمم، فمنهم من قال واحدة، ومنهم من قال اثنتين، والذين قالوا اثنتين منهم من قال: ضربة للوجه وضربة لليدين، وهم الجمهور، وإذا قلت الجمهور فالفقهاء الثلاثة معدودون فيهم: أعني مالكا والشافعي وأبا حنيفة، ومنهم من قال: ضربتان لكل واحد منهما: أعني لليد ضربتان وللوجه ضربتان، والسبب في اختلافهم أن الآية مجملة في ذلك والأحاديث متعارضة، وقياس التيمم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه، والذي في حديث عمار الثابت من ذلك إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين معا، لكن ههنا أحاديث فيها ضربتان، فرجح الجمهور هذه الأحاديث لمكان قياس التيمم على الوضوء.

@-(المسألة الثالثة) اختلف الشافعي مع مالك وأبي حنيفة وغيرهما في وجوب توصيل التراب إلى أعضاء التيمم، فلم ير ذلك أبو حنيفة واجبا ولا مالك، ورأى ذلك الشافعي واجبا. وسبب اختلافهم الاشتراك الذي في حرف "من" في قوله تعالى {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} وذلك أن من قد ترد للتبعيض، وقد ترد لتمييز الجنس، فمن ذهب إلى أنها ههنا للتبعيض أوجب نقل التراب إلى أعضاء التيمم. ومن رأى أنها لتمييز الجنس قال: ليس النقل واجبا. والشافعي إنما رجح حملها على التبعيض من جهة قياس التيمم على الوضوء، لكن يعارضه حديث عمار المتقدم لأن فيه ثم تنفخ فيها، وتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحائط، وينبغي أن تعلم أن الاختلاف في وجوب الترتيب في التيمم ووجوب الفور فيه هو بعينه اختلافهم في ذلك في الوضوء وأسباب الخلاف هنالك هي أسبابه هنا فلا معنى لإعادته.

*4*الباب الخامس فيما تصنع به هذه الطهارة.

@-وفيه مسألة واحدة، وذلك أنهم اتفقوا على جوازها بتراب الحرث الطيب، واختلفوا في جواز فعلها بما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولدة عنها كالحجارة، فذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص وذهب مالك وأصحابه إلى أنه يجوز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها في المشهور عنه الحصا والرمل والتراب. وزاد أبو حنيفة فقال: وبكل ما يتولد من الأرض من الحجارة مثل النورة والزرنيخ والجص والطين والرخام. ومنهم من شرط أن يكون التراب على وجه الأرض وهم الجمهور. وقال أحمد بن حنبل: يتمم بغبار الثوب واللبد. والسبب في اختلافهم شيئان: أحدهما اشتراك اسم ا لصعيد في لسان العرب، فإنه مرة يطلق على التراب الخالص، ومرة يطلق على جميع أجزاء الأرض الظاهرة، حتى إن مالكا وأصحابه حملهم دلالة اشتقاق هذا الاسم أعني الصعيد أن يجيزوا في إحدى الروايات عنهم التيمم على الحشيش وعلى الثلج، قالوا: لأنه يسمى صعيدا في أصل التسمية، أعني من جهة صعوده على الأرض، وهذا ضعيف. والسبب الثاني إطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات الحديث المشهور، وتقييدها بالتراب في بعضها، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" فإن في بعض رواياته "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" وفي بعضها "جعلت لي الأرض مسجد وجعلت لي تربتها طهورا" وقد اختلف أهل الكلام الفقهي هل يقضي بالمطلق على المقيد أو بالمقيد على المطلق؟ والمشهور عندهم أن يقضي بالمقيد على المطلق وفيه نظر، ومذهب أبي محمد بن حزم أن يقضي بالمطلق على المقيد، لأن المطلق فيه زيادة معنى، فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق وحمل اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز التيمم إلا بالتراب، ومن قضى بالمطلق على المقيد وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه الأرض من أجزائها أجاز التيمم بالرمل والحصى. وأما إجازة التيمم بما يتولد منها فضعيف إذ كان لا يتناوله اسم الصعيد فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض، لا أن يدل على الزرنيخ والنورة، ولا على الثلج والحشيش، والله الموفق للصواب، والاشتراك الذي في اسم الطيب أيضا من أحد دواعي الخلاف.

*4*الباب السادس في نواقض هذه الطهارة.

@-وأما نواقض هذه الطهارة فإنهم اتفقوا على أنه ينقضها ما ينقض الأصل الذي هو الوضوء أو الطهر، واختلفوا من ذلك في مسألتين: إحداهما هل ينقضها إرادة صلاة أخرى مفروضة غير المفروضة التي تيمم لها؟. والمسألة الثانية هل ينقضها وجود الماء أم لا؟.

@-(أما المسألة الأولى) فذهب مالك فيها إلى أن إرادة الصلاة الثانية تنقض طهارة الأولى، ومذهب غيره خلاف ذلك. وأصل هذا الخلاف يدور على شيئين: أحدهما هل في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} محذوف مقدر: أعني إذا قمتم من النوم، أو قمتم محدثين، أم ليس هنالك محذوف أصلا؟ فمن راى أن لا محذوف هنالك قال: ظاهر الآية وجوب الوضوء أو التيمم عند القيام لكل صلاة، لكن خصصت السنة من ذلك الوضوء فيبقي التيمم على أصله، لكن لا ينبغي أن يحتج بهذا لمالك فإن مالكا يرى أن في الآية محذوفا على ما رواه عن زيد بن أسلم في موطئه. وأما السبب الثاني فهو تكرار الطلب عند دخول وقت كل صلاة وهذا هو ألزم لأصول مالك أعني أن يحتج له بهذا، وقد تقدم القول في هذه المسألة، ومن لم يتكرر عنده الطلب وقدر في الآية محذوفا لم ير إرادة الصلاة الثانية ما لم ينقض التيمم.

@-(وأما المسألة الثانية) فإن الجمهور ذهبوا إلى أن وجود الماء ينقضها. وذهب قوم إلى أن الناقض لها هو الحدث، وأصل هذ الخلاف هل وجود الماء يرفع استصحاب الطهرة التي كانت بالتراب، أو يرفع ابتداء الطهارة به؟ فمن رى أنه يرفع ابتداء الطهارة به قال: لا ينقضها إلا الحدث. ومن رأى أنه يرفع استصحاب الطهارة قال: إنه ينقضها، فإن حد الناقض هو الرافع للاستصحاب، وقد احتج الجمهور لمذهبهم بالحديث الثابت، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ما لم يجد الماء" والحديث محتمل، فإنه يمكن أن يقال: إن قوله عليه الصلاة والسلام "ما لم يجد الماء" يمكن أن يفهم منه: فإذا وجد الماء انقطعت هذه الطهارة وارتفعت، ويمكن أن يفهم منه: فإذا وجد الماء لم تصح ابتداء هذه الطهارة، والأقوى في عضد الجمهور هو حديث أبي سعيد الخدري، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال "فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك" فإن الأمر محمول عند جمهور المتكلمين على الفور، وإن كان أيضا قد يتطرق إليه الاحتمال المتقدم فتأمل هذا. وقد حمل الشافعي تسليمه على أن وجود الماء يرفع هذه الطهارة أن قال: إن التيمم ليس رافعا للحدث: أي ليس مفيدا للمتيمم الطهارة الرافعة للحدث، وإنما هو مبيح للصلاة فقط مع بقاء الحدث، وهذا لا معنى له، فإن الله قد سماه طهارة، وقد ذهب قوم من أصحاب مالك هذا المذهب فقالوا: إن التيمم لا يرفع الحدث، لأنه لو رفعه لم ينقضه إلا الحدث. والجواب أن هذه الطهارة وجود الماء في حقها هو حدث خاص بها على القول بأن الماء ينقضها، واتفق القائلون بأن وجود الماء ينقضها على أنه ينقضها قبل الشروع في الصلاة وبعد الصلاة، واختلفوا هل ينقضها طروه في الصلاة؟ فذهب مالك والشافعي وداود إلى أنه لا ينقض الطهارة في الصلاة، وذهب أبو حنيفة وأحمد وغيرهما إلى أنه ينقض الطهارة في الصلاة وهم أحفظ للأصل، لأنه أمر غير مناسب الشرع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة وينقضها في غير الصلاة، وبمثل هذا شنعوا على مذهب أبي حنيفة فيما يراه من أن الضحك في الصلاة ينقض الوضوء، مع أنه مستند في ذلك إلى الأثر فتأمل هذه المسألة فإنها بينة، ولا حجة في الظواهر التي يرام الاحتجاح بها بإرادته وإنما أبطلها طرو الماء كما لو أحدث.

*4*الباب السابع في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها أو في استباحتها

@-واتفق الجمهور على أن الأفعال التي هذه الطهارة شرط في صحتها هي الأفعال التي الوضوء شرط في صحتها من الصلاة ومس المصحف وغير ذلك، واختلفوا هل يستباح بها أكثر من صلاة واحدة فقط؟ فمشهور مذهب مالك أنه لا يستباح بها صلاتان مفروضتان أبدا، واختلف قوله في الصلاتين المقضيتين، والمشهور عنه أنه إذا كانت إحدى الصلاتين فرضا والأخرى نفلا أنه إذا قدم الفرض جمع بينهما، وإن قدم النفل لم يجمع بينهما. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز الجمع بين صلوات مفروضة بتيمم واحد. وأصل هذا الخلاف هو: هل التيمم يجب لكل صلاة أم لا؟ إما من قبل ظاهر الآية كما تقدم، وإما من قبل وجوب تكرار الطلب، وإما من كليهما.

*2*كتاب الطهارة من النجس.

@-والقول المحيط بأصول هذه الطهارة وقواعدها ينحصر في ستة أبواب. الباب الأول: في معرفة حكم هذه الطهارة: أعني في الوجوب أو في الندب إما مطلقا وإما من جهة أنها مشترطة في الصلاة. الباب الثاني: في معرفة أنواع النجاسات. الباب الثالث: في معرفة المحال التي يجب إزالتها عنها. الباب الرابع: في معرفة الشيء الذي تزال به. الباب الخامس: في صفة إزالتها في محل محل. الباب السادس: في آداب الإحداث.

*3*الباب الأول في معرفة حكم هذه الطهارة.

@-والأصل في هذا الباب إما من الكتاب، فقوله تعالى {وثيابك فطهر} وإما من السنة، فآثار كثيرة ثابتة، منها قوله عليه الصلاة والسلام "من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر" ومنها "أمره صلى الله عليه وسلم بغسل دم الحيض من الثوب، وأمره بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي" وقوله عليه الصلاة والسلام في صاحبي القبر "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول" واتفق العلماء لمكان هذه المسموعات على أن إزالة النجاسة مأمور بها في الشرع واختلفوا: هل ذلك على الوجوب أو على الندب المذكور، وهو الذي يعبر عنه بالسنة؟ فقال قوم: إن إزالة النجاسات واجبة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال قوم: إزالتها سنة مؤكدة وليست بفرض. وقال قوم: هي فرض مع الذكر، ساقطة مع النسيان، وكلا هذين القولين عن مالك وأصحابه. وسبب اختلافهم في هذه المسألة راجع إلى ثلاثة أشياء: أحدها اختلافهم في قوله تبارك وتعالى {وثيابك فطهر} هل ذلك محمول على الحقيقة أو محمول على المجاز؟. والسبب الثاني تعارض ظواهر الآثار في وجوب ذلك، والسبب الثالث اختلافهم في الأمر والنهي الوارد لعلة معقولة المعنى، هل تلك العلة المفهومة من ذلك الأمر أو النهي، قرينة تنقل الأمر من الوجوب إلى الندب، والنهي من الحظر إلى الكراهة؟ أم ليست قرينة؟ وأنه لا فرق في ذلك بين العبادة المعقولة وغير المعقولة، وإنما صار من صار إلى الفرق في ذلك لأن الأحكام المعقولة المعاني في الشرع أكثرها هي من باب محاسن الأخلاق أو من باب المصالح، وهذه في الأكثر هي مندوب إليها، فمن حمل قوله تعالى {وثيابك فطهر} على الثياب المحسوسة قال: الطهارة من النجاسة واجبة، ومن حملها على الكناية عن طهارة القلب لم ير فيها حجة. وأما الآثار المتعارضة في ذلك، فمنها حديث صاحبي القبر المشهور، وقوله فيهما صلى الله عليه وسلم "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله" فظاهر هذا الحديث يقتضي الوجوب، لأن العذاب لا يتعلق إلا بالواجب، وأما المعارض لذلك فما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من أنه رمي عليه وهو في الصلاة سلا جزور بالدم والفرث فلم يقطع الصلاة. وظاهر هذا أنه لو كانت إزالة النجاسة واجبة كوجوب الطهارة من الحدث لقطع الصلاة ومنها ما روي "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في صلاة من الصلوات يصلي في نعليه، فطرح نعليه، فطرح الناس لطرحه نعليه، فأنكر ذلك عليهم عليه الصلاة والسلام وقال "إنما خلعتها لأن جبريل أخبرني أن فيها قذرا" فظاهر هذا أنه لو كانت واجبة لما بني على ما مضى من الصلاة، فمن ذهب في هذه الآثار مذهب ترجيح الظواهر قال إما بالوجوب إن رجح ظاهر حديث الوجوب، أو بالندب إن رجح ظاهر حديث الندب، أعني الحديثين اللذين يقضيان أن إزالتها من باب الندب المؤكد. ومن ذهب مذهب الجمع، فمنهم من قال هي فرض مع الذكر والقدرة، ساقطة مع النسيان وعدم القدرة. ومنهم من قال هي فرض مطلقا وليست من شروط صحة الصلاة وهي قول رابع في المسألة وهو ضعيف، لأن النجاسة إنما تزال في الصلاة، وكذلك من فرق بين العبادة المعقولة المعنى والغير معقولته، أعني أنه جعل الغير معقولة آكد في باب الوجوب فرق بين الأمر الوارد في الطهارة من الحدث، وبين الأمر الوارد في الطهارة من النجس، لأن الطهارة من النجس معلوم أن المقصود بها النظافة، وذلك من محاسن الأخلاق. وأما الطهارة من الحدث فغير معقولة المعنى مع ما اقترن بذلك من صلاتهم في النعال مع أنها لا تنفك من أن يوطأ بها النجاسات غالبا، وما أجمعوا عليه من العفو عن اليسير في بعض النجاسات.

*3*الباب الثاني في معرفة أنواع النجاسات.

@-وأما أنواع النجاسات، فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي، وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي انفصل من الحي أو الميت إذا كان مسفوحا، أعني كثيرا، وعلى بول ابن آدم ورجيعه، وأكثرهم على نجاسة الخمر، وفي ذلك خلاف عن بعض المحدثين، واختلفوا في غير ذلك، والقواعد من ذلك سبع مسائل:

@-(المسألة الأولى) اختلفوا في ميتة الحيوان الذي لا دم له، وفي ميتة الحيوان البحري، فذهب قوم إلى أن ميتة ما لا دم له طاهرة، وكذلك ميتة البحر، وهو مذهب مالك وأصحابه، وذهب قوم إلى التسوية بين ميتة ذوات الدم والتي لا دم لها في النجاسة، واستثنوا من ذلك ميتة البحر، وهو مذهب الشافعي، إلا ما وقع الاتفاق على أنه ليس بميتة مثل دود الخل وما يتولد في المطعومات، وساوى قوم بين ميتة البر والبحر، واستثنوا ميتة ما لا دم له، وهو مذهب أبي حنيفة. وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} وذلك أنهم فيما أحسب اتفقوا أنه من باب العام أريد به الخاص، واختلفوا أي خاص أريد به، فمنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر وما لا دم له، ومنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر فقط، ومنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر فقط، ومنهم من استثنى من ذلك ميتة ما لا دم له فقط. وسبب اختلافهم في هذه المستثنيات هو سبب اختلافهم في الدليل المخصوص. أما من استثنى من ذلك ما لا دم له، فحجته مفهوم الأثر الثابت عنه عليه الصلاة والسلام من أمره بمقل الذباب إذا وقع في الطعام، قالوا: فهذا يدل على طهارة الذباب وليس لذلك علة إلا أنه غير ذي دم. وأما الشافعي فعنده أن هذا خاص بالذباب لقوله عليه الصلاة والسلام " فإن في إحدى جناحية داء وفي الأخرى دواء" ووهن الشافعي هذا المفهوم من الحديث بأن ظاهر الكتاب يقتضي أن الميتة والدم نوعان من أنواع المحرمات: أحدهما تعمل فيه التذكية وهي الميتة، وذلك في الحيوان المباح الأكل باتفاق، والدم لا تعمل فيه التذكية فحكمهما مفترق، فكيف يجوز أن يجمع بينهما حتى يقال: إن الدم هو سبب تحريم الميتة؟ وهذا قوي كما ترى، فإنه لو كان الدم هو السبب في تحريم الميتة لما كانت ترتقع الحرمية عن الحيوان بالذكاة، وتبقى حرمية الدم الذي لم ينفصل بعد عن المذكاة، وكانت الحلية إنما توجد بعد انفصال الدم عنه لأنه إذا ارتفع السبب ارتفع المسبب الذي يقتضيه ضرورة، لأنه إن وجد السبب والمسبب غير موجود فليس له هو سببا، ومثال ذلك أنه إذا ارتفع التحريم عن عصير العنب وجب ضرورة أن يرتفع الإسكار إن كنا نعتقد أن الإسكار هو سبب التحريم. وأما من استثنى من ذلك ميتة البحر فإنه ذهب إلى الأثر الثابت في ذلك من حديث جابر، وفيه "أنهم أكلوا من الحوت الذي رماه البحر أياما وتزودوا منه، وأنهم أخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسن فعلهم، وسألهم: هل بقي منه شيء؟" وهو دليل على أنه لم يجوز لهم لمكان ضروة خروج الزاد عنهم. واحتجوا أيضا بقوله عليه الصلاة والسلام "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". وأما أبو حنيفة فرجح عموم الآية على هذا الأثر، إما لأن الآية مقطوع بها، والأثر مظنون، وإما لأنه رأى أن ذلك رخصة لهم، أعني حديث جابر أو لأنه احتمل عنده أن يكون الحوت مات بسبب، وهو رمي البحر به إلى الساحل، لأن الميتة هو ما مات من تلقاء نفسه من غير سبب خارج، ولاختلافهم في هذا أيضا سبب آخر وهو احتمال عودة الضمير في قوله تعالى {وطعامه متاعا لكم وللسيارة} أعني أن يعود على البحر أو على الصيد نفسه، فمن أعاده على البحر قال طعامه هو الطافي، ومن أعاده على الصيد قال هو الذي أحل فقط من صيد البحر، مع أن الكوفيين أيضا تمسكوا في ذلك بأثر ورد فيه تحريم الطافي من السمك وهو عندهم ضعيف.

@-(المسألة الثانية) وكما اختلفوا في أنواع الميتات كذلك اختلفوا في أجزاء ما اتفقوا عليه أنه ميتة، وذلك أنهم اتفقوا على أن اللحم من أجزاء الميتة ميتة. واختلفوا في العظام والشعر، فذهب الشافعي إلى أن العظم والشعر ميتة، وذهب أبو حنيفة إلى أنهما ليسا بميتة، وذهب مالك للفرق بين الشعر والعظم فقال: إن العظم ميتة وليس الشعر ميتة. وسبب اختلافهم هو اختلافهم فيما ينطلق عليه اسم الحياة من أفعال الأعضاء. فمن رأى أن النمو والتغذي هو من أفعال الحياة قال: إن الشعر والعظام إذا فقدت النمو والتغذي فهي ميتة. ومن رأى أنه لا ينطلق اسم الحياة إلا على الحس قال: إن الشعر والعظام ليست بميتة لأنها لا حس لها. ومن فرق بينهما أوجب للعظام الحس ولم يوجب للشعر. وفي حس العظام اختلاف، والأمر مختلف فيه بين الأطباء، ومما يدل على أن التغذي والنمو ليسا هما الحياة التي يطلق على عدمها اسم الميتة، أن الجميع قد اتفقوا على أن ما قطع من البهيمة وهي حية أنه ميتة لو زود ذلك في الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" واتفقوا على أن الشعر إذا قطع من الحي أنه طاهر، ولو انطلق اسم الميتة على من فقد التغذي والنمو لقيل في النبات المقلوع إنه ميتة، وذلك أن النبات فيه التغذي والنمو، وللشافعي أن يقول إن التغذي الذي ينطلق على عدمه اسم الموت هو التغذي الموجود في الحساس.

@-(المسألة الثالثة) اختلفوا في الانتفاع بجلود الميتة، فذهب قوم إلى الانتفاع بجلودها مطلقا دبغت أو لم تدبغ، وذهب قوم إلى خلاف هذا، وهو ألا ينتفع به أصلا، وإن دبغت وذهب قوم إلى الفرق بين أن تدبغ وأن لا تدبغ، ورأوا أن الدباغ مطهر لها، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما مثل قول الشافعي، والثانية أن الدباغ لا يطهرها، ولكن تستعمل في اليابسات، والذين ذهبوا إلى أن الدباغ مطهر اتفقوا على أنه مطهر لما تعمل فيه الذكاة من الحيوان: أعني المباح الأكل، واختلفوا فيما لا تعمل فيه الذكاة، فذهب الشافعي إلى أنه مطهر لما تعمل فيه الذكاة فقط، وأنه بدل منها في إفادة الطهارة. وذهب أبو حنيفة إلى تأثير الدباغ في جميع ميتات الحيوان ما عدا الخنزير. وقال داود: تطهر حتى جلد الخنزير. وسبب اختلافهم تعارض الآثار في ذلك، وذلك أنه ورد في حديث ميمونة إباحة الانتفاع بها مطلقا، وذلك أن فيه أنه مر بميتة، فقال عليه الصلاة والسلام "هلا انتفعتم بجلدها؟" وفي حديث ابن عكيم منع الانتفاع بها مطلقا، وذلك أن فيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب: ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" قال: وذلك قبل موته بعام. وفي بعضها الأمر بالاتنفاع بها بعد الدباغ والمنع قبل الدباغ، والثابت في هذا الباب هو حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" فلمكان اختلاف هذه الآثار اختلف الناس في تأويلها، فذهب قوم مذهب الجمع على حديث ابن عباس، أعني أنهم فرقوا في الانتفاع بها بين المدبوغ وغير المدبوغ. وذهب قوم مذهب النسخ، فأخذوا بحديث ابن عكيم لقوله فيه موته بعام. وذهب قوم مذهب الترجيح لحديث ميمونة، ورأوا أنه يتضمن زيادة على ما في حديث ابن عباس، وأن تحريم الانتفاع ليس يخرج من حديث ابن عباس قبل الدباغ، لأن الاتنفاع غير الطهارة، أعني كل طاهر ينتفع به، وليس يلزم عكس هذا المعنى، أعني أن كل ما ينتفع به هو طاهر.

@-(المسألة الرابعة) اتفق العلماء على أن دم الحيوان البري نجس، واختلفوا في دم السمك، وكذلك اختلفوا في الدم القليل من دم الحيوان غير البحري، فقال قوم: دم السمك طاهر، وهو أحد قولي مالك ومذهب الشافعي. وقال قوم: هو نجس على أصل الدماء، وهو قول مالك في المدونة. وكذلك قال قوم: إن قليل الدماء معفو عنه. وقال قوم: بل القليل منها والكثير حكمه واحد، والأول عليه الجمهور. والسبب في اختلافهم في دم السمك هو اختلافهم في ميتته، فمن جعل ميتته داخلة تحت عموم التحريم جعل دمه كذلك، ومن أخرج ميتته أخرج دمه قياسا على الميتتة، وفي ذلك أثر ضعيف وهو قوله عليه الصلاة والسلام "أحلت لنا ميتتان ودمان الجراد والحوت، والكبد والطحال". وأما اختلافهم في كثير الدم وقليله فسببه اختلافهم في القضاء بالمقيد على المطلق أو بالمطلق على المقيد، وذلك أنه ورد تحريم الدم مطلقا في قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} وورد مقيدا في قوله تعالى {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} إلى قوله {أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} فمن قضى بالمقيد على المطلق وهم الجمهور قال المسفوح هو النجس المحرم فقط، ومن قضى بالمطلق على المقيد لأن فيه زيادة قال: المسفوح وهو الكثير، وغير المسفوح وهو القليل، كل ذلك حرام، وأيد هذا بأن كل ما هو نجس لعينه فلا يتبعض.

@-(المسألة الخامسة) اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم ورجيعه إلا بول الصبي الرضيع، واختلفوا فيما سواه من الحيوان، فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها كلها نجسة. وذهب قوم إلى طهارتها بإطلاق، أعني فضلتي سائر الحيوان البول والرجيع. وقال قوم: أبوالها وأرواثها تابعة للحومها، فما كان منها لحومها محرمة فأبوالها وأرواثها نجسة محرمة، وما كان منها لحومها مأكولة فأبوالها وأوراثها طاهرة، ما عدا التي تأكل النجاسة، وما كان منها مكروهة فأبوالها وأوراثها مكروهة، وبهذا قال مالك كما قال أبو حنيفة بذلك في الأسآر. وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما اختلافهم في مفهوم الإباحة الواردة في الصلاة في مرابض الغنم، وإباحته عليه الصلاة والسلام للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها، وفي مفهوم النهي عن الصلاة في أعطان الإبل. والسبب الثاني اختلافهم في قياس سائر الحيوان في ذلك على الإنسان، فمن قاس سائر الحيوان على الإنسان ورأى أنه من باب قياس الأولى والأحرى لم يفهم من إباحة الصلاة في مرابض الغنم طهارة أرواثها وأبوالها جعل ذلك عبادة، ومن فهم من النهي عن الصلاة في أعطان الإبل النجاسة وجعل إباحته للعرنيين أبوال الإبل لمكان المداواة على أصله في إجازة ذلك قال: كل رجيع وبول فهو نجس، ومن فهم من حديث إباحة الصلاة في مرابض الغنم طهارة أرواثها وأبوالها وكذلك من حديث العرنيين وجعل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل عبادة أو لمعنى غير معنى النجاسة، وكان الفرق عنده بين الإنسان وبهيمة الأنعام أن فضلتي الإنسان مستقذرة بالطبع وفضلتي بهيمة الأنعام ليست كذلك جعل الفضلات تابعة للحوم والله أعلم. ومن قاس على بهيمة الأنعام غيرها جعل الفضلات كلها ما عدا فضلتي الإنسان غير نجسة ولا محرمة والمسألة محتملة، ولولا أنه لا يجوز إحداث قول لم يتقدم إليه أحد في المشهور، وإن كانت مسألة فيها خلاف لقيل إن ما ينتن منها ويستقذر بخلاف ما لا ينتن ولا يستقذر، وبخاصة ما كان منها رائحته حسنة لاتفاقهم على إباحة العنبر وهو عند أكثر الناس فضلة من فضلات حيوان البحر، وكذلك المسك، وهو فضلة دم الحيوان الذي يوجد المسك فيه فيما يذكر.

@-(المسألة السادسة) اختلف الناس في قليل النجاسات على ثلاثة أقوال: فقوم رأوا قليلها وكثيرها سواء، وممن قال بهذا القول الشافعي. وقوم رأوا أن قليل النجاسات معفو عنه، وحدوه بقدر الدرهم البغلي، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة، وشذ محمد بن الحسن فقال: إن كانت النجاسة ربع الثوب فما دونه جازت به الصلاة. وقال فريق ثالث: قليل النجاسات وكثيرها سواء إلا الدم على ما تقدم، وهو مذهب مالك، وعنه في دم الحيض روايتان والأشهر مساواته لسائر الدماء. وسبب اختلافهم اختلافهم في قياس قليل النجاسة على الرخصة الواردة في الاستجمار للعلم بأن النجاسة هناك باقية، فمن أجاز القياس على ذلك استجاز قليل النجاسة، ولذلك حدوه بالدرهم قياسا على قدر المخرج، ومن رأى أن تلك رخصة والرخص لا يقاس عليها منع ذلك. وأما سبب استثناء مالك من ذلك الدماء، فقد تقدم، وتفصيل مذهب أبي حنيفة أن النجاسات عنده تنقسم إلى مغلظة ومخففة، وأن المغلظة هي التي يعفى منها عن قدر الدرهم، والمخففة هي التي يعفى منها عن ربع الثوب، والمخففة عندهم مثل أرواث الدواب، وما لا تنفك منه الطرق غالبا، وتقسيمهم إياها إلى مغلظة ومخففة حسن جدا.

@-(المسألة السابعة) اختلفوا في المني: هل هو نجس أم لا؟ فذهبت طائفة منهم مالك وأبو حنيفة إلى أنه نجس، وذهبت طائفة إلى أنه طاهر، وبهذا قال الشافعي وأحمد وداود وسبب اختلافهم فيه شيئان: أحدهما اضطراب الرواية في حديث عائشة وذلك أن في بعضها "كنت أغسل ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المني فيخرج إلى الصلاة وإن فيه لبقع الماء" وفي بعضها "أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي بعضها "فيصلي فيه" خرج هذه الزيادة مسلم. والسبب الثاني تردد المني بين أن يشبه بالأحداث الخارجة من البدن، وبين أن يشبه بخروج الفضلات الطاهرة كاللبن وغيره، فمن جمع الأحاديث كلها بأن حمل الغسل على باب النظافة، واستدل من الفرك على الطهارة على أصله في أن الفرك لا يطهر نجاسة، وقاسه على اللبن وغيره من الفضلات الشريفة لم يره نجسا، ومن رجح حديث الغسل على الفرك وفهم منه النجاسة وكان بالأحداث عنده أشبه منه مما ليس بحدث قال: إنه نجس، وكذلك أيضا من اعتقد أن النجاسة تزول بالفرك قال: الفرك يدل على نجاسته كما يدل الغسل وهو مذهب أبي حنيفة، وعلى هذا فلا حجة لأولئك في قولها فيصلي فيه، بل فيه حجة لأبي حنيفة في أن النجاسة تزال بغير الماء وهو خلاف قول الماليكة.

*3*الباب الثالث في معرفة المحال التي يجب إزالتها عنها.

@-وأما المحال التي تزال عنها النجاسات فثلاثة ولا خلاف في ذلك: أحدها الأبدان، ثم الثياب، ثم المساجد ومواضع الصلاة. وإنما اتفق العلماء على هذه الثلاثة لأنها منطوق بها في الكتاب والسنة. أما الثياب ففي قوله تعالى {وثيابك فطهر} على مذهب من حملها على الحقيقة، وفي الثابت من أمره عليه الصلاة والسلام بغسل الثوب من دم الحيض وصبه الماء على بول الصبي الذي بال عليه. وأما المساجد فلأمره عليه الصلاة والسلام بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام "أنه أمر بغسل المذي من البدن وغسل النجاسات من المخرجين" واختلف الفقهاء هل يغسل الذكر كله من المذي أم لا؟ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث علي المشهور، وقد سئل عن المذي فقال "يغسل ذكره ويتوضأ" وسبب الخلاف فيه هو: هل الواجب هو الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ فمن رأى أنه بأواخرها: أعني بأكثر ما ينطلق عليه الاسم قال يغسل الذكر كله، ومن رأى الأخذ بأقل ما ينطلق عليه قال إنما يغسل موضع الأذى فقط قياسا على البول والمذي.

*3*الباب الرابع في الشيء الذي تزال به.

@-وأما الشيء الذي به تزال، فإن المسلمين اتفقوا على أن الماء الطاهر المطهر يزيلها من هذه الثلاثة المحال، واتفقوا أيضا على أن الحجارة تزيلها من المخرجين، واختلفوا فيما سوى ذلك من المائعات والجامدات التي تزيلها. فذهب قوم إلى أن ما كان طاهرا يزيل عين النجاسة مائعا كان أو جامدا في أي موضع كانت، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال قوم: لا تزال النجاسة بما سوى الماء إلا في الاستجمار فقط المتفق عليه، وبه قال مالك والشافعي. واختلفوا أيضا في إزالتها في الاستجمار بالعظم والروث، فمنع ذلك قوم، وأجازه بغير ذلك مما ينقي، واستثنى مالك من ذلك ما هو مطعوم ذو حرمة كالخبز، وقد قيل ذلك فيما في استعماله سرف كالذهب والياقوت. وقوم قصروا الإنقاء على الأحجار فقط، وهو مذهب أهل الظاهر. وقوم أجازوا الاستنجاء بالعظم دون الروث وإن كان مكروها عندهم. وشذ الطبري فأجاز الاستجمار بكل طاهر ونجس. وسبب اختلافهم في إزالة النجاسة بما عدا الماء فيما عدا المخرجين هو: هل المقصود بإزالة النجاسة بالماء هو إتلاف عينها فقط فيستوي في ذلك مع الماء كل ما يتلف عينها؟ أم للماء في ذلك مزيد خصوص ليس بغير الماء، فمن لم يظهر عنده للماء مزيد خصوص قال بإزالتها بسائر المائعات والجامدات الطاهرة، وأيد هذا المفهوم بالاتفاق على إزالتها من المخرجين بغير الماء، وبما ورد من حديث أم سلمة أنها قالت "إني أمرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يطهره ما بعده" وكذلك بالآثار التي خرجها أبو داود في هذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام "إذا وطئ أحدكم الأذى بنعليه فإن التراب له طهور" إلى غير ذلك مما روي في هذا المعنى، ومن رأى أن للماء في ذلك مزيد خصوص منع ذلك إلا في موضع الرخصة فقط، وهو المخرجان، ولما طالبت الحنفية الشافعية بذلك الخصوص المزيد الذي للماء لجئوا في ذلك إلى أنها عبادة إذ لم يقدروا أن يعطوا في ذلك سببا معقولا، حتى أنهم سلموا أن الماء لا يزيل النجاسة بمعنى معقول، وإنما إزالته بمعنى شرعي حكمي، وطال الخطب والجدل بينهم: هل إزالة النجاسة بالماء عبادة أو معنى معقول خلفا عن سلف، واطرت الشافعية إلى أن تثبت أن في الماء قوة شرعية في رفع أحكام النجاسات ليست في غيره، وإن استوى مع سائر الأشياء في إزالة العين، وأن المقصود إنما هو إزالة ذلك الحكم الذي اختص به الماء لإذهاب عين النجاسة، بل قد يذهب العين ويبقى الحكم فباعدوا المقصد وقد كانوا اتفقوا قبل مع الحنفيين أن طهارة النجاسة ليست طهارة حكمية أعني شرعية، ولذلك لم تحتج إلى نية ولو راموا الانفصال عنهم بأنا نرى أن للماء قوة إحالة للأنجاس والأدناس وقلعها من الثياب والأبدان ليست لغيره، ولذلك اعتمده الناس في تنظيف الأبدان والثياب لكان قولا جيدا وغيره بعيد، بل لعله واجب أن يعتقد أن الشرع إنما اعتمد في كل موضع غسل النجاسة بالماء لهذه الخاصية التي في الماء، ولو كانوا قالوا هذا لكانوا قد قالوا في ذلك قولا هو أدخل في المذهب الفقه الجاري على المعاني وإنما يلجأ الفقيه إلى أن يقول عبادة إذا ضاق عليه المسلك مع الخصم، فتأمل ذلك فإنه بين من أمرهم في أكثر المواضع. وأما اختلافهم في الروث فسببه اختلافهم في المفهوم من النهي الوارد في ذلك عنه عليه الصلاة والسلام، أعني أمره عليه الصلاة والسلام أن لا يستنجي بعظم ولا روث، فمن دل عنده النهي على الفساد لم يجز ذلك، ومن لم ير ذلك إذ كانت النجاسة معنى معقولا حمل ذلك على الكراهية ولم يعده إلى إبطال الاستنجاء بذلك، ومن فرق بين العظام والروث فلأن الروث نجس عنده.

*3*الباب الخامس في صفة إزالتها.

@-وأما الصفة التي بها تزول فاتفق العلماء على أنها غسل ومسح ونضح لورود ذلك في الشرع وثبوته في الآثار. واتفقوا على أن الغسل عام لجميع أنواع النجاسات ولجميع محال النجاسات، وأن المسح بالأحجار يجوز في المخرجين ويجوز في الخفين وفي النعلين من العشب اليابس، وكذلك ذيل المرأة الطويل اتفقوا على أن طهارته هي على ظاهر حديث أم سلمة من العشب اليابس، واختلفوا من ذلك في ثلاث مواضع هي أصول هذا الباب: أحدها في النضح لأي نجاسة هو والثاني في المسح لأي محل هو ولأي نجاسة هو بعد أن اتفقوا على ما ذكرناه. والثالث اشتراط العدد في الغسل والمسح. أما النضح فإن قوما قالوا: هذا خاص بإزالة بول الطفل الذي لم يأكل الطعام. وقوم فرقوا بين بول الذكر في ذلك والأنثى، فقالوا: ينضح بول الذكر ويغسل بول الأنثى، وقوم قالوا: الغسل طهارة ما يتيقن بنجاسته، والنضح طهارة ما شك فيه، وهو مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه. وسبب اختلافهم تعارض ظواهر الأحاديث في ذلك، أعني اختلافهم في مفهومها، وذلك أن ههنا حديثين ثابتين في النضح: أحدهما حديث عائشة "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم، فأتى بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله" وفي بعض رواياته "فنضحه ولم يغسله" خرجه البخاري والآخر حديث أنس المشهور حين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته قال: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبث، فنضحته بالماء. فمن الناس من صار إلى العمل بمقتضى حديث عائشة. وقال: هذا خاص ببول الصبي واستثناه من سائر البول. ومن الناس من رحج الآثار الواردة في الغسل على هذا الحديث، وهو مذهب مالك، ولم ير النضح إلا الذي في حديث أنس، وهو الثوب المشكوك فيه على ظاهر مفهومه. وأما الذي فرق في ذلك بين بول الذكر والأنثى، فإنه اعتمد على ما رواه أبو داود عن أبي السمح من قوله عليه الصلاة والسلام "يغسل بول الجارية ويرش بول الصبي" وأما من لم يفرق فإنما اعتمد قياس الأنثى على الذكر الذي ورد فيه الحديث الثابت. وأما المسح فإن قوما أجازوه في أي محل كانت النجاسة إذا ذهب عينها على مذهب أبي حنيفة، وكذلك الفرك على قياس من يرى أن كل ما أزال العين فقد طهر، وقوم لم يجيزوه إلا في المتفق عليه وهو المخرج وفي ذيل المرأة وفي الخف، وذلك من العشب اليابس لا من الأذى غير اليابس وهو مذهب مالك، وهؤلاء لم يعدوا المسح إلى غير المواضع التي جاءت في الشرع، وأما الفريق الآخر فإنهم عدوه. والسبب في اختلافهم في ذلك هل ما ورد من ذلك رخصة أو حكم؟ فمن قال رخصة لم يعدها إلى غيرها: أعني لم يقس عليها، ومن قال هو حكم من أحكام إزالة النجاسة كحكم الغسل عداه. وأما اختلافهم في العدد، فإن قوما اشترطوا الإبقاء فقط في الغسل والمسح، وقوم اشترطوا العدد في الاستجمار وفي الغسل، والذين اشترطوه في الغسل منهم من اقتصر على المحل الذي ورد فيه العدد في الغسل بطريق السمع، ومنهم من عداه إلى سائر النجاسات، أما من لم يشترط العدد لا في غسل ولا في مسح فمنهم مالك وأبو حنيفة، وأما من اشترط في الاستجمار العدد: أعني ثلاثة أحجار لا أقل من ذلك، فمنهم الشافعي وأهل الظاهر، وأما من اشترط العدد في الغسل واقتصر به على محله الذي ورد فيه وهو غسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب، فالشافعي ومن قال بقوله. وأما من عداه واشترط السبع في غسل النجاسات ففي أغلب ظني أن أحمد بن حنبل منهم. وأبو حنيفة يشترط الثلاثة في إزالة النجاسة الغير محسوسة العين أعني الحكمية. وسبب اختلافهم في هذا تعارض المفهوم من هذه العبادة لظاهر اللفظ في الأحاديث التي ذكر فيها العدد، وذلك أن من كان المفهوم عنده من الأمر بإزالة النجاسة إزالة عينها لم يشترط العدد أصلا، وجعل العدد الوارد من ذلك في الاستجمار في حديث سلمان الثابت الذي فيه الأمر أن لا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار على سبيل الاستحباب حتى يجمع بين المفهوم من الشرع والمسموع من هذه الأحاديث، وجعل العدد المشترط في غسل الإناء من ولوغ الكلب عبادة لا لنجاسة كما تقدم من مذهب مالك. وأما من صار إلى ظواهر هذه الآثار واستثناها من المفهوم فاقتصر بالعدد على هذه المحال التي ورد العدد فيها، وأما من رجح الظاهر على المفهوم فإنه عدى ذلك إلى سائر النجاسات. وأما حجة أبي حنيفة في الثلاثة فقوله عليه الصلاة والسلام "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في إنائه".

*3*الباب السادس في آداب الاستنجاء.

@-وأما آداب الاستنجاء ودخول الخلاء فأكثرها محمولة عند الفقهاء على الندب، وهي معلومة من السنة كالبعد في المذهب إذا أراد الحاجة وترك الكلام عليها، والنهي عن الاستنجاء باليمين، وأن لا يمس ذكره بيمينه، وغير ذلك مما ورد في الآثار، وإنما اختلفوا من ذلك في مسألة واحدة مشهورة وهي استقبال القبلة للغائط والبول واستدبارها، فإن للعلماء فيها ثلاثة أقوال: أنه لا يجوز أن تستقبل القبلة لغائط ولا بول أصلا، ولا في موضع من المواضع، وقول إن ذلك يجوز بإطلاق. وقول إنه يجوز في المباني والمدن ولا يجوز ذلك في الصحراء وفي غير المباني والمدن. والسبب في اختلافهم هذا حديثان متعارضان ثابتان: أحدهما حديث أبي أيوب الأنصاري أنه قال عليه الصلاة والسلام "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا". والحديث الثاني حديث عبد الله بن عمر أنه قال "ارتقيت على ظهر بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا لحاجته على لبنتين مستقبل الشام مستدبر القبلة" فذهب الناس في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب: أحدها مذهب الجمع. والثاني مذهب الترجيح. والثالث مذهب الرجوع إلى البراءة الأصلية إذا وقع التعارض، وأعني بالبراءة الأصلية عدم الحكم، فمن ذهب مذهب الجمع حمل حديث أبي أيوب الأنصاري على الصحاري وحيث لا سترة، وحمل حديث ابن عمر على السترة، وهو مذهب مالك. ومن ذهب مذهب الترجيح رجح حديث أبي أيوب، لأنه إذا تعارض حديثان أحدهما فيه شرع موضوع، والآخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم ولم يعلم المتقدم منهما من المتأخر وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع، لأنه قد وجب العمل بنقله من طريق العدول، وتركه الذي ورد أيضا من طريق العدول يمكن أن يكون ذلك قبل شرع ذلك الحكم، ويمكن أن يكون بعده، فلم يجز أن نترك شرعا وجب العمل به بظن لم نؤمر أن نوجب النسخ به إلا لو نقل أنه كان بعده، فإن الظنون التي تستند إليها الأحكام محدودة بالشرع: أعني التي توجب رفعها أو إيجابها، وليست هي أي ظن اتفق، ولذلك يقولون إن العمل ما لم يجب بالظن وإنما وجب بالأصل المقطوع به، يريدون بذلك الشرع المقطوع به الذي أوجب العمل بذلك النوع من الظن، وهذه الطريقة التي قلناها هي طريقة أبي محمد بن حزم الأندلسي، وهي طريقة جيدة مبنية على أصول أهل الكلام الفقهي، وهو راجع إلى أنه لا يرتفع بالشك ما ثبت بالدليل الشرعي. وأما من ذهب مذهب الرجوع إلى الأصل عند التعارض فهو مبني على أن الشك يسقط الحكم ويرفعه وأنه كلا حكم، وهو مذهب داود الظاهري، ولكن خالفه أبو محمد بن حزم في هذا الأصل مع أنه من أصحابه. قال القاضي: فهذا هو الذي رأينا أن نثبته في هذا الكتاب من المسائل التي ظننا أنها تجري مجرى الأصول، وهي التي نطق بها في الشرع أكثر ذلك، أعني أن أكثرها يتعلق بالمنطوق به، إما تعلقا قريبا، أو قريبا من القريب، وإن تذكرنا لشيء من هذا الجنس أثبتناه في هذا الباب، وأكثر ما عولت فيما نقلته من نسبة هذه المذاهب إلى أربابها هو كتاب الاستذكار، وأنا قد أبحت لمن وقع من ذلك على وهم لي أن يصلحه، والله المعين والموفق.

*2*كتاب الصلاة.

@-(بسم الله الرحمن الرحيم) وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب. والقول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر بالجملة في أربعة أجناس: أعني أربع جمل: الجملة الأولى: في معرفة الوجوب وما يتعلق به. والجملة الثانية: في معرفة شروطها الثلاث: أعني شروط الوجوب وشروط الصحة وشروط التمام والكمال. والجملة الثالثة: في معرفة ما تشتمل عليه من أفعال وأقوال، وهي الأركان. والجملة الرابعة في قضائها ومعرفة إصلاح ما يقع فيها من الخلل وجبره، لأنه قضاء ما إذا كان استدراكا لما فات.

*3*(الجملة الأولى) وهذه الجملة فيها أربع مسائل هي في معنى أُصول هذا الباب.

@-المسألة الأولى: في بيان وجوبها. الثانية: في بيان عدد الواجبات منها. الثالثة: في بيان على من تجب. الرابعة: ما الواجب على من تركها متعمدا؟.

@-(المسألة الأولى) أما وجوبها فبين من الكتاب والسنة والإجماع، وشهرة ذلك تغني عن تكلف القول فيه.

@-(المسألة الثانية) وأما عدد الواجب منها ففيه قولان: أحدهما قول مالك والشافعي والأكثر، وهو أن الواجب هي الخمس صلوات فقط لا غير. والثاني قول أبي حنيفة وأصحابه، وهو أن الوتر واجب مع الخمس، واختلافهم هل يسمى ما ثبت بالسنة واجبا أو فرضا لا معنى له؟. وسبب اختلافهم الأحاديث المتعارضة. أما الأحاديث التي مفهومها وجوب الخمس فقط بل هي نص في ذلك فمشهورة وثابتة، ومن أبينها في ذلك ما ورد في حديث الإسراء المشهور "أنه لما بلغ الفرض إلى خمس قال له موسى: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعته، فقال تعالى: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي" وحديث الأعرابي المشهور الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام فقال له: "خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع" وأما الأحاديث التي مفهومها وجوب الوتر، فمنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله قد زادكم صلاة وهي الوتر فحافظوا عليها" وحديث حارثة بن حذافة قال "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر وجعلها لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر" وحديث بريدة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا" فمن رأى أن الزيادة هي نسخ ولم تقو عنده هذه الأحاديث قوة تبلغ بها أن تكون ناسخة لتلك الأحاديث الثابتة المشهورة رجح تلك الأحاديث، وأيضا فإنه ثبت من قوله تعالى في حديث الإسراء "إنه لا يبدل القول لدي" وظاهره أنه لا يزاد فيها ولا ينقص منها وإن كان هو في النقصان أظهر، والخبر ليس يدخله النسخ، ومن بلغت عنده قوة هذه الأخبار التي اقتضت الزيادة على الخمس إلى رتبة توجب العمل أوجب المصير الى هذه الزيادة، لا سيما إن كان ممن يرى أن الزيادة لا توجب نسخا، لكن ليس هذا من رأي أبي حنيفة.

@-(المسألة الثالثة) وأما على من تجب فعلى المسلم البالغ ولا خلاف في ذلك.

@-(المسألة الرابعة) وأما ما الواجب على من تركها عمدا وأمر بها فأبى أن يصليها لا جحودا لفرضها، فإن قوما قالوا: يقتل، وقوما قالوا: يعزر ويحبس، والذين قالوا يقتل منهم من أوجب قتله كفرا، وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك، ومنهم من أوجبه حدا وهو مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر ممن رأى حبسه وتعزيره حتى يصلي. والسبب في هذا الاختلاف اختلاف الآثار، وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس" وروي عنه عليه الصلاة والسلام من حديث بريدة أنه قال "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" وحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ليس بين العبد وبين الكفر {أو قال الشرك} إلا ترك الصلاة" فمن فهم من الكفر ههنا الكفر الحقيقي جعل هذا الحديث كأنه تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام "كفر بعد إيمان" ومن فهم ههنا التغليظ والتوبيخ أي أن أفعاله أفعال كافر وأنه في صورة كافر كما قال "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" ولم ير قتله كفرا. وأما من قال يقتل حدا فضعيف ولا مستند له إلا قياس شبه ضعيف إن أمكن، وهو تشبيه الصلاة بالقتل في كون الصلاة رأس المأمورات، والقتل رأس المنهيات.

وعلى الجملة فاسم الكفر إنما ينطلق بالحقيقة على التكذيب، وتارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب إلا أن يتركها معتقدا لتركها هكذا، فنحن إذن بين أحد أمرين: إما إن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي يجب علينا أن نتأول أنه أراد عليه الصلاة والسلام من ترك الصلاة معتقدا لتركها فقد كفر، وإما أن يحمل على اسم الكفر على غير موضوعه الأول، وذلك على أحد معنيين: إما على أن حكمه حكم الكافر: أعني في القتل وسائر أحكام الكفار وإن لم يكن مكذبا، وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له: أي أن فاعل هذا يشبه الكافر في الأفعال، إذ كان الكافر لا يصلي كما قال عليه الصلاة والسلام "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وحمله على أن حكمه حكم الكافر في أحكامه لا يجب المصير إليه إلا بدليل لأنه حكم لم يثبت بعد في الشرع من طريق يجب المصير إليه، فقد يجب إذا لم يدل عندنا على الكفر الحقيقي الذي هو التكذيب أن يدل على المعنى المجازي لا على معنى يوجب حكما لم يثبت بعد في الشرع بل يثبت ضده، وهو أنه لا يحل دمه إذ هو خارج عن الثلاث الذين نص عليهم الشرع فتأمل هذا، فإنه بين والله أعلم. أعني أنه يجب علينا أحد أمرين: إما أن نقدر في الكلام محذوفا إن أردنا حمله على المعنى الشرعي المفهوم من اسم الكفر، وإما أن نحمله على المعنى المستعار، وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع أحكامه مع أنه مؤمن فشيء مفارق للأصول، مع أن الحديث نص في حق من يجب قتله كفرا أو حدا، ولذلك صار هذا القول مضاهيا لقول من يكفر بالذنوب.

*3*(الجملة الثانية في الشروط)

@-وهذه الجملة فيها ثمانية أبواب: الباب الأول: في معرفة الأوقات. الثاني: في معرفة الأذان والإقامة. الثالث: في معرفة القبلة. الرابع: في ستر العورة واللباس في الصلاة. الخامس: في اشتراط الطهارة من النجس في الصلاة. السادس: في تعيين المواضع التي يصلي فيها من المواضع التي لا يصلي فيها. السابع: في معرفة الشروط التي هي شروط في صحة الصلاة. الثامن: في معرفة النية وكيفية اشتراطها في الصلاة.

*3*الباب الأول في معرفة الأوقات.

@-وهذا الباب ينقسم أولا إلى فصلين: الأول في معرفة الأوقات المأمور بها. الثاني في معرفة الأوقات المنهي عنها.

*4*الفصل الأول في معرفة الأوقات المأمور بها.

@-وهذا الفصل ينقسم إلى قسمين أيضا: القسم الأول في الأوقات الموسعة والمختارة. والثاني في أوقات أهل الضرورة.

@-القسم الأول من الفصل الأول من الباب الأول من الجملة الثانية.

والأصل في هذا الباب قوله تعالى {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} اتفق المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتا خمسا هي شرط في صحة الصلاة، وأن منها أوقات فضيلة وأوقات توسعة، واختلفوا في حدود أوقات التوسعة والفضيلة، وفيه خمس مسائل:

@-(المسألة الأولى) اتفقوا على أن أول وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو الزوال، إلا خلافا شاذا روي عن ابن عباس، وإلا ما روي من الخلاف في صلاة الجمعة على ما سيأتي، واختلفوا منها في موضعين في آخر وقتها الموسع وفي وقتها المرغب فيه. فأما آخر وقتها الموسع فقال مالك والشافعي وأبو ثور وداود هو أن يكون ظل كل شيء مثله. وقال أبو حنيفة: آخر الوقت أن يكون ظل كل شيء مثليه في إحدى الروايتين عنه، وهو عنده أول وقت العصر. وقد روي عنه أن آخر وقت الظهر هو المثل، وأول وقت العصر المثلان، وأن ما بين المثل والمثلين ليس يصلح لصلاة الظهر، وبه قال صاحباه أبو يوسف ومحمد. وسبب الخلاف في ذلك اختلاف الأحاديث وذلك أنه ورد في إمامة جبريل أنه صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثله، ثم قال: "الوقت ما بين هذين" وروي عنه قال صلى الله عليه وسلم: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطينا قيراطا قيراطا ونحن كنا أكثر عملا؟ قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء" فذهب مالك والشافعي إلى حديث إمامة جبريل، وذهب أبو حنيفة إلى مفهوم ظاهر هذا، وهو أنه إذا كان من العصر إلى الغروب أقصر من أول الظهر إلى العصر على مفهوم هذا الحديث، فواجب أن يكون العصر أكثر من قامة، وأن يكون هذا هو آخر وقت الظهر. وقال أبو محمد بن حزم: وليس كما ظنوا وقد امتحنت الأمر فوجدت القامة تنتهي من النهار إلى تسع ساعات وكسر. قال القاضي: أنا الشاك في الكسر، وأظنه قال: وثلث حجة من قال باتصال الوقتين، أعني اتصالا لا بفصل غير منقسم قوله عليه الصلاة والسلام "لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت أخرى" وهو حديث ثابت. وأما وقتها المرغب فيه والمختار فذهب مالك إلى أنه للمنفرد أول الوقت ويستحب تأخيرها عن أول الوقت قليلا في مساجد الجماعات. وقال الشافعي: أول الوقت أفضل إلا في شدة الحر. وروي مثل ذلك عن مالك. وقالت طائفة: أول الوقت أفضل بإطلاق للمنفرد والجماعة وفي الحر والبرد، وإنما اختلفوا في ذلك لاختلاف الأحاديث، وذلك أن في ذلك حديثين ثابتين: أحدهما قوله عليه الصلاة والسلام "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" والثاني "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الظهر بالهاجرة" وفي حديث خباب "أنهم شكوا إليه حر الرمضاء فلم يشكهم" خرجه مسلم. قال زهير رواي الحديث: قلت لأبي إسحاق شيخه أفي الظهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تعجليها؟ قال: نعم، فرجح قوم حديث الإبراد إذ هو نص، وتأولوا هذه الأحاديث إذ ليست بنص. وقوم رجحوا هذه الأحاديث لعموم ما روي من قوله عليه الصلاة والسلام "وقد سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول ميقاتها" والحديث متفق عليه، وهذه الزيادة فيه، أعني "لأول ميقاتها" مختلف فيه.

@-(المسألة الثانية) اختلفوا من صلاة العصر في موضعين: أحدهما في اشتراك أول وقتها مع آخر وقت صلاة الظهر. والثاني في آخر وقتها. فأما اختلافهم في الاشتراك فإنه اتفق مالك والشافعي وداود وجماعة على أن أول وقت العصر هو بعينه آخر وقت الظهر، وذلك إذا صار ظل كل شيء مثله، إلا أن مالكا يرى أن آخر وقت الظهر وأول وقت العصر هو وقت مشترك للصلاتين معا: أعني بقدر ما يصلي فيه أربع ركعات. وأما الشافعي وأبو ثور وداود فآخر وقت الظهر عندهم هو الآن الذي هو أول وقت العصر هو زمان غير منقسم. وقال أبو حنيفة كما قلنا أول وقت العصر إلى أن يصير، ظل كل شيء مثليه، وقد تقدم سبب اختلاف أبي حنيفة معهم في ذلك. وأما سبب اختلاف مالك مع الشافعي ومن قال بقوله في هذه فمعارضة حديث جبريل في هذا المعنى لحديث عبد الله بن عمر، وذلك أنه جاء في إمامة جبريل أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول. وفي حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام "وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر" خرجه مسلم. فمن رجح حديث جبريل جعل الوقت مشتركا، ومن رجح حديث عبد الله لم يجعل بينهما اشتراكا، وحديث جبريل أمكن أن يصرف إلى حديث عبد الله من حديث عبد الله إلى حديث جبريل، لأنه يحتمل أن يكون الراوي تجوز في ذلك لقرب ما بين الوقتين، وحديث إمامة جبريل صححه الترمذي، وحديث ابن عمر خرجه مسلم. وأما اختلافهم في آخر وقت العصر فعن مالك في ذلك روايتان إحداهما: أن آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثليه، وبه قال الشافعي. والثانية أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس، وهذا قول أحمد بن حنبل. وقال أهل الظاهر: آخر وقتها قبل غروب الشمس بركعة. والسبب في اختلافهم أن في ذلك ثلاثة أحاديث متعارضة: الظاهر أحدها حديث عبد الله بن عمر خرجه مسلم وفيه "فإذا صليتم العصر فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس" وفي بعض رواياته "وقت العصر ما لم تصفر الشمس". والثاني حديث ابن عباس في إمامة جبريل، وفيه "أنه صلى به العصر في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه". والثالث حديث أبي هريرة المشهور "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" فمن صار إلى ترجيح حديث إمامة جبريل جعل آخر وقتها المختار المثلين (ومن صار إلى ترجيح حديث ابن عمر جعل آخر وقتها اصفرار الشمس) (ما بين القوسين زائد بالنسخة المطبوعة بفاس أثبتناه لأنه من الضروري) ومن صار إلى ترجيح حديث أبي هريرة قال: وقت العصر إلى أن يبقى منها ركعة قبل غروب الشمس، وهم أهل الظاهر كما قلنا. وأما الجمهور فسلكوا في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر مع حديث ابن عباس إذ كان معارضا لهما كل التعارض مسلك الجمع، لأن حديثي ابن عباس وابن عمر تتقارب الحدود المذكورة فيهما، ولذلك قال مالك مرة بهذا، ومرة بذلك. وأما الذي في حديث أبي هريرة فبعيد منهما ومتفاوت فقالوا: حديث أبي هريرة إنما خرج مخرج أهل الأعذار.

@-(المسألة الثالثة) اختلفوا في المغرب هل لها وقت موسع كسائر الصلوات أم لا؟ فذهب قوم إلى أن وقتها واحد غير موسع، وهذا هو أشهر الروايات عن مالك وعن الشافعي. وذهب قوم إلى أن وقتها موسع وهو ما بين غروب الشمس إلى غروب الشفق، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور وداود وقد روي هذا القول عن مالك والشافعي. وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد الله بن عمر وذلك أن في حديث إمامة جبريل أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد، وفي حديث عبد الله "ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق" فمن رجح حديث إمامة جبريل جعل لها وقتا واحد، ومن رجح حديث عبد الله جعل لها وقتا موسعا، وحديث عبد الله خرجه مسلم ولم يخرج الشيخان حديث إمامة جبريل: أعني حديث ابن عباس الذي فيه أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام عشر صلوات مفسرة الأوقات ثم قال له: الوقت ما بين هذين، والذي في حديث عبد الله من ذلك هو موجود أيضا في حديث بريدة الأسلمي، خرجه مسلم، وهو أصل في هذا الباب. قالوا: وحديث بريدة أولى لأنه كان بالمدينة عند سؤال السائل له عن أوقات الصلوات، وحديث جبريل كان في أول الفرض بمكة.

@-(المسألة الرابعة) اختلفوا من وقت العشاء الآخرة في موضعين: أحدهما في أوله، والثاني في آخره. أما أوله فذهب مالك والشافعي وجماعة إلى أنه مغيب الحمرة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة. وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم الشفق في لسان العرب فإنه كما أن الفجر في لسانهم فجران كذلك الشفق شفقان: أحمر، وأبيض. ومغيب الشفق الأبيض يلزم أن يكون بعده من أول الليل (إما بعد الفجر المستدق من آخر الليل: أعني الفجر الكاذب، وإما بعد الفجر الأبيض المستطير وتكون الحمرة نظير الحمرة، فالطوالع إذا أربعة: الفجر الكاذب، والفجر الصادق، والأحمر والشمس، وكذلك يجب أن تكون الغوارب ولذلك ما ذكر عن الخليل من أنه رصد الشفق الأبيض فوجده يبقى إلى ثلث الليل كذب بالقياس والتجربة (ما بين القوسين زيادة بالنسخة المصرية غير موجودة بالنسخة الفاسية فأثبتناها كما هي ا هـ))، وذلك أنه لا خلاف بينهم أنه قد ثبت في حديث بريدة وحديث إمامة جبريل أنه صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق، وقد رجح الجمهور مذهبهم بما ثبت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة" ورجح أبو حنيفة مذهبة بما ورد في تأخير العشاء واستحباب تأخيره وقوله "لولا أن أشق على أمتي لأخرت هذه الصلاة إلى نصف الليل" وأما آخر وقتها فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: قول إنه ثلث الليل. وقول إنه نصف الليل وقول إنه إلى طلوع الفجر، وبالأول: أعني ثلث الليل، قال الشافعي وأبو حنيفة، وهو المشهور من مذهب مالك، وروي عن مالك القول الثاني: أعني نصف الليل، وأما الثالث فقول داود. وسبب الخلاف في ذلك تعارض الآثار، ففي حديث إمامة جبريل أنه صلاها بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني ثلث الليل. وفي حديث أنس أنه قال "أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل" خرجه البخاري. وروي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل" وفي حديث أبي قتادة ليس التفريط في النوم إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى. فمن ذهب مذهب الترجيح لحديث إمامة جبريل قال ثلث الليل، ومن ذهب مذهب الترجيح لحديث أنس قال شطر الليل. وأما أهل الظاهر فاعتمدوا حديث أبي قتادة وقالوا هو عام وهو متأخر عن حديث إمامة جبريل فهو ناسخ ولو لم يكن ناسخا لكان تعارض الآثار يسقط حكمها، فيجب أن يصار إلى استصحاب حال الإجماع، وقد اتفقوا على أن الوقت يخرج لما بعد طلوع الفجر واختلفوا فيما قبل، فإنا روينا عن ابن عباس أن الوقت عنده إلى طلوع الفجر فوجب أن يستصحب حكم الوقت، إلا حيث وقع الاتفاق على خروجه وأحسب أنه به قال أبو حنيفة.

@-(المسألة الخامسة) واتفقوا على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الصادق وآخره طلوع الشمس، إلا ما روي عن ابن القاسم وعن بعض أصحاب الشافعي من أن آخر وقتها الإسفار. واختلفوا في وقتها المختار، فذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأكثر العراقيين إلى أن الإسفار بها أفضل، وذهب مالك والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وأبو ثور وداود إلى أن التغليس بها أفضل، وسبب اختلافهم اختلافهم في طريقة جمع الأحاديث المختلفة الظواهر في ذلك، وذلك أنه ورد عنه عليه الصلاة والسلام من طريق رافع بن خديج أنه قال "أسفروا بالصبح فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر" وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال وقد سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لأول ميقاتها" وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي الصبح فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس" وظاهر الحديث أنه كان عمله في الأغلب، فمن قال إن حديث رافع خاص وقوله "الصلاة لأول ميقاتها" عام، والمشهور أن الخاص يقضي عن العام إذا هو استثنى من هذا العموم صلاة الصبح وجعل حديث عائشة محمولا على الجواز، وأنه إنما تضمن الإخبار بوقوع ذلك منه لا بأنه كان ذلك غالب أحواله صلى الله عليه وسلم قال: الإسفار أفضل من التغليس. ومن رجح حديث العموم لموافقة حديث عائشة له، ولأنه نص في ذلك أو ظاهر، وحديث رافع بن خديج محتمل، لأنه يمكن أن يريد بذلك تبين الفجر وتحققه، فلا يكون بينه وبين حديث عائشة ولا العموم الوارد في ذلك تعارض قال: أفضل الوقت أوله. وأما من ذهب إلى أن آخر وقتها الإسفار فإنه تأول الحديث في ذلك أنه لأهل الضرورات: أعني قوله عليه الصلاة والسلام "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" وهذا شبيه بما فعله الجمهور في العصر. والعجب أنهم عدلوا عن ذلك في هذا ووافقوا أهل الظاهر، ولذلك لأهل الظاهر أن يطالبوهم بالفرق بين ذلك.

@-القسم الثاني من الفصل الأول من الباب الأول.

فأما أوقات الضرورة والعذر فأثبتها كما قلنا فقهاء الأمصار ونفاها أهل الظاهر، وقد تقدم سبب اختلافهم في ذلك. واختلف هؤلاء الذين أثبتوها في ثلاثة مواضع: أحدها لأي الصلوات توجد هذه الأوقات ولأيها لا؟ والثاني في حدود هذه الأوقات. والثالث في من هم أهل العذر الذين رخص لهم في هذه الأوقات وفي أحكامهم في ذلك: أعني من وجوب الصلاة ومن سقوطها.

@-(المسألة الأولى) اتفق مالك والشافعي على أن هذا الوقت هو لأربع صلوات: للظهر والعصر مشتركا بينهما، والمغرب والعشاء كذلك، وإنما اختلفوا في جهة اشتراكهما على ما سيأتي بعد، وخالفهم أبو حنيفة فقال: إن هذا الوقت إنما هو للعصر فقط، وأنه ليس ههنا وقت مشترك. وسبب اختلافهم في ذلك هو اختلافهم في جواز الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما على ما سيأتي بعد، فمن تمسك بالنص الوارد في صلاة العصر أعني الثابت من قوله عليه الصلاة والسلام "من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل مغيب الشمس فقد أدرك العصر" وفهم من هذا الرخصة، ولم يجز الاشتراك في الجمع لقوله عليه الصلاة والسلام "لا يفوت وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى" ولما سنذكره بعد في باب الجمع من حجج الفريقين قال: إنه لا يكون هذا الوقت إلا لصلاة العصر فقط. ومن أجاز الاشتراك في الجمع في السفر قاس عليه أهل الضرورات، لأن المسافر أيضا صاحب ضرورة وعذر، فجعل هذا الوقت مشتركا للظهر والعصر والمغرب والعشاء.

@-(المسألة الثانية) اختلف مالك والشافعي في آخر الوقت المشترك لهما، فقال مالك: هو للظهر والعصر من بعد الزوال، بمقدار أربع ركعات للظهر للحاضر وركعتين للمسافر، إلى أن يبقى للنهار مقدار أربع ركعات للحاضر وركعتين للمسافر فجعل الوقت الخاص للظهر إنما هو مقدار أربع ركعات للحاضر بعد الزوال، وإما ركعتان للمسافر، وجعل الوقت الخاص بالعصر إما أربع ركعات قبل المغيب للحاضر وإما ثنتان للمسافر: أعني أنه من أدرك الوقت الخاص فقط لم تلزمه إلا الصلاة الخاصة بذلك الوقت إن كان ممن لم تلزمه الصلاة قبل ذلك الوقت، ومن أدرك أكثر من ذلك أدرك الصلاتين معا أو حكم ذلك الوقت وجعل آخر الوقت الخاص لصلاة العصر مقدار ركعة قبل الغروب، وكذلك فعل في اشتراك المغرب والعشاء، إلا أن الوقت الخاص مرة جعله للمغرب فقال: هو مقدار ثلاث ركعات قبل أن يطلع الفجر، ومرة جعله للصلاة الأخيرة كما فعل في العصر فقال هو مقدار أربع ركعات وهو القياس، وجعل آخر هذا الوقت مقدار ركعة قبل طلوع الفجر. وأما الشافعي فجعل حدود أواخر هذه الأوقات المشتركة حدا واحدا وهو إدراك ركعة قبل غروب الشمس، وذلك للظهر والعصر معا، ومقدار ركعة أيضا قبل انصداع الفجر وذلك للمغرب والعشاء معا، وقد قيل عنه بمقدار تكبيرة: أعني أنه من أدرك تكبيرة قبل غروب الشمس فقد لزمته صلاة الظهر والعصر معا. وأما أبو حنيفة فوافق مالكا في أن آخر وقت العصر مقدار ركعة لأهل الضرورات عنده قبل الغروب ولم يوافق في الاشتراك والاختصاص. وسبب اختلافهم أعني مالكا والشافعي هل القول باشتراك الوقت للصلاتين معا يقتضي أن لهما وقتين: وقت خاص بهما ووقت مشترك؟ أم إنما يقتضي أن لهما وقتا مشتركا فقط؟ وحجة الشافعي أن الجمع إنما دل على الاشتراك فقط لا على وقت خاص. وأما مالك فقاس الاشتراك عنده في وقت الضرورة على الاشتراك عنده في وقت التوسعة: أعني أنه لما كان لوقت الظهر والعصر الموسع وقتان، وقت مشترك ووقت خاص، وجب أن يكون الأمر كذلك في أوقات الضرورة، والشافعي لا يوافقه على اشتراك الظهر والعصر في وقت التوسعة، فخلافهما في هذه المسألة إنما ينبني والله أعلم على اختلافهم في تلك الأولى فتأمله، فإنه بين والله أعلم.

@-(المسألة الثالثة) وأما هذه الأوقات: أعني أوقات الضرورة، فاتفقوا على أنها لأربع: للحائض تطهر في هذه الأوقات أو تحيض في هذه الأوقات وهي لم تصل، والمسافر يذكر الصلاة في هذه الأوقات وهو حاضر، أو الحاضر يذكرها فيها وهو مسافر، والصبي يبلغ فيها، والكافر يسلم. واختلفوا في المغمي عليه فقال مالك والشافعي: هو كالحائض من أهل هذه الأوقات لأنه لا يقضي عندهم الصلاة التي ذهب وقتها. وعند أبي حنيفة أنه يقضي الصلاة فيما دون الخمس، فإذا أفاق عنده من إغمائه متى ما أفاق قضى الصلاة. وعند الآخر أنه إذا أفاق في أوقات الضرورة لزمته الصلاة التي أفاق في وقتها، وإذا لم يفق فيها لم تلزمه الصلاة، وستأتي مسألة المغمى عليه فيما بعد، واتفقوا على أن المرأة إذا طهرت في هذه الأوقات إنما تجب عليها الصلاة التي طهرت في وقتها، فإن طهرت عند مالك وقد بقي من النهار أربع ركعات لغروب الشمس إلى ركعة فالعصر فقط لازمة لها وإن بقي خمس ركعات فالصلاتان معا. وعند الشافعي إن بقي ركعة للغروب فالصلاتان معا كما قلنا، أو تكبيرة على القول الثاني له، وكذلك الأمر عند مالك في المسافر الناسي يحضر في هذه الأوقات، أو الحاضر يسافر، وكذلك الكافر يسلم في هذه الأوقات: أعني أنه تلزمهم الصلاة، وكذلك الصبي يبلغ، والسبب في أن جعل مالك الركعة جزءا لآخر الوقت، وجعل الشافعي جزء الركعة حدا مثل التكبيرة. منها أن قوله عليه الصلاة والسلام "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" وهو عند مالك من باب التنبيه بالأقل على الأكثر، وعند الشافعي من باب التنبيه بالأكثر على الأقل، وأيد هذا بما روي "من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" فإنه فهم من السجدة ههنا جزء من الركعة وذلك على قوله الذي قال فيه: من أدرك منهم تكبيرة قبل الغروب أو الطلوع فقد أدرك الوقت. ومالك يرى أن الحائض إنما تعتد بهذا الوقت بعد الفراغ من طهرها، وكذلك الصبي يبلغ. وأما الكافر يسلم فيعتد له بوقت الإسلام دون الفراغ من الطهر وفيه خلاف. والمغمى عليه عند مالك كالحائض، وعند عبد الملك كالكافر يسلم. ومالك يرى أن الحائض إذا حاضت في هذه الأوقات وهي لم تصل بعد أن القضاء ساقط عنها، والشافعي يرى أن القضاء واجب عليها، وهو لازم لمن يرى أن الصلاة تجب بدخول أول الوقت، لأنها إذا حاضت وقد مضى من الوقت ما يمكن أن تقع فيه الصلاة فقد وجبت عليها الصلاة، إلا أن يقال إن الصلاة إنما تجب بآخر الوقت، وهو مذهب أبي حنيفة لا مذهب مالك، فهذا كما ترى لازم لقول أبي حنيفة أعني جاريا على أصوله لا على أصول قول مالك.

*4*الفصل الثاني من الباب الأول في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.

@-وهذه الأوقات اختلف العلماء منها في موضعين: أحدهما في عددها، والثاني في الصلوات التي يتعلق النهي عن فعلها فيها.

@-(المسألة الأولى) اتفق العلماء على أن ثلاثة من الأوقات منهي عن الصلاة فيها وهي: وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ومن لَدُن تصلي صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. واختلفوا في وقتين: في وقت الزوال وفي الصلاة بعد العصر؛ فذهب مالك وأصحابه إلى أن الأوقات المنهي عنها هي أربعة: الطلوع، والغروب، وبعد الصبح، وبعد العصر، وأجاز الصلاة عند الزوال. وذهب الشافعي إلى أن هذه الأوقات خمسة كلها منهي عنها إلا وقت الزوال يوم الجمعة فإنه أجاز فيه الصلاة. واستثنى قوم من ذلك الصلاة بعد العصر. وسبب الخلاف في ذلك أحد شيئين: إما معارضة أثر لأثر، وإما معارضة الأثر للعمل عند من راعى العمل: أعني عمل أهل المدينة، وهو مالك بن أنس، فحيث ورد النهي ولم يكن هناك معارض لا من قول ولا من عمل اتفقوا عليه، وحيث ورد المعارض اختلفوا. أما اختلافهم في وقت الزوال فلمعارضة العمل فيه للأثر، وذلك أنه ثبت من حديث عقبة بن عامر الجهني أنه قال "ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب" خرجه مسلم، وحديث أبو عبد الله الصنابحي في معناه، ولكنه منقطع، خرجه مالك في موطئه. فمن الناس من ذهب إلى منع الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة كلها. ومن الناس من استثنى من ذلك وقت الزوال، إما بإطلاق وهو مالك، وإما في يوم الجمعة فقط وهو الشافعي. وأما مالك فلأن العمل عنده بالمدينة لما وجده على الوقتين فقط ولم يجده على الوقت الثالث: أعني الزوال أباح الصلاة فيه، وأعتقد أن ذلك النهي منسوخ بالعمل. وأما من لم ير للعمل تأثيرا فبقي على أصله في المنع، وقد تكلمنا في العمل وقوته في كتابنا في الكلام الفقهي، وهو الذي يدعى بأصول الفقه. وأما الشافعي فلما صح عنده ما روى ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، ومعلوم أن خروج عمر كان بعد الزوال على ما صح ذلك من حديث الطنفسة التي كانت تطرح إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب مع ما رواه أيضا عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة" استثنى من ذلك النهي يوم الجمعة، وقوي هذا الأثر عنده العمل في أيام عمر بذلك وإن كان الأثر عنده ضعيفا. وأما من رجح الأثر الثابت في ذلك فبقي على أصله في النهي. وأما اختلافهم في الصلاة بعد صلاة العصر فسببه تعارض الآثار الثابتة في ذلك، وذلك أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما حديث أبي هريرة المتفق على صحته "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس". والثاني حديث عائشة قالت "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتين في بيتي قط سرا ولا علانية: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر" فمن رجح حديث أبي هريرة قال بالمنع، ومن رجح حديث عائشة أو رآه ناسخا لأنه العمل الذي مات عليه صلى الله عليه وسلم قال بالجواز، وحديث أم سلمة يعارض حديث عائشة، وفيه "أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين بعد العصر، فسألته عن ذلك فقال: إنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر وهما هاتان".

@-(المسألة الثانية) اختلف العلماء في الصلاة التي لا تجوز في هذه الأوقات فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها لا تجوز في هذه الأوقات صلاة بإطلاق لا فريضة مقضية ولا سنة ولا نافلة إلا عصر يومه، قالوا: فإنه يجوز أن يقضيه عند غروب الشمس إذا نسيه. واتفق مالك والشافعي أنه يقضي الصلوات المفروضة في هذه الأوقات. وذهب الشافعي إلى أن الصلوات التي لا تجوز في هذه الأوقات هي النوافل فقط التي تفعل لغير سبب، وأن السنن مثل صلاة الجنازة تجوز في هذه الأوقات، ووافقه مالك في ذلك بعد العصر وبعد الصبح: أعني في السنن، وخالفه في التي تفعل لسبب مثل ركعتي المسجد، فإن الشافعي يجيز هاتين الركعتين بعد العصر وبعد الصبح، ولا يجيز ذلك مالك، واختلف قول مالك في جواز السنن عند الطلوع والغروب. وقال الثوري في الصلوات التي لا تجوز في هذه الأوقات هي ما عدا الفرض ولم يفرق سنة من نفل، فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال: قول هي الصلوات بإطلاق. وقول إنها ما عدا الفروض سواء كانت سنة أو نفلا. وقول إنها النفل دون السنن. وعلى الرواية التي منع مالك فيها صلاة الجنائز عند الغروب قول رابع، وهو أنها النفل فقط بعد الصبح والعصر والنفل والسنن معا عند الطلوع والغروب. وسبب الخلاف في ذلك اختلافهم في الجمع بين العمومات المتعارضة في ذلك أعني الواردة في السنة، وأي يخص بأي، وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام "إذا نسي أحدكم الصلاة فليصلها إذا ذكرها" يقتضي استغراق جميع الأوقات، وقوله في أحاديث النهي في هذه الأوقات "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها" يقتضي أيضا عموم أجناس الصلوات المفروضات والسنن والنوافل، فمتى حملنا الحديثين على العموم في ذلك وقع بينهما تعارض هو من جنس التعارض الذي يقع بين العام والخاص، إما في الزمان، وإما في اسم الصلاة. فمن ذهب إلى الاستثناء في الزمان: أعني الاستثناء الخاص من العام منع الصلوات بإطلاق في تلك الساعات، ومن ذهب إلى استثناء الصلاة المفروضة المنصوص عليها بالقضاء من عموم اسم الصلاة المنهي عنها منع ما عدا الفرض في تلك الأوقات، وقد رجح مالك مذهبه من استثناء الصلوات المفروضة من عموم لفظ الصلاة بما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" ولذلك استثنى الكوفيون عصر اليوم من الصلوات المفروضة، لكن قد كان يجب عليهم أن يستثنوا من ذلك صلاة الصبح أيضا للنص الوارد فيها، ولا يردوا ذلك برأيهم من أن المدرك لركعة قبل الطلوع يخرج للوقت المحظور، والمدرك لركعة قبل الغروب يخرج للوقت المباح. وأما الكوفيون فلهم أن يقولوا إن هذا الحديث ليس يدل على استثناء الصلوات المفروضة من عموم اسم الصلاة التي تعلق النهي بها في تلك الأيام لأن عصر اليوم ليس في معنى سائر الصلوات المفروضة، وكذلك كان لهم أن يقولوا في الصبح لو سلموا أنه يقضى في الوقت المنهي عنه، فإذا الخلاف بينهم آيل إلى أن المستثنى الذي ورد به اللفظ هل هو من باب الخاص أريد به الخاص أم من باب الخاص أريد به العام؟ وذلك أن من رأى أن المفهوم من ذلك هي صلاة العصر والصبح فقط المنصوص عليهما فهو عنده من باب الخاص أريد به الخاص، ومن رأى أن المفهوم من ذلك ليس هو صلاة العصر فقط ولا الصبح بل هي جميع الصلاة المفروضة، فهو عنده من باب الخاص أريد به العام، وإذا كان ذلك كذلك فليس ها هنا دليل قاطع على أن الصلوات المفروضة هي المستثناة من اسم الصلاة الفائتة، كما أنه ليس ههنا دليل أصلا لا قاطع ولا غير قاطع على استثناء الزمان الخاص الوارد في أحاديث النهي من الزمان العام الوارد في أحاديث الأمر دون استثناء الصلاة الخاصة المنطوق بها في أحاديث الأمر من الصلاة العامة المنطوق بها في أحاديث النهي، وهذا بين، فإنه إذا تعارض حديثان في كل واحد منهما عام وخاص لم يجب أن يصار إلى تغليب أحدهما إلا بدليل: أعني استثناء خاص هذا من عام ذاك أو خاص ذاك من عام هذا، وذلك بين والله أعلم.

*3*الباب الثاني في معرفة الأذان والإقامة.

@-هذا الباب ينقسم أيضا إلى فصلين: الأول في الأذان. والثاني في الإقامة.

*4*الفصل الأول.

@-هذا الفصل ينحصر الكلام فيه في خمسة أقسام: الأول: صفته. الثاني: في حكمه. الثالث: في وقته. الرابع: في شروطه. الخامس: فيما يقوله السامع له.

@-القسم الأول من الفصل الأول من الباب الثاني في صفة الأذان.

اختلف العلماء في الأذان على أربع صفات مشهورة: إحداها تثنية التكبير فيه وتربيع الشهادتين وباقيه مثنى، وهو مذهب أهل المدينة مالك وغيره، واختار المتأخرون من أصحاب مالك الترجيع، وهو أن يثني الشهادتين أولا خفيا ثم يثنيهما مرة ثانية مرفوع الصوت. والصفة الثانية أذان المكيين، وبه قال الشافعي، وهو تربيع التكبير الأول والشهادتين وتثنية باقي الأذان، والصفة الثالثة أذان الكوفيين، وهو تربيع التكبير الأول وتثنية باقي الأذان، وبه قال أبو حنيفة. والصفة الرابعة أذان البصريين وهو تربيع التكبير الأول وتثليث الشهادتين وحي على الصلاة وحي على الفلاح، ويبدأ بأشهد أن لا إله إلا الله حتى يصل إلى حي على الفلاح، ثم يعيد كذلك مرة ثانية: أعني الأربع كلمات تبعا، ثم يعيدهن ثالثة، وبه قال الحسن البصري وابن سيرين. والسبب في اختلاف كل واحد من هؤلاء الأربع فرق اختلاف الآثار في ذلك واختلاف اتصال العمل عند كل واحد منهم، وذلك أن المدنيين يحتجون لمذهبهم بالعمل المتصل بذلك في المدينة، والمكيون كذلك أيضا يحتجون بالعمل المتصل عندهم بذلك وكذلك الكوفيون والبصريون ولكل واحد منهم آثار تشهد لقوله. أما تثنية التكبير في أوله على مذهب أهل الحجاز فروي من طرق صحاح عن أبي محذورة وعبد الله بن زيد الأنصاري، وتربيعه أيضا مروي عن أبي محذورة من طرق أخر وعن عبد الله بن زيد. قال الشافعي: وهي زيادات يجب قبولها مع اتصال العمل بذلك بمكة. وأما الترجيع الذي اختاره المتأخرون من أصحاب مالك فروي من طريق أبي قدامة: قال أبو عمر: وأبو قدامة عندهم ضعيف. وأما الكوفيون فبحديث أبي ليلى وفيه "أن عبد الله بن زيد رأى في المنام رجلا قام على خرم حائط وعليه بردان أخضران، فأذن مثنى وأقام مثنى وأنه أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بلال فأذن مثنى وأقام مثنى" والذي خرجه البخاري في هذا الباب إنما هو من حديث أنس فقط وهو "أن بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا قد قامت الصلاة، فإنه يثنيها" وخرج مسلم عن أبي محذورة على صفة أذان الحجازين ولمكان هذا التعارض الذي ورد في الأذان رأى أحمد بن حنبل وداود أن هذه الصفات المختلفة إنما وردت على التخيير لا على إيجاب واحدة منها، وأن الإنسان مخير فيها، واختلفوا في قول المؤذن في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم هل يقال فيها أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يقال ذلك فيها. وقال آخرون: إنه لا يقال لأنه ليس من الأذان المسنون، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم اختلافهم هل قيل ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو إنما قيل في زمان عمر؟.

@-القسم الثاني من الفصل الأول من الباب الثاني.

اختلف العلماء في حكم الأذان هل هو واحب أو سنة مؤكدة، وإن كان واجبا فهل هو من فروض الأعيان أو من فروض الكفاية؟ فقيل عن مالك إن الأذان هو فرض على مساجد الجماعات، وقيل سنة مؤكدة، ولم يره على المنفرد لا فرضا ولا سنة. وقال بعض أهل الظاهر هو واجب على الأعيان. وقال بعضهم: على الجماعة كانت في سفر أو في حضر. وقال بعضهم: في السفر. واتفق الشافعي وأبو حنيفة على أنه سنة للمنفرد والجماعة إلا أنه آكد في حق الجماعة. قال أبو عمر: واتفق الكل على أنه سنة مؤكدة أو فرض على المصري لما ثبت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع النداء لم يغر، وإذا لم يسمعه أغار". والسبب في اختلافهم معارضة المفهوم من ذلك لظواهر الآثار، وذلك أنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولصاحبه "إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما" وكذلك ما روي من اتصال عمله به صلى الله عليه وسلم في الجماعة، فمن فهم من هذا الوجوب مطلقا قال إنه فرض على الأعيان أو على الجماعة، وهو الذي حكاه ابن المغلس عن داود، ومن فهم منه الدعاء إلى الاجتماع للصلاة قال إنه سنة المساجد أو فرض في المواضع التي يجتمع إليها الجماعة. فسبب الخلاف هو تردده بين أن يكون قولا من أقاويل الصلاة المختصة بها أو يكون المقصود به هو الاجتماع.

@-القسم الثالث من الفصل الأول في وقته.

وأما وقت الأذان فاتفق الجميع على أنه لا يؤذن للصلاة قبل وقتها، ما عدا الصبح فإنه اختلفوا فيها، فذهب مالك والشافعي إلى أنه يجوز أن يؤذن لها قبل الفجر، ومنع ذلك أبو حنيفة، وقال قوم: لا بد للصبح إذا أذن لها قبل الفجر من أذان بعد الفجر، لأن الواجب عندهم هو الأذان بعد الفجر. وقال أبو محمد بن حزم: لا بد لها من أذان بعد الوقت، وإن أذن قبل الوقت جاز إذا كان بينهما زمان يسير قدر ما يهبط الأول ويصعد الثاني. والسبب في اختلافهم أنه ورد في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما الحديث المشهور الثابت، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، وكان ابن مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت. والثاني ما روي عن ابن عمر "أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد قد نام" وحديث الحجازين أثبت، وحديث الكوفيين أيضا خرجه أبو داود وصححه كثير من أهل العلم، فذهب الناس في هذين الحديثين إما مذهب الجمع، وإما مذهب الترجيح، فأما من ذهب مذهب الترجيح فالحجازيون، فإنهم قالوا: حديث بلال أثبت والمصير إليه أوجب. وأما من ذهب مذهب الجمع فالكوفيون، وذلك أنهم قالوا: يحتمل أن يكون نداء بلال في وقت يشك فيه في طلوع الفجر، لأنه كان في بصره ضعف، ويكون نداء ابن أم مكتوم في وقت يتيقن فيه طلوع الفجر، ويدل على ذلك ما روي عن عائشة أنها قالت "لم يكن بين أذانيهما إلا بقدر ما يهبط هذا ويصعد هذا" وأما من قال إنه يجمع بينهما: أعني أن يؤذن قبل الفجر وبعده فعلى ظاهر ماروي من ذلك في صلاة الصبح خاصة أعني أنه كان يؤذن لها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم.

@-القسم الرابع من الفصل الأول من الشروط.

وفي هذا القسم مسائل ثمانية: إحداها هل من شروط من أذن أن يكون هو الذي يقيم أم لا؟ والثانية هل من شرط الأذان أن لا يتكلم في أثنائه أم لا؟ والثالثة هل من شرطه أن يكون على طهارة أم لا؟ والرابعة هل من شرطه أن يكون متوجها إلى القبلة أم لا؟ والخامسة هل من شرطه أن يكون قائما أم لا؟ والسادسة هل يكره أذان الراكب أم ليس يكره؟ والسابعة هل من شرطه البلوغ أم لا؟ والثامنة هل من شرطه أن لا يأخذ على الأذان أجرا أم يجوز له أن يأخذه؟. فأما اختلافهم في الرجلين يؤذن أحدهما ويقيم الآخر، فأكثر فقهاء الأمصار على إجازة ذلك، وذهب بعضهم إلى أن ذلك لا يجوز، والسبب في ذلك أنه ورد في هذا حديثان متعارضان: أحدهما حديث الصدائي قال "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان أوان الصبح أمرني فأذنت ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال ليقيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم". والحديث الثاني ما روي أن عبد الله بن زيد حين أري الأذان رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن، ثم أمر عبد الله فأقام. فمن ذهب مذهب النسخ قال: حديث عبد الله بن زيد متقدم وحديث الصدائي متأخر. ومن ذهب مذهب الترجيح قال: حديث عبد الله بن زيد أثبت، لأن حديث الصدائي انفرد به عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وليس بحجة عندهم. وأما اختلافهم في الأجرة على الأذان فلمكان اختلافهم في تصحيح الخبر الوارد في ذلك: أعني حديث عثمان بن أبي العاص أنه قال "إن من آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا" ومن منعه قاس الأذان في ذلك على الصلاة. وأما سائر الشروط الأخر فسبب الخلاف فيها هو قياسها على الصلاة، فمن قاسها على الصلاة أوجب تلك الشروط الموجودة في الصلاة، ومن لم يقسها لم يوجب ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر: قد روينا عن أبي وائل بن حجر قال: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو قائم، ولا يؤذن إلا على طهر، قال: وأبو وائل هو من الصحابة، وقوله سنة يدخل في المسند وهو أولى من القياس. قال القاضي: وقد خرج الترمذي عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال "لا يؤذن إلا متوضئ".

@-القسم الخامس.

اختلف العلماء فيما يقوله السامع للمؤذن، فذهب قوم إلى أنه يقول ما يقول المؤذن كلمة بكلمة إلى آخر النداء، وذهب آخرون إلى أنه يقول مثل ما يقول المؤذن إلا إذا قال حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. والسبب في الاختلاف في ذلك تعارض الآثار، وذلك أنه قد روي من حديث أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" وجاء من طريق عمر بن الخطاب وحديث معاوية أن السامع يقول عند حي على الفلاح لا حول ولا قوة إلا بالله. فمن ذهب مذهب الترجيح أخذ بعموم حديث أبي سعيد الخدري، ومن بنى العام في ذلك على الخاص جمع بين الحديثين، وهو مذهب مالك بن أنس.

*4*الفصل الثاني من الباب الثاني من الجملة الثانية في الإقامة.

@-اختلفوا في الإقامة في موضعين في حكمها وفي صفتها. أما حكمها فإنها عند فقهاء الأمصار في حق الأعيان، والجماعات سنة مؤكدة أكثر من الأذان، وهي عند أهل الظاهر فرض ولا أدري هل هي فرض عندهم على الإطلاق أو فرض من فروض الصلاة؟ والفرق بينهما أن على القول الأول لا تبطل الصلاة بتركها. وعلى الثاني تبطل. وقال ابن كنانة من أصحاب مالك: من تركها عامدا بطلت صلاته. وسبب هذا الاختلاف اختلافهم هل هي من الأفعال التي وردت بيانا لمجمل الأمر بالصلاة فيحمل على الوجوب لقوله عليه الصلاة والسلام "صلوا كما رأيتموني أصلي" أم هي من الأفعال التي تحمل على الندب؟ وظاهر حديث مالك بن الحويرث يوجب كونها فرضا إما في الجماعة وإما على المنفرد. وأما صفة الإقامة فإنها عند مالك والشافعي. إما التكبير الذي في أولها فمثنى. وأما ما بعد ذلك فمرة واحدة إلا قوله قد قامت الصلاة، فإنها عند مالك مرة واحدة، وعند الشافعي مرتين. وأما الحنفية فإن الإقامة عندهم مثنى مثنى، وخير أحمد بن حنبل بين الإفراد والتثنية على رأيه في التخيير في النداء. وسبب الاختلاف تعارض حديث أنس في هذا المعنى وحديث أبي ليلى المتقدم، وذلك أن في حديث أنس الثابت أمر بلال أن يشفع الأذان ويفرد الإقامة إلا قد قامت الصلاة. وفي حديث أبي ليلى أنه عليه الصلاة والسلام أمر بلالا فأذن مثنى وأقام مثنى. والجمهور أنه ليس على النساء أذان ولا إقامة. وقال مالك: إن أقمن فحسن، وقال الشافعي: إن أذن وأقمن فحسن، وقال إسحاق: إن عليهن الأذان والإقامة. وروي عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم فيما ذكره ابن المنذر، والخلاف آيل إلى هل تؤم المرأة أو لا تؤم؟ وقيل الأصل أنها في معنى الرجل في كل عبادة، إلا أن يقوم الدليل على تخصيصها، أم في بعضها هي كذلك وفي بعضها يطلب الدليل؟.

*3*الباب الثالث من الجملة الثانية في القبلة.

@-اتفق المسلمون على أن التوجه نحو البيت شرط من شروط صحة الصلاة لقوله تعالى {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} أما إذا أبصر البيت، فالفرض عندهم هو التوجه إلى عين البيت، ولا خلاف في ذلك. وأما إذا غابت الكعبة عن الأبصار فاختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما هل الفرض هو العين أو الجهة؟ والثاني هل فرضه الإصابة أو الاجتهاد: أعني إصابة الجهة أو العين عند من أوجب العين؟ فذهب قوم إلى أن الفرض هو العين، وذهب آخرون إلى أنه الجهة. والسبب في اختلافهم هل في قوله تعالى {فول وجهك شطر المسجد الحرام} محذوف حتى يكون تقديره: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام أم ليس ههنا محذوف أصلا وأن الكلام على حقيقته؟ فمن قدر هنالك محذوفا قال: الفرض الجهة، ومن لم يقدر هنالك محذوفا قال: الفرض العين، والواجب حمل الكلام على الحقيقة حتى يدل الدليل على حمله على المجاز، وقد يقال إن الدليل على تقدير هذا المحذوف قوله عليه الصلاة والسلام "ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجه نحو البيت" قالوا: واتفاق المسلمين على الصف الطويل خارج الكعبة يدل على أن الفرض ليس هو العين أعني إذا لم تكن الكعبة مبصرة. والذي أوله إنه لو كان واجبا قصد العين لكان حرجا، قد قال تعالى {وما جعل عليكم في الدين من حرج} فإن إصابة العين شيء لا يدرك إلا بتقريب وتسامح بطريق الهندسة واستعمال الأرصاد في ذلك، فكيف بغير ذلك من طرق الاجتهاد ونحن لم نكلف الاجتهاد فيه بطريق الهندسة المبني على الأرصاد المستنبط منها طول البلاد وعرضها.

@-(وأما المسألة الثانية) فهي هل فرض المجتهد في القبلة الإصابة أو الاجتهاد فقط حتى يكون إذا قلنا إن فرضه الإصابة متى تبين له أنه أخطأ أعاد الصلاة. ومتى قلنا إن فرضه الاجتهاد لم يجب أن يعيد إذا تبين له الخطأ، وقد كان صلى قبل اجتهاده. أما الشافعي فزعم أن فرضه الإصابة وأنه إذا تبين له أنه أخطأ أعاد أبدا. وقال قوم: لا يعيد وقد مضت صلاته ما لم يتعمد أو صلى بغير اجتهاد، وبه قال مالك وأبو حنيفة، إلا أن مالكا استحب له الإعادة في الوقت. وسبب الخلاف في ذلك معارضة الأثر للقياس مع الاختلاف أيضا في تصحيح الأثر الوارد في ذلك. أما القياس فهو تشبيه الجهة بالوقت: أعني بوقت الصلاة، وذلك أنهم أجمعوا على أن الفرض فيه هو الإصابة، وأنه إن انكشف للمكلف أنه صلى قبل الوقت أعاد أبدا إلا خلافا شاذا في ذلك عن ابن عباس وعن الشعبي، وما روي عن مالك من أن المسافر إذا جهل فصلى العشاء قبل غيبوية الشفق ثم انكشف له أنه صلاها قبل غيبوبة الشفق أنه قد مضت صلاته، ووجه الشبه بينهما أن هذا ميقات وقت، وهذا ميقات جهة. وأما الأثر فحديث عامر بن ربيعة قال "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء في سفر، فخفيت علينا القبلة، فصلى كل واحد منا إلى وجه وعلَّمنا، فلما أصبحنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مضت صلاتكم، ونزلت {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} وعلى هذا فتكون هذه الآية محكمة، وتكون فيمن صلى فانكشف له أنه صلى لغير القبلة، والجمهور على أنها منسوخة بقوله تعالى {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} فمن لم يصح عنده هذا الأثر قاس ميقات الجهة على ميقات الزمان، ومن ذهب مذهب الأثر لم تبطل صلاته. وفي هذا الباب مسألة مشهورة، وهي جواز الصلاة في داخل الكعبة. وقد اختلفوا في ذلك، فمنهم من منعه على الإطلاق، ومنهم من أجازه على الإطلاق، ومنهم من فرق بين النفل في ذلك والفرض. وسبب اختلافهم تعارض الآثار في ذلك، والاحتمال المتطرق لمن استقبل أحد حيطانها من داخل هل يسمى مستقبلا للبيت كما يسمى من استقبله من خارج أم لا؟ أما الأثر فإنه ورد في ذلك حديثان متعارضان كلاهما ثابت: أحدهما حديث ابن عباس قال "لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة" والثاني حديث عبد الله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال بن رباح، فأغلقها عليه ومكث فيها، فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى" فمن ذهب مذهب الترجيح أو النسخ قال إما بمنع الصلاة مطلقا إن رجح حديث ابن عباس، وإما بإجازتها مطلقا إن رجح حديث ابن عمر، ومن ذهب مذهب الجمع بينهما حمل حديث ابن عباس على الفرض وحديث ابن عمر على النفل، والجمع بينهما فيه عسر، فإن الركعتين اللتين صلاهما عليه الصلاة والسلام خارج الكعبة وقال "هذه القبلة" هي نفل، ومن ذهب مذهب سقوط الأثر عند التعارض، فإن كان ممن يقول باستصحاب حكم الإجماع والاتفاق لم يجز الصلاة داخل البيت أصلا، وإن كان ممن لا يرى استصحاب حكم الإجماع عاد النظر في انطلاق اسم المستقبل للبيت على من صلى داخل الكعبة، فمن جوزه أجاز الصلاة، ومن لم يجوزه، وهو الأظهر، لم يجز الصلاة في البيت، واتفق العلماء بأجمعهم على استحباب السترة بين المصلي والقبلة إذا صلى، منفردا كان أو إماما، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل" واختلفوا في الخط إذا لم يجد سترة، فقال الجمهور: ليس عليه أن يخط. وقال أحمد بن حنبل: يخط خطا بين يديه. وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح الأثر الوارد في الخط، والأثر رواه أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يكن فلينصب عصا، فإن لم تكن معه عصا فليخط خطا ولا يضره من مر بين يديه" خرجه أبو داود وكان أحمد بن حنبل يصححه والشافعي لا يصححه وقد روي "أنه صلى الله عليه وسلم صلى لغير سترة" والحديث الثابت أنه كان يخرج له العنزة، فهذه جملة قواعد هذا الباب وهي أربع مسائل.

*3*الباب الرابع من الجملة الثانية.

@-وهذا الباب ينقسم إلى فصلين: أحدهما في ستر العورة والثاني فيما يجزئ من اللباس في الصلاة.

*4*الفصل الأول.

@-اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة، وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنها من فروض الصلاة وسبب الخلاف في ذلك تعارض الآثار واختلافهم في مفهوم قوله تعالى {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} هل الأمر بذلك على الوجوب أو على الندب؟ فمن حمله على الوجوب قال: المراد به ستر العورة، واحتج لذلك بأن سبب نزول هذه الآية كان أن المرأة كانت تطوف بالبيت عريانة وتقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله

فأنزلت هذه الآية "وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان" ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس التي هي زينة، واحتج لذلك بما جاء في الحديث من أنه كان رجال يصلون مع النبي عليه الصلاة والسلام عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا قالوا: ولذلك من لم يجد ما به يستر عورته لم يختلف في أنه يصلي، واختلف فيمن عدم الطهارة هل يصلي أم لا يصلي؟.

@-(وأما المسألة الثانية) وهي حد العورة من الرجل فذهب مالك والشافعي إلى أن حد العورة منه ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك قال أبو حنيفة وقال قوم: العورة هما السوأتان فقط من الرجل. وسبب الخلاف في ذلك أثران متعارضان كلاهما ثابت: أحدهما حديث جرهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الفخذ عورة". والثاني حديث أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم حسر عن فخذه وهو جالس مع أصحابه" قال البخاري وحديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط، وقد قال بعضهم العورة الدبر والفرج والفخذ.

@-(وأما المسألة الثالثة) وهي حد العورة في المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة ما خلى الوجه والكفين، وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة، وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن وأحمد إلى أن المرأة كلها عورة. وسبب الخلاف في ذلك احتمال قوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} هل هذا المستثنى المقصود منه أعضاء محدودة، أم إنما المقصود به ما لا يملك ظهوره؟ فمن ذهب إلى أن المقصود من ذلك ما لا يملك ظهوره عند الحركة قال: بدنها كله عورة حتى ظهرها، واحتج لذلك بعموم قوله تعالى {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين} الآية، ومن رأى أن المقصود من ذلك ما جرت به العادة بأنه لا يستر وهو الوجه والكفان ذهب إلى أنهما ليسا بعورة واحتج لذلك بأن المرأة ليست تستر وجهها في الحج.

*4*الفصل الثاني من الباب الرابع فيما يجزئ في اللباس في الصلاة.

@-أما اللباس فالأصل فيه قوله تعالى {خذوا زينتكم عند كل مسجد} والنهي الوارد عن هيئات بعض الملابس في الصلاة، وذلك أنهم اتفقوا فيما أحسب على أن الهيئات من اللباس التي نهي عن الصلاة فيها مثل اشتمال الصماء، وهو أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء، وسائر ما ورد من ذلك أن ذلك كله سد ذريعة ألا تنكشف عورته، ولا أعلم أن أحدا قال لا تجوز صلاة على إحدى هذه الهيئات إن لم تنكشف عورته، وقد كان على أصول أهل الظاهر يجب ذلك واتفقوا على أنه يجزئ الرجل من اللباس في الصلاة الثوب الواحد لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال "أو لكلكم ثوبان؟" واختلفوا في الرجل يصلي مكشوف الظهر والبطن، فالجمهور على جواز صلاته لكون الظهر والبطن من الرجل ليسا بعورة، وشذ قوم فقالوا: لا تجوز صلاته لنهيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، وتمسك بوجوب قوله تعالى {خذوا زينتكم عند كل مسجد} واتفق الجمهور على أن اللباس المجزئ للمرأة في الصلاة هو درع وخمار، لما روي عن أم سلمة "أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا تصلي فيه المرأة؟ فقال: في الخمار والدرع السابغ إذا غيبت ظهور قدميها" ولما روي أيضا عن عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" وهو مروي عن عائشة وميمونة وأم سلمة أنهم كانوا يفتون بذلك وكل هؤلاء يقولون إنها إن صلت مكشوفة أعادت في الوقت وبعده، إلا مالكا فإنه قال: إنها تعيد في الوقت فقط. والجمهور على أن الخادم لها أن تصلي مكشوفة الرأس والقدمين، وكان الحسن البصري يوجب عليها الخمار واستحبه عطاء. وسبب الخلاف الخطاب المتوجه إلى الجنس الواحد هل يتناول الأحرار والعبيد معا أم الأحرار فقط دون العبيد؟ واختلفوا في صلاة الرجل في الثوب الحرير فقال قوم: تجوز صلاته فيه. وقال قوم: لا تجوز. وقوم استحبوا له الإعادة في الوقت. وسبب اختلافهم في ذلك هل الشيء المنهي عنه مطلقا اجتنابه شرط في صحة الصلاة أم لا؟ فمن ذهب إلى أنه شرط: قال إن الصلاة لا تجوز به، ومن ذهب إلى أنه يكون بلباسه مأثوما والصلاة جائزة قال: ليس شرطا في صحة الصلاة كالطهارة التي هي شرط، وهذه المسألة هي من نوع الصلاة في الدار المغصوبة والخلاف فيها مشهور.

*3*الباب الخامس.

@-وأما الطهارة من النجس فمن قال إنها سنة مؤكدة فيبعد أن يقول إنها فرض في الصلاة أي من شروط صحتها. ومن قال إنها فرض بإطلاق فيجوز أن يقول إنها فرض في الصلاة، ويجوز أن لا يقول ذلك؛ وحكى عبد الوهاب عن المذهب في ذلك قولين: أحدهما إن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة في حال القدرة والذكر، والقول الآخر إنها ليست شرطا. والذي حكاه من أنها شرط لا يتخرج على مشهور المذهب من أن غسل النجاسة سنة مؤكدة، وإنما يتخرج على القول بأنها فرض مع الذكر والقدرة، وقد مضت هذه المسألة في كتاب الطهارة، وعرف هنالك أسباب الخلاف فيها، وإنما الذي يتعلق به ههنا الكلام من ذلك: هل ما هو فرض مطلق مما يقع في الصلاة يجب أن يكون فرضا في الصلاة أم لا؟ والحق أن الشيء المأمور به على الإطلاق لا يجب أن يكون شرطا في صحة شيء ما (آخر مأمور به، وإن وقع فيه إلا بأمر آخر، وكذلك الأمر في الشيء المنهي عنه على الإطلاق لا يجب أن يكون شرطا في صحة شيء ما) (ما بين القوسين غير موجود بالنسخة المصرية، لكنه مثبت في النسخة الفاسية اهـ) إلا بأمر آخر.

*3*الباب السادس.

@-وأما المواضع التي يصلي فيها، فإن من الناس من أجاز الصلاة في كل موضع لا تكون فيه نجاسة، ومنهم من استثنى من ذلك سبعة مواضع: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله، ومنهم من استثنى من ذلك المقبرة فقط، ومنهم من استثنى المقبرة والحمام، ومنهم من كره الصلاة في هذه المواضع المنهي عنها ولم يبطلها وهو أحد ما روي عن مالك، وقد روي عنه الجواز، وهذه رواية ابن القاسم. وسبب اختلافهم تعارض ظواهر الآثار في هذا الباب، وذلك أن ههنا حديثين متفق على صحتهما وحديثين مختلف فيهما. فأما المتفق عليهما فقوله عليه الصلاة والسلام "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، وذكر فيها: وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأينما أدركتني الصلاة صليت" وقوله عليه الصلاة والسلام "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا" وأما الغير المتفق عليهما فأحدهما ما روي "أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يصلي في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله" خرجه الترمذي. والثاني ما روي أنه قال عليه الصلاة والسلام "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل" فذهب الناس في هذه الأحاديث ثلاثة مذاهب: أحدهما مذهب الترجيح والنسخ، والثاني مذهب البناء: أعني بناء الخاص على العام، والثالث مذهب الجمع. فأما من ذهب مذهب الترجيح والنسخ فأخذ بالحديث المشهور، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" وقال هذا ناسخ لغيره، لأن هذه هي فضائل له عليه الصلاة والسلام ، وذلك مما لا يجوز نسخه. وأما من ذهب مذهب بناء الخاص على العام فقال: حديث الإباحة عام، وحديث النهي خاص، فيجب أن يبني الخاص على العام. فمن هؤلاء من استثنى السبعة مواضع، ومنهم من استثنى الحمام والمقبرة وقال: هذا هو الثابت عنه عليه الصلاة والسلام لأنه قد روي أيضا النهي عنهما مفردين. ومنهم من استثنى المقبرة فقط للحديث المتقدم. وأما من ذهب مذهب الجمع ولم يستثن خاصا من عام فقال أحاديث النهي محمولة على الكراهة، والأول على الجواز. واختلفوا في الصلاة في البيع والكنائس، فكرهها قوم، وأجازها قوم، وفرق قوم بين أن يكون فيها صور أو لا يكون، وهو مذهب ابن عباس لقول عمر: لا تدخل كنائسهم من أجل التماثيل، والعلة فيمن كرهها لا من أجل التصاوير، حملها على النجاسة، واتفقوا على الصلاة على الأرض، واختلفوا في الصلاة على الطنافس وغير ذلك مما يقعد عليه على الأرض، والجمهور على إباحة السجود على الحصير وما يشبهه مما تنبت الأرض، والكراهية بعد ذلك، وهو مذهب مالك بن أنس (لا يخفى ما في هذه العبارة فتدبر).

*3*الباب السابع. في معرفة الشروط التي هي شروط في صحة الصلاة.

@-وأما التروك المشترطة في الصلاة، فاتفق المسلمون على أن منها قولا، ومنها فعلا. فأما الأفعال فجميع الأفعال المباحة التي ليست من أفعال الصلاة، إلا قتل العقرب والحية في الصلاة، فإنهم اختلفوا في ذلك لمعارضة الأثر في ذلك للقياس، واتفقوا فيما أحسب على جواز الفعل الخفيف. وأما الأقوال فهي أيضا الأقوال التي ليست من أقاويل الصلاة، وهذه أيضا لم يختلفوا أنها تفسد الصلاة عمدا لقوله تعالى {وقوموا لله قانتين} ولما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام "إن الله يحدث من أمره ما يشاء" ومما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، وهو حديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم أنه قال "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" وحديث معاوية بن الحكم السلمي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتهليل والتحميد وقراءة القرآن" إلا أنهم اختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما إذا تكلم ساهيا، والآخر إذا تكلم عامدا لإصلاح الصلاة. وشذ الأوزاعي فقال: من تكلم في الصلاة لإحياء نفس أو لأمر كبير، فإنه يبنى. والمشهور من مذهب مالك أن التكلم عمدا على جهة الإصلاح لا يفسدها. وقال الشافعي: يفسدها التكلم كيف كان إلا مع النسيان. وقال أبو حنيفة: يفسدها التكلم كيف كان. والسبب في اختلافهم تعارض ظواهر الأحاديث في ذلك، وذلك أن الأحاديث المتقدمة تقتضي تحريم الكلام على العموم، وحديث أبي هريرة المشهور "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: اقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين أخريين ثم سلم" ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم والناس معه، وأنهم بنوا بعد التكلم، ولم يقطع ذلك التكلم صلاتهم، فمن أخذ بهذا الظاهر، ورأى أن هذا شيء يخص الكلام لإصلاح الصلاة استثنى هذا من ذلك العموم، وهو مذهب مالك بن أنس، ومن ذهب إلى أنه ليس في الحديث دليل على أنهم تكلموا عمدا في الصلاة وإنما يظهر منهم أنهم تكلموا وهم يظنون أن الصلاة قد قصرت، وتكلم النبي عليه الصلاة والسلام وهو يظن أن الصلاة قد تمت، ولم يصح عنده أن الناس قد تكلموا بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قصرت الصلاة وما نسيت" قال: إن المفهوم من الحديث إنما هو إجازة الكلام لغير العامد، فإذا السبب في اختلاف مالك والشافعي في المستثنى من ذلك العموم هو اختلافهم في مفهوم هذا الحديث مع أن الشافعي اعتمد أيضا في ذلك أصلا عاما، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" وأما أبو حنيفة فحمل أحاديث النهي على عمومها، ورأى أنها ناسخة لحديث ذي اليدين وأنه متقدم عليها.

*3*الباب الثامن. في معرفة النية وكيفية اشتراطها في الصلاة.

@-وأما النية فاتفق العلماء على كونها شرطا في صحة الصلاة لكون الصلاة هي رأس العبادات التي وردت في الشرع لغير مصلحة معقولة: أعني من المصالح المحسوسة، واختلفوا هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الإمام في تعيين الصلاة وفي الوجوب حتى لا يجوز أن يصلي المأموم ظهرا بإمام يصلي عصرا؟ ولا يجوز أن يصلي الإمام ظهرا يكون في حقة نفلا، وفي حق المأموم فرضا؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يجب أن توافق نية المأموم نية الإمام، وذهب الشافعي إلى أنه ليس يجب. والسبب في اختلافهم معارضة مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام "إنما جعل الإمام ليؤتم به" لما جاء في حديث معاذ من أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصلي بقومه، فمن رأى ذلك خاصا لمعاذ، وأن عموم قوله عليه الصلاة والسلام "إنما جعل الإمام ليؤتم به" يتناول النية اشترط موافقة الإمام للمأموم. ومن رأى أن الإباحة لمعاذ في ذلك هي إباحة لغيره من سائر المكلفين وهو الأصل قال: لا يخلو الأمر في ذلك الحديث الثاني من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك العموم الذي فيه لا يتناول النية لأن ظاهره إنما هو في الأفعال، فلا يكون بهذا الوجه معارضا لحديث معاذ، وإما أن يكون يتناولها فيكون حديث معاذ قد خصص في ذلك العموم. وفي النية مسائل ليس لها تعلق بالمنطوق به من الشرع رأينا تركها إذ كان غرضنا على القصد الأول إنما هو الكلام في المسائل التي تتعلق بالمنطوق به من الشرع.

*3*(الجملة الثالثة من كتاب الصلاة) وهي معرفة ما تشتمل عليه من الأقوال والأفعال، وهي الأركان والصلوات المفروضة تختلف في هذين بالزيادة والنقصان، إما من قبل الانفراد والجماعة، وإما من قبل الزمان، مثل مخالفة ظهر الجمعة لظهر سائر الأيام، وإما من قبل الحضر والسفر، وإما من قبل الأمن والخوف، وإما من قبل الصحة والمرض، فإذا أريد أن يكون القول في هذه صناعيا وجاريا على نظام فيجب أن يقال أولا فيما تشترك فيه هذه كلها ثم يقال فيما يخص واحدة واحدة منها، أو يقال في واحدة واحدة منها وهو الأسهل وإن كان هذا النوع من التعليم يعرض منه تكرار ما، وهو الذي سلكه الفقهاء ونحن نتبعهم في ذلك، فنجعل هذه الجملة منقسمة إلى ستة أبواب. الباب الأول: في صلاة المنفرد الحاضر الآمن الصحيح. الباب الثاني: في صلاة الجماعة: أعني في أحكام الإمام والمأموم في الصلاة. الباب الثالث: في صلاة الجمعة. الباب الرابع: في صلاة السفر. الباب الخامس: في صلاة الخوف. الباب السادس: في صلاة المريض.

*3*الباب الأول في صلاة المنفرد الحاضر الآمن الصحيح.

@-وهذا الباب فيه فصلان: الفصل الأول: في أقوال الصلاة. والفصل الثاني: في أفعال الصلاة.

*4*الفصل الأول في أقوال الصلاة. وفي هذا الفصل من قواعد المسائل تسع مسائل:

@-(المسألة الأولى) اختلف العلماء في التكبير على ثلاثة مذاهب: فقوم قالوا: إن التكبير كله واجب في الصلاة. وقوم قالوا: إنه كله ليس بواجب وهو شاذ. وقوم أوجبوا تكبيرة الإحرام فقط، وهم الجمهور، وسبب اختلاف من أوجبه كله ومن أوجب منه تكبيرة الإحرام فقط: معارضة ما نقل من قوله لما نقل من فعله عليه الصلاة والسلام، فأما ما نقل من قوله فحديث أبي هريرة المشهور أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للرجل الذي علمه الصلاة "إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ" فمفهوم هذا هو أن التكبيرة الأولى هي الفرض فقط، ولو كان ما عدا ذلك من التكبير فرضا لذكره له كما ذكر سائر فروض الصلاة. وأما ما نقل من فعله فمنها حديث أبي هريرة "أنه كان يصلي فيكبر كلما حفض ورفع، ثم يقول: إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم" ومنها حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير قال "صليت أنا وعمران بن الحصين خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه من الركوع كبر، فلما قضى صلاته وانصرفنا أخذ عمران بيده، فقال: أذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم "فالقائلون بإيجابه تمسكوا بهذا العمل المنقول في هذه الأحاديث وقالوا: الأصل أن تكون كل أفعاله التي أتت بيانا لواجب، محمولة على الوجوب كما قال صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي" و"خذوا عني مناسككم" وقالت الفرقة الأولى ما في هذه الآثار يدل على أن العمل عند الصحابة إنما كان على إتمام التكبير ولذلك كان أبو هريرة يقول: إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عمران: أذكرني هذا بصلاته صلاة محمد صلى الله عليه وسلم. وأما من جعل التكبير كله نفلا فضعيف، ولعله قاسه على سائر الأذكار التي في الصلاة مما ليست بواجب، إذ قاس تكبيرة الإحرام على سائر التكبيرات. قال أبو عمر بن عبد البر: ومما يؤيد مذهب الجمهور ما رواه شعبة بن الحجاج عن الحسن بن عمران عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتم التكبير، وصليت مع عمر بن عبد العزيز فلم يتم التكبير. وما رواه أحمد بن حنبل عن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده، وكأن هؤلاء رأوا أن التكبير إنما هو لمكان إشعار الإمام للمأمومين بقيامه وقعوده، ويشبه أن يكون إلى هذا ذهب من رآه نفلا.

@-(المسألة الثانية) قال مالك: لا يجزئ من لفظ التكبير إلا الله أكبر. وقال الشافعي: الله أكبر والله الأكبر اللفظان كلاهما يجزئ. وقال أبو حنيفة: يجزئ من لفظ التكبير كل لفظ في معناه مثل: الله الأعظم، والله الأجل. وسبب اختلافهم: هل اللفظ هو المتعبد به في الافتتاح أو المعنى، وقد استدل المالكيون والشافعيون بقوله عليه الصلاة والسلام "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" قالوا: والألف واللام ههنا للحصر، والحصر يدل على أن الحكم خاص بالمنطوق به، وأنه لا يجوز بغيره، وليس يوافقهم أبو حنيفة على هذا الأصل، فإن هذا المفهوم هو عنده من باب دليل الخطاب، وهو أن يحكم للمسكوت عنه بضد حكم المنطوق به، ودليل الخطاب عند أبي حنيفة غير معمول به.

@-(المسألة الثالثة) ذهب قوم إلى أن التوجيه في الصلاة واجب، وهو أن يقول بعد التكبير: إما {وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} وهو مذهب الشافعي، وإما أن يسبح وهو مذهب أبي حنيفة، وإما أن يجمع بينهما وهو مذهب أبي يوسف وصاحبه. وقال مالك ليس التوجيه بواجب في الصلاة ولا بسنة. وسبب الاختلاف معارضة الآثار الواردة بالتوجيه للعمل عند مالك، أو الاختلاف في صحة الآثار الواردة بذلك. قال القاضي: قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة، قال: فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي: إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب (1) الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" وقد ذهب قوم إلى استحسان سكتات كثيرة في الصلاة، منها حين يكبر، ومنها حين يفرغ من قراءة أم القرآن وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع، وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو ثور والأوزاعي، وأنكر ذلك مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه. وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح حديث أبي هريرة أنه قال "كانت له عليه الصلاة والسلام في صلاته حين يكبر ويفتتح الصلاة وحين يقرأ فاتحة الكتاب، وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع.

----------

(1) [في نسختنا "البرب" بدل "الثوب" وهو خطأ مطبعي!. وتصحيحنا موافق للروايات المشهورة لهذا الدعاء. دار الحديث]

----------

@-(المسألة الرابعة) اختلفوا في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في افتتاح القراءة في الصلاة، فمنع ذلك مالك في الصلاة المكتوبة جهرا كانت أو سرا، لا في استفتاح أم القرآن ولا في غيرها من السور، وأجاز ذلك في النافلة. وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد يقرؤها مع أم القرآن في كل ركعة سرا، وقال الشافعي: يقرؤها ولا بد في الجهر جهرا وفي السر سرا، وهي عنده آية من فاتحة الكتاب، وبه قال أحمد وأبو ثور وأبو عبيد. واختلف قول الشافعي هل هي آية من كل سورة؟ أم إنما هي آية من سورة النمل فقط، ومن فاتحة الكتاب؟ فروي عنه القولان جميعا. وسبب الخلاف في هذا آيل إلى شيئين: أحدهما اختلاف الآثار في هذا الباب، والثاني اختلافهم: هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب أم لا؟ فأما الآثار التي احتج بها من أسقط ذلك فمنها حديث ابن مغفل قال "سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: يا بني إياك والحدث، فإني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلم أسمع رجلا منهم يقرؤها "قال أبو عمر بن عبد البر: ابن مغفل رجل مجهول. ومنها ما رواه مالك من حديث أنس أنه قال: "قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكلهم كان لا يقرأ بسم الله إذا افتتحوا الصلاة" قال أبو عمر: وفي بعض الروايات أنه قال: "خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" فقال أبو عمر: إلا أن أهل الحديث قالوا في حديث أنس هذا: إن النقل فيه مضطرب اضطرابا لا تقوم به حجة، وذلك أن مرة روي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومرة لم يرفع، ومنهم من يذكر عثمان ومن لا يذكره، ومنهم من يقول: فكانوا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من يقول: فكانوا لا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم. ومنهم من يقول: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وأما الأحاديث المعارضة لهذا، فمنها حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: صليت خلف أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم قبل أم القرآن وقبل السورة وكبر في الخفض والرفع وقال: أنا أشبهكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها حديث ابن عباس "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم" ومنها حديث أم سلمة أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين" فاختلاف هذه الآثار أحد ما أوجب اختلافهم في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة. والسبب الثاني كما قلنا هو: هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من أم الكتاب وحدها أو من كل سورة أم ليست آية لا أم الكتاب ولا من كل سورة؟ فمن رأى أنها آية من أم الكتاب أوجب قراءتها بوجوب قراءة أم الكتاب عنده في الصلاة، ومن رأى أنها آية من أول كل سورة وجب عنده أن يقرأها مع السورة. وهذه المسألة قد كثر الاختلاف فيها والمسألة محتملة، ولكن من أعجب ما وقع في هذه المسألة أنهم يقولون: ربما اختلف فيه هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن في غير سورة النمل؟ أم إنما هي آية من القرآن في سورة النمل فقط؟ ويحكون على جهة الرد على الشافعي أنها لو كانت من القرآن في غير سورة النمل لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نقل تواترا، هذا الذي قاله القاضي في الرد على الشافعي وظن أنه قاطع وأما أبو حامد فانتصر لهذا بأن قال إنه أيضا لو كانت من غير القرآن لوجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين ذلك، وهذا كله تخبط وشيء غير مفهوم، فإنه كيف يجوز في الآية الواحدة بعينها أن يقال فيها إنها من القرآن في موضع وإنها ليست من القرآن في موضع آخر، بل يقال إن بسم الله الرحمن الرحيم قد ثبت أنها من القرآن حيثما ذكرت، وأنها آية من سورة النمل، وهل هي آية من سورة أم القرآن ومن كل سورة يستفتح بها، مختلف فيه، والمسألة محتملة، وذلك أنها في سائر السور فاتحة، وهي جزء من سورة النمل، فتأمل هذا فإنه بين، والله أعلم.

@-(المسألة الخامسة) اتفق العلماء على أنه لا تجوز صلاة بغير قراءة لا عمدا ولا سهوا، إلا شيئا روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى فنسي القراءة، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ فقيل حسن، فقال: لا بأس إذا، وهو حديث غريب عندهم، أدخله مالك في موطئه في بعض الروايات وإلا شيئا روي عن ابن عباس أنه لا يقرأ في صلاة السر وأنه قال "قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلوات وسكت في أخرى" فنقرأ فيما قرأ ونسكت فيما سكت. وسئل هل في الظهر والعصر قراءة؟ فقال: لا، وأخذ الجمهور بحديث خباب "أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر، قيل فبأي شيء كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته" وتعلق الكوفيون بحديث ابن عباس في ترك وجوب القراءة في الركعتين الأخيرتين من الصلاة لاستواء صلاة الجهر والسر في سكوت النبي صلى الله عليه وسلم في هاتين الركعتين. واختلفوا في القراءة الواجبة في الصلاة، فرأى بعضهم أن الواجب من ذلك أم القرآن لمن حفظها، وأن ما عداها ليس فيه توقيت، ومن هؤلاء من أوجبها في كل ركعة، ومنهم من أوجبها في أكثر الصلاة، ومنهم من أوجبها في نصف الصلاة، ومنهم من أوجبها في ركعة من الصلاة، وبالأول قال الشافعي، وهي أشهر الروايات عن مالك، وقد روي عنه أنه إن قرأها في ركعتين من الرباعية أجزأته.

وأما من رأى أنها تجزئ في ركعة، فمنهم الحسن البصري وكثير من فقهاء البصرة. وأما أبو حنيفة فالواجب عنده إنما هو قراءة القرآن أي آية اتفقت أن تقرأ، وحد أصحابه في ذلك ثلاث آيات قصار أو آية طويلة مثل آية الدين، وهذا في الركعتين الأوليين. وأما في الأخيرتين فيستحب عنده التسبيح فيهما دون القراءة، وبه قال الكوفيون. والجمهور يستحبون القراءة فيها كلها. والسبب في هذا الاختلاف تعارض الآثار في هذا الباب، ومعارضة ظاهر الكتاب للأثر. أما الآثار المتعارضة في ذلك، فأحدها حديث أبي هريرة الثابت "ان رجلا دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فصلى ثم أمره بالرجوع، فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فقال عليه الصلاة والسلام : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"

وأما المعارض لهذا فحديثان ثابتان متفق عليهما: أحدهما حديث عبادة بن الصامت أنه عليه الصلاة والسلام قال "لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب" وحديث أبي هريرة أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج ثلاثا" وحديث أبي هريرة المتقدم ظاهره أنه يجزئ من القراءة في الصلاة ما تيسر من القرآن، وحديث عبادة وحديث أبي هريرة الثاني يقتضيان أن أم القرآن شرط في الصلاة، وظاهر قوله تعالى {فاقرءوا ما تيسر منه} يعضد حديث أبي هريرة المتقدم:، والعلماء المختلفون في هذه المسألة إما أن يكونوا ذهبوا في تأويل هذه الأحاديث مذهب الجمع، وإما أن يكونوا ذهبوا مذهب الترجيح، وعلى كلا القولين يتصور هذا المعنى، وذلك أنه من ذهب مذهب من أوجب قراءة ما تيسر من القرآن له أن يقول هذا أرجح، لأن ظاهر الكتاب يوافقه، وله أن يقول على طريق الجمع أنه يمكن أن يكون حديث عبادة المقصود به نفي الكمال لا نفي الإجزاء، وحديث أبي هريرة المقصود منه الإعلام بالمجزئ من القراءة، إذا كان المقصود منه تعليم فرائض الصلاة، ولأولئك أيضا أن يذهبوا هذين المذهبين بأن يقولوا هذه الأحاديث أوضح لأنها أكثر، وأيضا فإن حديث أبي هريرة المشهور يعضده، وهو الحديث الذي فيه يقول تعالى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد الحمد لله رب العالمين، يقول الله حمدني عبدي" الحديث، ولهم أن يقولوا أيضا إن قوله عليه الصلاة والسلام "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" مبهم والأحاديث الأخر معينة، والمعين يقضي على المبهم، وهذا فيه عسر، فإن معنى حرف "ما" ههنا إنما هو معنى أي شيء تيسر، وإنما يسوغ هذا إن دلت "ما" في كلام العرب على ما تدل عليه لام العهد، فكان يكون تقدير الكلام: اقرأ الذي تيسر معك من القرآن ويكون المفهوم منه أم الكتاب، إذا كانت الألف واللام في الذي تدل على العهد، فينبغي أن يتأمل هذا في كلام العرب، فإن وجدت العرب تفعل هذا أعني تتجوز في موطن ما، فتدل بما على شيء معين فليسغ هذا التأويل، وإلا فلا وجه له، فالمسألة كما ترى محتملة، وإنما كان يرتفع الاحتمال لو ثبت النسخ.

وأما الاختلاف من أوجب أم الكتاب في الصلاة في كل ركعة أو في بعض الصلاة فسببه احتمال عودة الضمير الذي في قوله عليه الصلاة والسلام "لم يقرأ فيها بأم القرآن" على كل أجزاء الصلاة أو على بعضها، وذلك أن من قرأ في الكل منها أو في الجزء: أعني في ركعة أو ركعتين لم يدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام "لم يقرأ فيها" وهذا الاحتمال بعينه هو الذي أصار أبا حنيفة إلى أن يترك القراءة أيضا في بعض الصلاة: أعني في الركعتين الأخرتين، واختار مالك أن يقرأ في الركعتين الأوليين من الرباعية بالحمد وسورة، وفي الأخرتين بالحمد فقط، فاختار الشافعي أن تقرأ في الأربع من الظهر بالحمد وسورة إلا أن السورة التي تكون في الأوليين تكون أطول، فذهب مالك إلى حديث أبي قتادة الثابت "أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين منها بفاتحة الكتاب فقط. وذهب الشافعي إلى ظاهر حديث ابي سعيد الثابت أيضا أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمسة عشر آية، ولم يختلفوا في العصر لاتفاق الحديثين فيها، وذلك أن في حديث أبي سعيد هذا "أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر النصف من ذلك".

@-(المسألة السادسة) اتفق الجمهور على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود لحديث علي في ذلك قال "نهاني جبريل صلى الله عليه وسلم أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا" قال الطبري: وهو حديث صحيح، وبه أخذ فقهاء الأمصار، وصار قوم من التابعين إلى جواز ذلك، وهو مذهب البخاري لأنه لم يصح الحديث عنده، والله أعلم. واختلفوا: هل الركوع والسجود قول محدود يقوله المصلي أم لا؟ فقال مالك: ليس في ذلك قول محدود. وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجماعة غيرهم إلى أن المصلي يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا، وفي السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا على ما جاء في حديث عقبة بن عامر. وقال الثوري: أحب إلى أن يقولها الإمام خمسا في صلاته حتى يدرك الذي خلفه ثلاثة تسبيحات. والسبب في هذا الاختلاف معارضة حديث ابن عباس في هذا الباب لحديث عقبة بن عامر، وذلك أن في حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال "ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" وفي حديث عقبة بن عامر أنه قال "لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم" وكذلك اختلفوا في الدعاء في الركوع بعد اتفاقهم على جواز الثناء على الله، فكره ذلك مالك لحديث علي أنه قال عليه الصلاة والسلام: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء" وقالت طائفة يجوز الدعاء في الركوع، واحتجوا بأحاديث جاء فيها أنه عليه الصلاة والسلام دعا في الركوع وهو مذهب البخاري، واحتج بحديث عائشة قالت "كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" وأبو حنيفة لا يجيز الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن (وكذا ما ورد من السنة ا هـ مصححه)، ومالك والشافعي يجيزان ذلك. والسبب في ذلك اختلافهم فيه، هل هو كلام أم لا؟.

@-(المسألة السابعة) اختلفوا في وجوب التشهد وفي المختار منه، فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التشهد ليس بواجب، وذهبت طائفة إلى وجوبه، وبه قال الشافعي وأحمد وداود. وسبب اختلافهم معارضة القياس لظاهر الآثار، وذلك أن القياس يقتضي إلحاقه بسائر الأركان التي ليست بواجبة في الصلاة، لاتفاقهم على وجوب القرآن، وأن التشهد ليس بقرآن فيجب. وحديث ابن عباس أنه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن" يقتضي وجوبه مع أن الأصل عند هؤلاء أن أفعاله وأقواله في الصلاة يجب أن تكون محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على خلاف ذلك، والأصل عند غيرهم على خلاف هذا، وهو أن ما ثبت وجوبه في الصلاة مما اتفق عليه أو صرح بوجوبه فلا يجب أن يلحق به إلا ما صرح به ونص عليه، فهما كما ترى أصلان متعارضان. وأما المختار من التشهد، فإن مالكا رحمه الله اختار تشهد عمر رضي الله عنه الذي كان يعلمه الناس على المنبر، وهو: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. واختار أهل الكوفة أبو حنيفة وغيره تشهد عبد الله بن مسعود. قال أبو عمر: وبه قال أحمد وأكثر أهل الحديث، لثبوت نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" واختار الشافعي وأصحابه تشهد عبد الله بن عباس الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" وسبب اختلافهم اختلاف ظنونهم في الأرجح منها، فمن غلب على ظنه رجحان حديث ما من هذه الأحاديث الثلاثة مال إليه، وقد ذهب كثير من الفقهاء إلى أن هذا كله على التخيير كالأذان والتكبير على الجنائز وفي العيدين وفي غير ذلك مما تواتر نقله، وهو الصواب والله أعلم. وقد اشترط الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد وقال: إنها فرض لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} ذهب إلى أن هذا التسليم هو التسليم من الصلاة، وذهب الجمهور إلى أنه التسليم الذي يؤتى به عقب الصلاة عليه، وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أنه واجب أن يتعوذ المتشهد من الأربع التي جاءت في الحديث من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحيا والممات، لأنه ثبت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منها في آخر تشهده" وفي بعض طرقه "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ من أربع" الحديث خرجه مسلم.

@-(المسألة الثامنة) اختلفوا في التسليم من الصلاة، فقال الجمهور بوجوبه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس بواجب، والذين أوجبوه منهم من قال الواجب على المنفرد والإمام تسليمة واحدة، ومنهم من قال اثنتان، فذهب الجمهور مذهب ظاهر حديث علي، وهو قوله عليه الصلاة والسلام فيه "وتحليلها التسليم" ومن ذهب إلى أن الواجب من ذلك تسليمتان، فلما ثبت من "أنه عليه الصلاة والسلام كان يسلم تسليمتين" وذلك عند من حمل فعله على الوجوب. واختار مالك للمأموم تسليمتين والإمام واحدة، وقد قيل عنه إن المأموم يسلم ثلاثا: الواحدة للتحليل، والثانية للإمام، والثالثة لمن هو عن يساره. وأما أبو حنيفة فذهب إلى ما رواه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي أن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة حدثاه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته" قال أبو عمر بن عبد البر: وحديث علي المتقدم أثبت عند أهل النقل، لأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص انفرد به الإفريقي، وهو عند أهل النقل ضعيف. قال القاضي: إن كان أثبت من طريق النقل فإنه محتمل من طريق اللفظ، وذلك أنه ليس يدل على أن الخروج من الصلاة لا يكون بغير التسليم إلا بضرب من دليل الخطاب وهو مفهوم ضعيف عند الأكثر، ولكن للجمهور أن يقولوا إن الألف واللام التي للحصر أقوى من دليل الخطاب في كون حكم المسكوت عنه بضد حكم المنطوق به.

@-(المسألة التاسعة) اختلفوا في القنوت، فذهب مالك إلى أن القنوت في صلاة الصبح مستحب. وذهب الشافعي إلى أنه سنة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز القنوت في صلاة الصبح، وأن القنوت إنما موضعه الوتر. وقال قوم: بل يقنت في كل صلاة. وقال قوم: لا قنوت إلا في رمضان. وقال قوم: بل في النصف الأخير منه. وقال قوم: بل في النصف الأول منه. والسبب في ذلك اختلاف الآثار المنقولة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقياس بعض الصلوات في ذلك على بعض: أعني التي قنت فيها على التي لم يقنت فيها. قال أبو عمر بن عبد البر: والقنوت بلعن الكفرة في رمضان مستفيض في الصدر الأول اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه على رعل وذكوان، والنفر الذين قتلوا أصحاب بئر معونة. وقال الليث بن سعد: ما قنت منذ أربعين عاما أو خمسة وأربعين عاما إلا وراء إمام يقنت. قال الليث: وأخذت في ذلك بالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت شهرا أو أربعين يدعو لقوم ويدعو على آخرين، حتى أنزل الله تبارك وتعالى معاتبا {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم القنوت فما قنت بعدها حتى لقي الله، قال: فمنذ حملت هذا الحديث لم أقنت، وهو مذهب يحيى بن يحيى. قال القاضي: ولقد حدثني الأشياخ أنه كان العمل عليه بمسجده عندنا بقرطبة، وأنه استمر إلى زماننا أو قريب من زماننا. وخرج مسلم عن أبي هريرة "أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت في صلاة الصبح، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم} وخرج عن أبي هريرة أنه قنت في الظهر والعشاء الأخيرة وصلاة الصبح. وخرج عنه عليه الصلاة والسلام "أنه قنت شهرا في صلاة الصبح يدعو على بني عصية" واختلفوا فيما يقنت به، فاستحب مالك القنوت بـ "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك ونؤمن بك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك إن عذابك بالكافرين ملحق" ويسميها أهل العراق السورتين، ويروى أنها في مصحف أبي بن كعب. وقال الشافعي وإسحاق بل يقنت "باللهم اهدنا فيمن هديت وعافينا فيمن عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، تباركت ربنا وتعاليت" وهذا يرويه الحسن بن علي من طرق ثابتة أن النبي عليه الصلاة والسلام علمه هذا الدعاء يقنت به في الصلاة. وقال عبد الله بن داود: من لم يقنت بالسورتين فلا يصلي خلفه. وقال قوم: ليس في القنوت شيء موقوت.

*4*الفصل الثاني في الأفعال التي هي أركان وفي هذا الفصل من قواعد المسائل ثماني مسائل

@-(المسألة الأولى) اختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة في ثلاثة مواضع: أحدها في حكمه. والثاني في المواضع التي يرفع فيها من الصلاة. والثالث إلى أن ينتهي برفعها. فأما الحكم، فذهب الجمهور إلى أنه سنة في الصلاة، وذهب داود وجماعة من أصحابه إلى أن ذلك فرض، وهؤلاء انقسموا أقساما فمنهم من أوجب ذلك في تكبيرة الإحرام فقط. ومنهم من أوجب ذلك في الاستفتاح وعند الركوع: أعني عند الانحطاط فيه وعند الارتفاع منه، ومنهم من أوجب ذلك في هذين الموضعين وعند السجود، وذلك بحسب اختلافهم في المواضع التي يرفع فيها. وسبب اختلافهم معارضة ظاهر حديث أبي هريرة الذي فيه تعليم فرائض الصلاة لفعله عليه الصلاة والسلام، وذلك أن حديث أبي هريرة إنما فيه أنه قال له وكبر ولم يأمره برفع يديه، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر وغيره "أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة" وأما اختلافهم في المواضع التي ترفع فيها فذهب أهل الكوفة أبو حنيفة وسفيان الثوري وسائر فقهائهم إلى أنه لا يرفع المصلي يديه إلا عند تكبيرة الإحرام فقط، وهي رواية ابن القاسم عن مالك،

وذهب الشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور، وجمهور أهل الحديث وأهل الظاهر إلى الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع وهو مروى عن مالك إلا أنه عند بعض أولئك فرض وعند مالك سنة. وذهب بعض أهل الحديث إلى رفعها عند السجود وعند الرفع منه. والسبب في هذا الاختلاف كله اختلاف الآثار الواردة في ذلك ومخالفة العمل بالمدينة لبعضها، وذلك أن في ذلك أحاديث أحدها حديث عبد الله بن مسعود، وحديث البراء بن عازب "أنه كان عليه الصلاة والسلام يرفع يديه عند الإحرام مرة واحدة لا يزيد عليها، والحديث الثاني حديث ابن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضا كذلك وقال "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" كان لا يفعل ذلك في السجود، وهو حديث متفق على صحته وزعموا أنه روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر رجلا من أصحابه. والحديث الثالث حديث وائل بن حجر، وفيه زيادة على ما في حديث عبد الله بن عمر "أنه كان يرفع يديه عند السجود" فمن حمل الرفع ههنا على أنه ندب أو فريضة، فمنهم من اقتصر به على الإحرام فقط ترجيحا لحديث عبد الله بن مسعود وحديث البراء بن عازب وهو مذهب مالك لموافقة العمل به، ومنهم من رجح حديث عبد الله بن عمر، فرأى الرفع في الموضعين أعني في الركوع وفي الافتتاح لشهرته، واتفق الجميع عليه ومن كان رأيه من هؤلاء أن الرفع فريضة حمل ذلك على الفريضة، ومن كان رأيه أنه ندب حمل ذلك على الندب، ومنهم من ذهب مذهب الجمع وقال: إنه يجب أن تجمع هذه الزيادات بعضها إلى بعض على ما في حديث وائل بن حجر، فإذا العلماء ذهبوا في هذه الآثار مذهبين: إما مذهب الترجيح، وإما مذهب الجمع. والسبب في اختلافهم في حمل رفع اليدين في الصلاة: هل هو على الندب أو على الفرض؟ هو السبب الذي قلناه قبل من أن بعض الناس يرى أن الأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم أن تحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك، ومنهم من يرى أن الأصل لا يزاد فيما صح بدليل واضح من قول ثابت أو إجماع أنه من فرائض الصلاة إلا بدليل واضح، وقد تقدم هذا من قولنا، ولا معنى لتكرير الشيء الواحد مرات كثيرة، وأما الحد الذي ترفع إليه اليدان، فذهب بعضهم إلى أنه المنكبان، وبه قال مالك والشافعي وجماعة، وذهب بعضهم إلى رفعهما إلى الأذنين، وبه قال أبو حنيفة، وذهب بعضهم إلى رفعهما إلى الصدر، وكل ذلك مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن أثبت ما في ذلك أنه كان يرفعهما حذو منكبيه وعليه الجمهور، والرفع إلى الأذنين أثبت من الرفع إلى الصدر وأشهر.

@-(المسألة الثانية) ذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتدال من الركوع وفي الركوع غير واجب. وقال الشافعي: هو واجب. واختلف أصحاب مالك: هل ظاهر مذهبه يقتضي أن يكون سنة أو واجبا إذ لم ينقل عنه نص في ذلك: والسبب في اختلافهم: هل الواجب الأخذ ببعض ما ينطلق عليه الاسم أم بكل ذلك الشيء الذي ينطلق عليه الاسم، فمن كان الواجب عنده الأخذ ببعض ما ينطلق عليه الاسم لم يشترط الاعتدال في الركوع، ومن كان الواجب عنده الأخذ بالكل اشترط الاعتدال، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحديث المتقدم للرجل الذي علمه فروض الصلاة "اركع حتى تطمئن راكعا، وارفع حتى تطمئن رافعا" فالواجب اعتقاد كونه فرضا، وعلى هذا الحديث عول كل من رأى أن الأصل لا تحمل أفعاله عليه الصلاة والسلام في سائر أفعال الصلاة مما لم ينص عليها في هذا الحديث على الوجوب حتى يدل الدليل على ذلك، ومن قبل هذا لم يروا رفع اليدين فرضا ولا ما عدا تكبيرة الإحرام والقراءة من الأقاويل التي في الصلاة فتأمل هذا، فإنه أصل مناقض للأصل الأول وهو سبب الخلاف في أكثر هذه المسائل.

@-(المسألة الثالثة) اختلف الفقهاء في هيئة الجلوس، فقال مالك وأصحابه يقضي بأليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويثني اليسرى، وجلوس المرأة عنده كجلوس الرجل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينصب الرجل اليمنى ويقعد على اليسرى. وفرق الشافعي بين الجلسة الوسطى والأخيرة، فقال في الوسطى بمثل قول أبي حنيفة، وفي الأخيرة بمثل قول مالك. وسبب اختلافهم في ذلك تعارض الآثار، وذلك أن في ذلك ثلاثة آثار: أحدها وهو ثابت باتفاق حديث أبي حميد الساعدي الوارد في وصف صلاته عليه الصلاة والسلام، وفيه "وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته". والثاني حديث وائل بن حجر، وفيه "أنه كان إذا قعد في الصلاة نصب اليمنى وقعد على اليسرى". والثالث ما رواه مالك عن عبد الله بن عمر أنه قال "إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، وهو يدخل في المسند لقوله فيه: إنما سنة الصلاة. وفي روايته عن القاسم بن محمد أنه أراهم الجلوس في التشهد ، فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك، فذهب مالك مذهب الترجيح لهذا الحديث، وذهب أبو حنيفة مذهب الترجيح لحديث وائل. وذهب الشافعي مذهب الجمع على حديث أبي حميد. وذهب الطبري مذهب التخيير. وقال: هذه الهيئات كلها جائزة وحسن فعلها لثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول حسن، فإن الأفعال المختلفة أولى أن تحمل على التخيير منها على التعارض، وإنما يتصور ذلك التعارض أكثر ذلك في الفعل مع القول أو في القول مع القول.

@-(المسألة الرابعة) اختلف العلماء في الجلسة الوسطى والأخيرة، فذهب الأكثر في الوسطى إلى أنها سنة وليست بفرض، وشذ قوم وقالوا: إنها فرض، وكذلك ذهب الجمهور في الجلسة الأخرى إلى أنها فرض وشذ قوم فقالوا: إنها ليست بفرض. والسبب في اختلافهم هو تعارض مفهوم الأحاديث، وقياس إحدى الجلستين على الثانية، وذلك أن في حديث أبي هريرة المتقدم "اجلس حتى تطمئن جالسا" فوجب الجلوس على ظاهر هذا الحديث في الصلاة كلها، فمن أخذ بهذا قال: إن الجلوس كله فرض، ولما جاء في حديث ابن بحينة الثابت "أنه عليه الصلاة والسلام أسقط الجلسة الوسطى ولم يجبرها وسجد لها" وثبت عنه أنه أسقط ركعتين فجبرهما، وكذلك ركعة. فهم الفقهاء من هذا الفرق بين حكم الجلسة الوسطى وحكم الركعة، وكانت عندهم الركعة فرضا بإجماع، فوجب أن لا تكون الجلسة الوسطى فرضا، فهذا هو الذي أوجب أن فرق الفقهاء بين الجلستين، ورأوا أن سجود السهو إنما يكون للسنن دون الفروض، ومن رأى أنها فرض قال: السجود للجلسة الوسطى شيء يخصها دون سائر الفرائض، وليس في ذلك دليل على أنها ليست بفرض، وأما من ذهب إلى أنهما كليهما سنة فقاس الجلسة الأخيرة على الوسطى بعد أن اعتقد في الوسطى بالدليل الذي اعتقد به الجمهور أنها سنة، فإذا السبب في اختلافهم هو في الحقيقة آيل إلى معارضة الاستدلال لظاهر القول أو ظاهر الفعل، فإن من الناس أيضا من اعتقد أن الجلستين كليهما فرض من جهة أن أفعاله عليه الصلاة عنده الأصل فيها أن تكون في الصلاة محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك على ما تقدم، فإذاً الأصلان جميعا يقتضيان ههنا أن الجلوس الأخير فرض، ولذلك عليه أكثر الجمهور من غير أن يكون له معارض إلا القياس، وأعني بالأصلين القول والعمل، ولذلك أضعف الأقاويل من رأى أن الجلستين سنة والله أعلم. وثبت عنه عليه الصلاة والسلام "أنه كان يضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى ويشير بإصبعه" واتفق العلماء على أن هذه الهيئة من هيئة الجلوس المستحسنة في الصلاة، واختلفوا في تحريك الأصابع لاختلاف الأثر في ذلك، والثابت أنه كان يشير فقط.

@-(المسألة الخامسة) اختلف العلماء في وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، فكره ذلك مالك في الفرض، وأجازه في النفل. ورأى قوم أن هذا الفعل من سنن الصلاة وهم الجمهور. والسبب في اختلافهم أنه قد جاءت آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى، وثبت أيضا أن الناس كانوا يؤمرون بذلك. وورد ذلك أيضا من صفة صلاته عليه الصلاة والسلام في حديث أبي حميد فرأى قوم أن الآثار التي أثبتت ذلك اقتضت زيادة على الآثار التي لم تنقل فيها هذه الزيادة وأن الزيادة يجب أن يصار إليها. ورأى قوم أن الأوجب المصير إلى الآثار التي ليس فيها هذه الزيادة، لأنها أكثر، ولكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة، وإنما هي من باب الاستعانة، ولذلك أجازها مالك في النفل ولم يجزها في الفرض، وقد يظهر من أمرها أنها هيئة تقتضي الخضوع، وهو الأولى بها.

@-(المسألة السادسة) اختار قوم إذا كان الرجل في وتر من صلاته أن لا ينهض حتى يستوي قاعدا، واختار آخرون أن ينهض من سجوده نفسه، وبالأول قال الشافعي وجماعة، وبالثاني قال مالك وجماعة. وسبب الخلاف أن في ذلك حديثين مختلفين: أحدهما حديث مالك بن الحويرث الثابت "أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي" فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا وفي حديث أبي حميد في صفة صلاته عليه الصلاة والسلام أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى قام ولم يتورك" فأخذ بالحديث الأول الشافعي، وأخذ بالثاني مالك، وكذلك اختلفوا إذا سجد، هل يضع يديه قبل ركبتيه، أو ركبتيه قبل يديه؟ ومذهب مالك وضع الركبتين قبل اليدين. وسبب اختلافهم أن في حديث ابن حجر قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" وعن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه" وكان عبد الله بن عمر يضع يديه قبل ركبتيه. وقال بعض أهل الحديث: حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة.

@-(المسألة السابعة) اتفق العلماء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين، لقوله عليه الصلاة والسلام "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء" واختلفوا فيمن سجد على وجهه ونقصه السجود على عضو من تلك الأعضاء هل تبطل صلاته أم لا؟ فقال قوم: لا تبطل صلاته لأن اسم السجود إنما يتناول الوجه فقط. وقال قوم: تبطل إن لم يسجد على السبعة الأعضاء للحديث الثابت، ولم يختلفوا أن من سجد على جبهته وأنفه فقد سجد على وجهه، واختلفوا فيمن سجد على أحدهما، فقال مالك: إن سجد على جبهته دون أنفه جاز، وإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجز. وقال أبو حنيفة: بل يجوز ذلك. وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يسجد عليهما جميعا. وسبب اختلافهم: هل الواجب هو امتثال بعض ما ينطلق عليه الاسم أم كله، وذلك أن في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الثابت عن ابن عباس "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء" فذكر منها الوجه، فمن رأى أن الواجب هو بعض ما ينطلق عليه الاسم، قال: إن سجد على الجبهة أو الأنف أجزأه. ومن رأى أن اسم السجود يتناول من سجد على الجبهة ولا يتناول من سجد على الأنف أجاز السجود على الجبهة دون الأنف، وهذا كأنه تحديد للبعض الذي هو امتثاله، هو الواجب مما ينطلق عليه الاسم، وكان هذا على مذهب من يفرق بين أبعاض الشيء، فرأى أن بعضها يقوم في امتثاله مقام الوجوب وبعضها لا يقوم مقامه فتأمل هذا فإنه أصل في هذا الباب، وإلا جاز لقائل أن يقول: إنه إن مس من أنفه الأرض مثقال خردلة تم سجوده، وأما من رأى أن الواجب هو امتثال كل ما ينطلق عليه الاسم، فالواجب عنده أن يسجد على الجبهة والأنف. والشافعي يقول: إن هذا الاحتمال الذي من قبل اللفظ قد أزاله فعله عليه الصلاة والسلام وبينه، فإنه كان يسجد على الأنف والجبهة لما جاء من أنه انصرف من صلاة من الصلوات وعلى جبهته وأنفه أثر الطين والماء، فوجب أن يكون فعله مفسرا للحديث المجمل. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد ذكر جماعة من الحفاظ حديث ابن عباس فذكروا فيه الأنف والجبهة. قال القاضي أبو الوليد: وذكر بعضهم الجبهة فقط، وكلا الروايتين في كتاب مسلم، وذلك حجة لمالك. واختلفوا أيضا هل من شرط السجود أن تكون يد الساجد بارزة وموضوعة على الذي يوضع عليها الوجه أم ليس ذلك من شروطه؟ فقال مالك: ذلك من شرط السجود أحسبه شرط تمامه. وقالت جماعة: ليس ذلك من شرط السجود. ومن هذا الباب اختلافهم في السجود على طاقات العمامة، وللناس فيه ثلاثة مذاهب: قول بالمنع، وقول بالجواز، وقول بالفرق بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة أو كثيرة، وقول بالفرق بين أن يمس من جبهته الأرض شيء أو لا يمس منها شيء، وهذا الاختلاف كله موجود في المذهب وعند فقهاء الأمصار، وفي البخاري وكانوا يسجدون على القلانس والعمائم. واحتج من لم ير إبراز اليدين في السجود بقول ابن عباس "أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نسجد على سبعة أعضاء ولا نكفت ثوبا ولا شعرا" وقياسا على الركبتين وعلى الصلاة في الخفين يمكن أن يحتج بهذا العموم في السجود على العمامة.

@-(المسألة الثامنة) اتفق العلماء على كراهية الإقعاء في الصلاة لما جاء في الحديث من النهي أن يقعي الرجل في صلاته كما يقعي الكلب إلا أنهم اختلفوا فيما يدل عليه الاسم، فبعضهم رأى أن الإقعاء المنهي عنه هو جلوس الرجل على أليتيه في الصلاة ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع ولا خلاف بينهم أن هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة. وقوم رأوا أن معنى الإقعاء الذي نهي عنه هو أن يجعل أليته على عقيبه بين السجدتين وأن يجلس على صدور قدميه، وهو مذهب مالك لما روي عن ابن عمر أنه ذكر أنه إنما كان يفعل ذلك لأنه كان يشتكي قدميه. وأما ابن عباس فكان يقول: الإقعاء على القدمين في السجود على هذه الصفة هو سنة نبيكم، خرجه مسلم. وسبب اختلافهم هو تردد اسم الإقعاء المنهي عنه في الصلاة بين أن يدل على المعنى اللغوي أو يدل على معنى شرعي: أعني على هيئة خصها الشرع بهذا الاسم، فمن رأى أنه يدل على المعنى اللغوي قال: هو إقعاء الكلب. ومن رأى أنه يدل على معنى شرعي قال: إنما أريد بذلك إحدى هيئات الصلاة المنهي عنها، ولما ثبت عن ابن عمر أن قعود الرجل على صدور قدميه ليس من سنة الصلاة، سبق إلى اعتقاده أن هذه الهيئة هي التي أريد بالإقعاء المنهي عنه، وهذا ضعيف، فإن الأسماء التي لم تثبت لها معان شرعية يجب أن تحمل على المعنى اللغوي حتى يثبت لها معنى شرعي، بخلاف الأمر في الأسماء التي ثبت لها معان شرعية: أعني أنه يجب أن يحمل على المعاني الشرعية حتى يدل الدليل على المعنى اللغوي، مع أنه قد عارض حديث ابن عمر في ذلك حديث ابن عباس.

*3*الباب الثاني من الجملة الثالثة.

@-وهذا الباب الكلام المحيط بقواعده فيه فصول سبعة: أحدها: في معرفة حكم صلاة الجماعة. والثاني في معرفة شروط الإمامة، ومن أولى بالتقديم وأحكام الإمام الخاصة به. الثالث: في مقام المأموم من الإمام والأحكام الخاصة بالمأمومين. الرابع: في معرفة ما يتبع فيه المأموم الإمام مما ليس يتبعه. الخامس: في صفة الاتباع. السادس: فيما يحمله الإمام عن المأمومين. السابع: في الأشياء التي إذا فسدت لها صلاة الإمام يتعدى الفساد إلى المأمومين.

*4*الفصل الأول في معرفة حكم صلاة الجماعة.

@-في هذا الفصل مسئلتان: إحداهما: هل صلاة الجماعة واجبة على من سمع النداء أم ليست بواجبة. المسألة الثانية إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى، هل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها أم لا؟.

@-(أما المسألة الأولى) فإن العلماء اختلفوا فيها، فذهب الجمهور إلى أنها سنة أو فرض على الكفاية. وذهبت الظاهرية إلى أن صلاة الجماعة فرض متعين على كل مكلف. والسبب في اختلافهم تعارض مفهومات الآثار في ذلك وذلك أن ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة أو بسبع وعشرين درجة" يعني أن الصلاة في الجماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة، فكأنه قال عليه الصلاة والسلام: صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد. والكمال إنما هو شيء زائد على الإجزاء، وحديث الأعمى المشهور حين استأذنه في التخلف عن صلاة الجماعة لأنه لا قائد له، فرخص له في ذلك، ثم قال له عليه الصلاة والسلام: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة" هو كالنص في وجوبها مع عدم العذر، خرجه مسلم. ومما يقوي هذا حديث أبي هريرة المتفق على صحته، وهو "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء" وحديث ابن مسعود، وقال فيه "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه" وفي بعض رواياته "ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم" فسلك كل واحد من هذين الفريقين مسلك الجمع بتأويل حديث مخالفه، وصرفه إلى ظاهر الحديث الذي تمسك به. فأما أهل الظاهر فإنهم قالوا: إن المفاضلة لا يمتنع أن تقع في الواجبات أنفسها: أي إن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد في حق من سقط عنه وجوب صلاة الجماعة لمكان العذر بتلك الدرجات المذكورة. قالوا: وعلى هذا فلا تعارض بين الحديثين واحتجوا لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" وأما أولئك فزعموا أنه يمكن أن يحمل حديث الأعمى على نداء يوم الجمعة، إذ ذلك هو النداء الذي يجب على من سمعه الإتيان إليه باتفاق وهذا فيه بعد والله أعلم، لأن نص الحديث هو أن أبا هريرة قال "أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة. قال: نعم، قال: فأجب" وظاهر هذا يبعد أن يفهم منه نداء الجمعة، مع أن الإتيان إلى صلاة الجمعة واجب على كل من كان في المصر وإن لم يسمع النداء، ولا أعرف في ذلك خلافا. وعارض هذا الحديث أيضا حديث عتبان بن مالك المذكور في الموطأ، وفيه أن عتبان بن مالك كان يؤم وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه تكون الظلمة المطر والسيل وأنا رجل ضرير البصر فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين تحب أن أصلي فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم".

@-(وأما المسألة الثانية) فإن الذي دخل المسجد وقد صلى لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون صلى منفردا، وإما أن يكون صلى في جماعة. فإن كان صلى منفردا فقال قوم: يعيد معهم كل الصلوات إلا المغرب فقط، وممن قال بهذا القول مالك وأصحابه. وقال أبو حنيفة: يعيد الصلوات كلها إلا المغرب والعصر. وقال الأوزاعي: إلا المغرب والصبح. وقال أبو ثور: إلا العصر والفجر. وقال الشافعي: يعيد الصلوات كلها، وإنما اتفقوا على إيجاب إعادة الصلاة عليه بالجملة لحديث بشر بن محمد عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين دخل المسجد ولم يصل معه: مالك لم تصل مع الناس: ألست برجل مسلم؟ فقال بلى يا رسول الله، ولكني صليت في أهلي، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت" فاختلف الناس لاحتمال تخصيص هذا العموم بالقياس أو بالدليل، فمن حمله على عمومه أوجب عليه إعادة الصلوات كلها وهو مذهب الشافعي. وأما من استثنى من ذلك صلاة المغرب فقط فإنه خصص العموم بقياس الشبه وهو مالك رحمه الله، وذلك أنه زعم أن صلاة المغرب هي وتر، فلو أعيدت لأشبهت صلاة الشفع التي ليست بوتر، لأنها كانت تكون بمجموع ذلك ست ركعات، فكأنها كانت تنتقل من جنسها إلى جنس صلاة أخرى وذلك مبطل لها، وهذا القياس فيه ضعف، لأن السلام قد فصل بين الأوتار والتمسك بالعموم أقوى من الاستثناء بهذا النوع من القياس، وأقوى من هذا ما قاله الكوفيون من أنه إذا أعادها يكون قد أوتر مرتين، وقد جاء في الأثر " لا وتران في ليلة" وأما أبو حنيفة فإنه قال: إن الصلاة الثانية تكون له نفلا، فإن أعاد العصر يكون قد تنفل بعد العصر، وقد جاء النهي عن ذلك، فخصص العصر بهذا القياس والمغرب بأنها وتر، والوتر لا يعاد، وهذا قياس جديد إن سلم لهم الشافعي أن الصلاة الأخيرة لهم نفل. وأما من فرق بين العصر والصبح في ذلك فلأنه لم تختلف الأثار في النهي عن الصلاة بعد الصبح، واختلف في الصلاة بعد العصر كما تقدم، وهو قول الأوزاعي. وأما إذا صلى في جماعة فهل يعيد في جماعة أخرى؟ فأكثر الفقهاء على أنه لا يعيد، منهم مالك وأبو حنيفة، وقال بعضهم: بل يعيد، وممن قال بهذا القول أحمد وداود وأهل الظاهر. والسبب في اختلافهم تعارض مفهوم الآثار في ذلك، وذلك أنه ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال "لا تصلي صلاة في يوم مرتين" وروي عنه "أنه أمر الذين صلوا في جماعة أن يعيدوا مع الجماعة الثانية" وأيضا فإن ظاهر حديث بشر يوجب الإعادة على كل مصل إذا جاء المسجد، فإن قوته قوة العموم، والأكثر على أنه إذا ورد العام على سبب خاص لا يقتصر به على سببه، وصلاة معاذ مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم كان يؤم قومه في تلك الصلاة فيه دليل على جواز إعادة الصلاة في الجماعة، فذهب الناس في هذه الأثار مذهب الجمع ومذهب الترجيح. أما من ذهب مذهب الترجيح فإنه أخذ بعموم قوله عليه الصلاة والسلام "لا تصلى صلاة واحدة في يوم مرتين" ولم يستثن من ذلك إلا صلاة المنفرد فقط لوقوع الاتفاق عليها. وأما من ذهب مذهب الجمع فقالوا إن معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تصلى صلاة واحدة في يوم مرتين" إنما ذلك أن لا يصلي الرجل الصلاة الواحدة بعينها مرتين، يعتقد في كل واحدة منهما أنها فرض، بل يعتقد في الثانية أنها زائدة على الفرض ولكنه مأمور بها. وقال قوم: بل معنى هذا الحديث إنما هو للمنفرد: أعني أن لا يصلي الرجل المنفرد صلاة واحدة بعينها مرتين.

*4*الفصل الثاني. في معرفة شروط الإمامة، ومن أولى بالتقديم، وأحكام الإمام الخاصة به. وفي هذا الفصل مسائل أربع:

@-(المسألة الأولى) اختلفوا فيمن أولى بالإمامة، فقال مالك: يؤم القوم أفقههم لا أقرؤهم، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: يؤم القوم أقرؤهم. والسبب في هذا الاختلاف اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم إسلاما، ولا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه" وهو حديث متفق على صحته لكن اختلف العلماء في مفهومه، فمنهم من حمله على ظاهره وهو أبو حنيفة. ومنهم من فهم من الأقرأ ههنا الأفقه. لأنه زعم أن الحاجة إلى الفقه في الإمامة أمس من الحاجة إلى القراءة، وأيضا فإن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه ضرورة، وذلك بخلاف ما عليه الناس اليوم.

@-(المسألة الثانية) اختلف الناس في إمامة الصبي الذي لم يبلغ الحلم إذا كان قارئا، فأجاز ذلك لعموم (هذا الأثر) {ما بين القوسين زائدة في النسخة المصرية مع أنه لم يذكر أثرا، فلهذا نبهنا على زيادته} ولحديث عمرو بن سلمة أنه كان يؤم قومه وهو صبي. ومنع ذلك قوم مطلقا، وأجازه قوم في النفل، ولم يجيزوه في الفريضة، وهو مروي عن مالك. وسبب الخلاف في ذلك هل يؤم أحد في صلاة غير واجبة عليه من وجبت عليه؟، وذلك لاختلاف نية الإمام والمأموم؟.

@-(المسألة الثالثة) اختلفوا في إمامة الفاسق، فردها قوم بإطلاق، وأجازها قوم بإطلاق، وفرق قوم بين أن يكون فسقه مقطوعا به أو غير مقطوع به، فقالوا: إن كان فسقه مقطوعا به أعاد الصلاة المصلي وراءه أبدا، وإن كان مظنونا استحبت له الإعادة في الوقت، وهذا الذي اختاره الأبهري تأولا على المذهب، ومنهم من فرق بين أن يكون فسقه بتأويل أو يكون بغير تأويل مثل الذي يشرب النبيذ ويتأول أقوال أهل العراق، فأجازوا الصلاة وراء المتأول ولم يجيزوها وراء غير المتأول. وسبب اختلافهم في هذا أنه شيء مسكوت عنه في الشرع، والقياس فيه متعارض. فمن رأى أن الفسق لما كان لا يبطل صحة الصلاة ولم يكن من يحتاج المأموم إمامه إلا صحة صلاته فقط على قول من يرى أن الإمام يحمل عن المأموم أجاز إمامة الفاسق، ومن قاس الإمامة على الشهادة واتهم الفاسق أن يكون يصلي صلاة فاسدة كما يتهم في الشهادة أن يكذب لم يجز إمامته، ولذلك فرق قوم بين أن يكون فسقه بتأويل أو بغير تأويل، وإلى قريب من هذا يرجع من فرق بين أن يكون فسقه مقطوعا به أو غير مقطوع به، لأنه إذا كان مقطوعا به فكأنه غير معذور في تأويله، وقد رام أهل الظاهر أن يجيزوا إمامة الفاسق بعموم قوله عليه الصلاة والسلام "يؤم القوم أقرؤهم" قالوا: فلم يستثن من ذلك فاسقا من غير فاسق، والاحتجاج بالعموم في غير المقصود ضعيف، ومنهم من فرق بين أن يكون فسقه في شروط صحة الصلاة، أو في أمور خارجة عن الصلاة بناء على أن الإمام إنما يشترط فيه وقوع صلاته صحيحة.

@-(المسألة الرابعة) اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال واختلفوا في إمامتها النساء، فأجاز ذلك الشافعي، ومنع ذلك مالك وشذ أبو ثور والطبري، فأجازا إمامتها على الإطلاق، وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال، لأنه لو كان جائزا لنقل ذلك عن الصدر الأول، ولأنه أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم، لقوله عليه الصلاة والسلام "أخروهن حيث أخرهن الله" ولذلك أجاز بعضهم إمامتها النساء إذ كن متساويات في المرتبة في الصلاة، مع أنه أيضا نقل ذلك عن بعض الصدر الأول، ومن أجاز إمامتها فإنما ذهب إلى ما رواه أبو داود من حديث أم ورقة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها" وفي هذا الباب مسائل كثيرة أعني من اختلافهم في الصفات المشترطة في الإمام تركنا ذكرها لكونها مسكوتا عنها في الشرع. قال القاضي: وقصدنا في هذا الكتاب إنما هو ذكر المسائل المسموعة أو ماله تعلق قريب بالمسموع.

@-(وأما أحكام الإمام الخاصة به) فإن في ذلك أربعة مسائل متعلقة بالسمع: إحداها هل يؤمن الإمام إذا فرغ من قراءة أم القرآن؟ أم المأموم هو الذي يؤمن فقط. والثانية متى يكبر تكبيرة الإحرام؟ والثالثة إذا أرتج عليه هل يفتح عليه أم لا؟ والرابعة هل يجوز أن يكون موضعه أرفع من موضع المأمومين. فأما هل يؤمن الإمام إذا فرغ من قراءة أم الكتاب، فإن مالكا ذهب في رواية ابن القاسم عنه والمصريين أنه لا يؤمن، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يؤمن كالمأموم سواء، وهي رواية المدنيين عن مالك، وسبب اختلافهم أن في ذلك حديثين متعارضي الظاهر: أحدهما حديث أبي هريرة المتفق عليه في الصحيح أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أمن الإمام فأمنوا" والحديث الثاني ما خرجه مالك عن أبي هريرة أيضا أنه قال عليه الصلاة والسلام "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا أمين" فأما الحديث الأول فهو نص في تأمين الإمام. وأما الحديث الثاني فيستدل منه على أن الإمام لا يؤمن، وذلك أنه لو كان يؤمن لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم الكتاب قبل أن يؤمن الإمام، لأن الإمام كما قال عليه الصلاة والسلام "إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلا أن يخص هذا من أقوال الإمام: أعني أن يكون للمأموم أن يؤمن معه أو قبله، فلا يكون فيه دليل على حكم الإمام في التأمين، ويكون إنما تضمن حكم المأموم فقط، لكن الذي يظهر أن مالكا ذهب مذهب الترجيح للحديث الذي رواه لكون السامع هو المؤمن لا الداعي، وذهب الجمهور لترجيح الحديث الأول لكونه نصا، ولأنه ليس فيه شيء من حكم الإمام، وإنما الخلاف بينه وبين الحديث الآخر في موضع تأمين المأموم فقط لا في هل يؤمن الإمام أو لا يؤمن فتأمل هذا. ويمكن أيضا أن يتأول الحديث الأول بأن يقال: إن معنى قوله "فإذا أمن فأمنوا" أي إذا بلغ موضع التأمين، وقد قيل إن التأمين هو الدعاء وهذا عدول عن الظاهر لشيء غير مفهوم من الحديث إلا بقياس: أعني أن يفهم من قوله "فإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأمنوا" أنه لا يؤمن الإمام. وأما متى يكبر الإمام فإن قوما قالوا: لا يكبر إلا بعد تمام الإقامة واستواء الصفوف، وهو مذهب مالك والشافعي وجماعة. وقوم قالوا: إن موضع التكبير هو قبل أن يتم الإقامة، واستحسنوا تكبيره عند قول المؤذن قد قامت الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وزفر. وسبب الخلاف في ذلك تعارض ظاهر حديث أنس وحديث بلال. أما حديث أنس فقال: "أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكبر في الصلاة فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" وظاهر هذا أن الكلام منه كان بعد الفراغ من الإقامة، مثل ما روي عن عمر أنه كان إذا تمت الإقامة واستوت الصفوف حينئذ يكبر. وأما حديث بلال فإنه روى "أنه كان يقيم للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقول له: يا رسول الله لا تسبقني بآمين" خرجه الطحاوي. قالوا: فهذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر والإقامة لم تتم. وأما اختلافهم في الفتح على الإمام إذا أرتج عليه، فإن مالكا والشافعي وأكثر العلماء أجازوا الفتح عليه، ومنع ذلك الكوفيون. وسبب الخلاف في ذلك اختلاف الآثار، وذلك "أنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تردد في آية، فلما انصرف قال: أين أبي ألم يكن في القوم؟" أي يريد الفتح عليه. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال "لا يفتح على الإمام" والخلاف في ذلك في الصدر الأول، والمنع مشهور عن علي، والجواز عن ابن عمر مشهور. وأما موضع الإمام فإن قوما أجازوا أن يكون أرفع من موضع المأمومين، وقوم منعوا ذلك، وقوم استحبوا من ذلك اليسير، وهو مذهب مالك. وسبب الخلاف في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما الحديث الثابت: "أنه عليه الصلاة والسلام أم الناس على المنبر ليعلمهم الصلاة، وأنه كان إذا أراد أن يسجد نزل من على المنبر"والثاني ما رواه أبو داود أن حذيفة أم الناس على دكان، فأخذ ابن مسعود بقميصه فجذبه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك، أو ينهى عن ذلك؟. وقد اختلفوا هل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه لحديث ابن عباس أنه أقام إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد دخوله في الصلاة، ورأى قوم أن هذا محتمل، وأنه لابد من ذلك إذا كان يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين، وهذا على مذهب من يرى أن الإمام يحمل فرضا أو نفلا عن المأمومين.

*4*الفصل الثالث. في مقام المأموم من الإمام، والأحكام الخاصة بالمأمومين. وفي هذا الباب خمس مسائل:

@-(المسألة الأولى) اتفق جمهور العلماء على أن سنة الواحد المنفرد أن يقوم عن يمين الإمام لثبوت ذلك من حديث ابن عباس وغيره، وأنهم إن كانوا ثلاثة سوى الإمام قاموا وراءه، واختلفوا إذا كانا اثنين سوى الإمام، فذهب مالك والشافعي إلى أنهما يقومان خلف الإمام. وقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون: بل يقوم الإمام بينهما. والسبب في اختلافهم أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما حديث جابر بن عبد الله قال: "قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بأيدينا جميعا، فدفعنا حتى قمنا خلفه" والحديث الثاني حديث ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود فقام وسطهما، وأسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر: واختلف رواة هذا الحديث، فبعضهم أوقفه وبعضهم أسنده، والصحيح أنه موقوف، وأما أن سنة المرأة أن تقف خلف الرجل أو الرجال إن كان هنالك رجل سوى الإمام، أو خلف الإمام إن كانت وحدها، فلا أعلم في ذلك خلافا لثبوت ذلك من حديث أنس الذي خرجه البخاري "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا" والذي خرجه عنه أيضا مالك أنه قال "فصففت أنا واليتيم وراءه عليه الصلاة والسلام، والعجوز من ورائنا" وسنة الواحد عند الجمهور أن يقف عن يمين الإمام لحديث ابن عباس حين بات عند ميمونة. وقال قوم: بل عن يساره، ولا خلاف في أن المرأة الواحدة تصلي خلف الإمام، وأنها إن كانت مع الرجل صلى الرجل إلى جانب الإمام والمرأة خلفه.

@-(المسألة الثانية) أجمع العلماء على أن الصف الأول مرغب فيه، وكذلك تراص الصفوف وتسويتها لثبوت الأمر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلفوا إذا صلى إنسان خلف الصف وحده، فالجمهور على أن صلاته تجزئ. وقال أحمد وأبو ثور وجماعة صلاته فاسدة. وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح حديث وابصة ومخالفة العمل له، وحديث وابصة هو أنه قال عليه الصلاة والسلام "لا صلاة لقائم خلف الصف" وكان الشافعي يرى أن هذا يعارضه قيام العجوز وحدها خلف الصف في حديث أنس. وكان أحمد يقول: ليس في ذلك حجة، لأن سنة النساء هي القيام خلف الرجال. وكان أحمد كما قلنا يصحح حديث وابصة. وقال غيره: هو مضطرب الإسناد لا تقوم به حجة. واحتج الجمهور بحديث أبي بكرة أنه ركع دون الصف فلم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعادة وقال له "زادك الله حرصا ولا تعد" ولو حمل هذا على الندب لم يكن تعارض: أعني بين حديث وابصة وحديث أبي بكرة.

@-(المسألة الثالثة) اختلف الصدر الأول في الرجل يريد الصلاة فيسمع الإقامة هل يسرع المشي إلى المسجد أم لا مخافة أن يفوته جزء من الصلاة؟ فروي عن عمرو وابن مسعود أنهم كانوا يسرعون المشي إذا سمعوا الإقامة. وروي عن زيد بن ثابت وأبي ذر وغيرهم من الصحابة أنهم كانوا لا يرون السعي، بل أن تؤتى الصلاة بوقار وسكينة، وبهذا القول قال فقهاء الأمصار لحديث أبي هريرة الثابت "إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة" ويشبه أن يكون سبب الخلاف في ذلك أنه لم يبلغهم هذا الحديث أو رأوا أن الكتاب يعارضه لقوله تعالى {فاستبقوا الخيرات} وقوله {السابقون السابقون أولئك المقربون} وقوله {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} .

وبالجملة فأصول الشرع تشهد بالمبادرة إلى الخير، لكن إذا صح الحديث وجب أن تستثنى الصلاة من بين سائر أعمال القرب.

@-(المسألة الرابعة) متى يستحب أن يقام إلى الصلاة، فبعض استحسن البدء في أول الإقامة على الأصل في الترغيب في المسارعة، وبعض عند قوله: قد قامت الصلاة، وبعضهم عند حي على الفلاح، وبعضهم قال: حتى يروا الإمام، وبعضهم لم يحد في ذلك حدا كمالك رضي الله عنه، فإنه وكل ذلك إلى قدر طاقة الناس، وليس في هذا شرع مسموع إلا حديث أبي قتادة أنه قال عليه الصلاة والسلام: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فإن صح هذا وجب العمل به، وإلا فالمسألة باقية على أصلها المعفو عنه: أعني أنه ليس فيها شرع، وأنه متى قام كل فحسن.

@-(المسألة الخامسة) ذهب مالك وكثير من العلماء إلى أن الداخل وراء الإمام إذا خاف فوات الركعة بأن يرفع الإمام رأسه منها إن تمادى حتى يصل إلى الصف الأول أن له أن يركع دون الصف الأول ثم يدب راكعا، وكره ذلك الشافعي، وفرق أبو حنيفة بين الجماعة والواحد، فكرهه للواحد، وأجازه للجماعة. وما ذهب إليه مالك مروي عن زيد بن ثابت وابن مسعود. وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح حديث أبي بكرة، وهو "أنه دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس وهم ركوع، فركع ثم سعى إلى الصف، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من الساعي؟ قال أبو بكرة أنا، قال: زادك الله حرصا ولا تعد".

*3*الفصل الرابع. في معرفة ما يجب على المأموم أن يتبع فيه الإمام.

@-وأجمع العلماء على أنه يجب على المأموم أن يتبع الإمام في جميع أقواله وأفعاله إلا في قوله: سمع الله لمن حمده، وفي جلوسه إذا صلى جالسا لمرض عند من أجاز إمامة الجالس. وأما اختلافهم في قوله سمع الله لمن حمده، فإن طائفة ذهبت إلى أن الإمام يقول إذا رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده فقط، ويقول المأموم: ربنا ولك الحمد فقط، وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة وغيرهما. وذهبت طائفة أخرى إلى أن الإمام والمأموم يقولان جميعا سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وإن المأموم يتبع فيهما معا الإمام كسائر التكبير سواء. وقد روي عن أبي حنيفة أن المنفرد والإمام يقولانهما جميعا، ولا خلاف في المنفرد: أعني أنه يقولهما جميعا. وسبب الاختلاف في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" والحديث الثاني حديث ابن عمر "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضا كذلك وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" فمن رجح مفهوم حديث أنس قال: لا يقول المأموم سمع الله لمن حمده ولا الإمام ربنا ولك الحمد، وهو من باب دليل الخطاب، لأنه جعل حكم المسكوت عنه بخلاف حكم المنطوق به. ومن رجح حديث ابن عمر قال: يقول الإمام ربنا ولك الحمد، ويجب على المأموم أن يتبع الإمام في قوله سمع الله لمن حمده لعموم قوله "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ومن جمع بين الحديثين فرق في ذلك بين الإمام والمأموم. والحق في ذلك أن حديث أنس يقتضي بدليل الخطاب أن الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده. وحديث ابن عمر يقتضي نصا أن الإمام يقول ربنا ولك الحمد، فلا يجب أن يترك النص بدليل الخطاب فإن النص أقوى من دليل الخطاب. وحديث أنس يقتضي بعمومه أن المأموم يقول: سمع الله لمن حمده بعموم قوله "إنما جعل الإمام ليؤتم به" وبدليل خطابه أن لا يقولها، فوجب أن يرجح بين العموم ودليل الخطاب، ولا خلاف أن العموم أقوى من دليل الخطاب، لكن العموم يختلف أيضا في القوة والضعف، ولذلك ليس يبعد أن يكون بعض أدلة الخطاب أقوى من بعض أدلة العموم فالمسألة لعمري اجتهادية: أعني في المأموم.

@-(وأما المسألة الثانية) وهي صلاة القائم خلف القاعد، فإن حاصل القول فيها أن العلماء اتفقوا على أنه ليس للصحيح أن يصلي فرضا قاعدا إذا كان منفردا أو إماما لقوله تعالى {وقوموا لله قانتين} واختلفوا إذا كان المأموم صحيحا فصلى خلف إمام مريض يصلي قاعدا على ثلاثة أقوال: أحدها أن المأموم يصلي خلفه قاعدا، وممن قال بهذا القول أحمد وإسحق، والقول الثاني أنهم يصلون خلفه قياما. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار الشافعي وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر وأبو ثور وغيرهم، وزاد هؤلاء فقال يصلون وراءه قياما وإن كان لا يقوى على الركوع والسجود بل يؤمئ إيماء. وروى ابن القاسم أنه لا تجوز إمامة القاعد وأنه إن صلوا خلفه قياما أو قعودا بطلت صلاتهم، وقد روي عن مالك أنهم يعيدون الصلاة في الوقت، وهذا إنما بني على الكراهة لا على المنع، والأول هو المشهور عنه. وسبب الاختلاف تعارض الآثار في ذلك ومعارضة العمل للآثار: أعني عمل أهل المدينة عند مالك، وذلك أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما حديث أنس، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا" وحديث عائشة في معناه، وهو "أنه صلى صلى الله عليه وسلم وهو شاك جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" والحديث الثاني حديث عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مرضه الذي توفي منه، فأتى المسجد فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كما أنت، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر" فذهب الناس في هذين الحديثين مذهبين: مذهب النسخ، ومذهب الترجيح. فأما من ذهب مذهب النسخ فإنهم قالوا: إن ظاهر حديث عائشة وهو "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤم الناس، وأن أبا بكر كان مسمعا" لأنه لا يجوز أن يكون إمامان في صلاة واحدة، وإن الناس كانوا قياما، وإن النبي عليه الصلاة والسلام كان جالسا، فوجب أن يكون هذا من فعله عليه الصلاة والسلام، إذ كان آخر ما فعله ناسخا لقوله وفعله المتقدم. وأما من ذهب مذهب الترجيح فإنهم رجحوا حديث أنس بأن قالوا إن هذا الحديث قد اضطربت الرواية عن عائشة فيه فيمن كان الإمام، هل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر؟. وأما مالك فليس له مستند من السماع، لأن كلا الحديثين اتفقا على جواز إمامة القاعد، وإنما اختلفا في قيام المأموم أو قعوده، حتى إنه لقد قال أبو محمد بن حزم إنه ليس في حديث عائشة أن الناس صلوا لا قياما ولا قعودا، وليس يجب أن يترك المنصوص عليه لشيء لم ينص عليه. قال أبو عمر: وقد ذكر أبو المصعب في مختصره عن مالك أنه قال: لا يؤم الناس أحد قاعدا، فإن أمهم قاعدا فسدت صلاتهم وصلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يؤمن أحد بعدي قاعدا" قال أبو عمر وهذا حديث لا يصح عند أهل العلم بالحديث، لأنه يرويه جابر الجعفي مرسلا، وليس بحجة فيما أسند فكيف فيما أرسل؟ وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه كان يحتج بما رواه ربيعة بن أبي عبد الرحمن "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وهو مريض، فكان أبو بكر هو الإمام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بصلاة أبي بكر وقال: ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته" وهذا ليس فيه حجة إلا أن يتوهم أنه ائتم بأبي بكر لأنه لا تجوز صلاة الإمام القاعد، وهذا ظن لا يجب أن يترك له النص مع ضعف هذا الحديث.

*4*الفصل الخامس في صفة الاتباع.

@-وفيه مسئلتان: إحداهما في وقت تكبيرة الإحرام للمأموم، والثانية في حكم من رفع رأسه قبل الإمام. أما اختلافهم في وقت تكبير المأموم، فإن مالكا استحسن أن يكبر بعد فراغ الإمام من تكبيرة الإحرام، قال: وإن كبر معه أجزأه، وقد قيل إنه لا يجزئه، وأما إن كبر قبله فلا يجزئه. وقال أبو حنيفة: وغيره يكبر مع تكبيرة الإمام، فإن فرغ قبله لم يجزه. وأما الشافعي فعنه في ذلك روايتان: إحداهما مثل قول مالك وهو الأشهر. والثانية أن المأموم إن كبر قبل الإمام أجزأه. وسبب الخلاف أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما قوله عليه الصلاة والسلام "فإذا كبر فكبروا" والثاني ما روي "أنه عليه الصلاة والسلام كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا فذهب ثم رجع وعلى رأسه أثر الماء" فظاهر هذا أن تكبيره وقع بعد تكبيرهم لأنه لم يكن له تكبير أولا لمكان عدم الطهارة، وهو أيضا مبني على أصله أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، والحديث ليس فيه ذكر هل استأنفوا التكبير أو لم يستأنفوه، فليس ينبغي أن يحمل على أحدهما إلا بتوقيف، والأصل هو الاتباع وذلك لا يكون إلا بعد أن يتقدم الإمام إما بالتكبير وإما بافتتاحه. وأما من رفع رأسه قبل الإمام فإن الجمهور يرون أنه أساء ولكن صلاته جائزة، وأنه يجب عليه أن يرجع فيتبع الإمام. وذهب قوم إلى أن صلاته تبطل للوعيد الذي جاء في ذلك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار"؟.

*4*الفصل السادس فيما حمله الإمام عن المأمومين.

@-واتفقوا على أنه لا يحمل الإمام عن المأموم شيئا من فرائض الصلاة ما عدا القراءة، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه ولا يقرأ معه فيما جهر به. والثاني أنه لا يقرأ معه أصلا. والثالث أنه يقرأ فيما أسر أم الكتاب وغيرها، وفيما جهر أم الكتاب فقط، وبعضهم فرق في الجهر بين أن يسمع قراءة الإمام أو لا يسمع، فأوجب عليه القراءة إذا لم يسمع، ونهاه عنها إذا سمع، وبالأول قال مالك، إلا أنه يستحسن له القراءة فيما أسر فيه الإمام. وبالثاني قال أبو حنيفة، وبالثالث قال الشافعي، والتفرقة بين أن يسمع أو لا يسمع هو قول أحمد بن حنبل. والسبب في اختلافهم اختلاف الأحاديث في هذا الباب وبناء بعضها على بعض، وذلك أن في ذلك أربعة أحاديث: أحدها قوله عليه الصلاة والسلام "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وما ورد من الأحاديث في هذا المعنى مما ذكرناه في باب وجوب القراءة. والثاني ما روى مالك عن أبي هريرة؟ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفا، فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله، فقال رسول الله: إني أقول مالي أنازع القرآن" فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثالث حديث عبادة بن الصامت قال "صلى بنا رسول الله صلاة الغداة فثقلت عليه القراءة. فلما انصرف قال: إني لأراكم تقرءون وراء الإمام، قلنا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن" قال أبو عمر، وحديث عبادة بن الصامت هنا من رواية مكحول وغيره متصل السند صحيح. والحديث الرابع حديث جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال "من كان له إمام فقراءته له قراءة" وفي هذا أيضا حديث خامس صححه أحمد بن حنبل، وهو ما روي أنه قال عليه الصلاة والسلام "إذا قرأ الإمام فأنصتوا" فاختلف الناس في وجه جمع هذه الأحاديث. فمن الناس من استثنى من النهي عن القراءة فيما جهر فيه الإمام قراءة أم القرآن فقط على حديث عبادة بن الصامت. ومنهم من استثنى من عموم قوله عليه الصلاة والسلام "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" المأموم فقط في صلاة الجهر لمكان النهي الوارد عن القراءة فيما جهر فيه الإمام في حديث أبي هريرة، وأكد ذلك بظاهر قوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} قالوا: وهذا إنما ورد في الصلاة. ومنهم من استثنى القراءة الواجبة على المصلي المأموم فقط سرا كانت الصلاة أو جهرا، وجعل الوجوب الوارد في القراءة في حق الإمام والمنفرد فقط مصيرا إلى حديث جابر، وهو مذهب أبي حنيفة، فصار عنده حديث جابر مخصصا لقوله عليه الصلاة والسلام "واقرأ ما تيسر معك فقط" لأنه لا يرى وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة، وإنما يرى وجوب القراءة مطلقا على ما تقدم، وحديث جابر لم يروه مرفوعا إلا جابر الجعفي، ولا حجة في شيء مما ينفرد به. قال أبو عمر: وهو حديث لا يصح إلا مرفوعا عن جابر.

*4*الفصل السابع. في الأشياء التي إذا فسدت لها صلاة الإمام يتعدى الفساد إلى المأمومين.

@-واتفقوا على أنه إذا طرأ عليه الحدث في الصلاة فقطع أن صلاة المأمومين ليست تفسد. واختلفوا إذا صلى بهم وهو جنب وعلموا بذلك بعد الصلاة، فقال قوم: صلاتهم صحيحة، وقال قوم: صلاتهم فاسدة، وفرق قوم بين أن يكون الإمام عالما بجنابته أو ناسيا لها، فقالوا إن كان عالما فسدت صلاتهم، وإن كان ناسيا لم تفسد صلاتهم، وبالأول قال الشافعي، وبالثاني قال أبو حنيفة، وبالثالث قال مالك. وسبب اختلافهم هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة الإمام أم ليست مرتبطة؟ فمن لم يرها مرتبطة قال: صلاتهم جائزة، ومن رآها مرتبطة قال: صلاتهم فاسدة، ومن فرق بين السهو والعمد قصد إلى ظاهر الأثر المتقدم وهو "أنه عليه الصلاة والسلام كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب ثم رجع وعلى جسمه أثر الماء" فإن ظاهر هذا أنهم بنوا على صلاتهم والشافعي يرى أنه لو كانت الصلاة مرتبطة للزم أن يبدءوا بالصلاة مرة ثانية.

*3*الباب الثالث من الجملة الثالثة.

@-والكلام المحيط بقواعد هذا الباب منحصر في أربعة فصول: الفصل الأول: في وجوب الجمعة وعلى من تجب. الثاني: في شروط الجمعة. الثالث: في أركان الجمعة. الرابع: في أحكام الجمعة.

*4*الفصل الأول في وجوب الجمعة ومن تجب عليه.

@-أما وجوب صلاة الجمعة على الأعيان فهو الذي عليه الجمهور لكونها بدلا من واجب وهو الظهر، ولظاهر قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} والأمر على الوجوب، ولقوله عليه الصلاة والسلام "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم" وذهب قوم إلى أنها من فروض الكفايات. وعن مالك رواية شاذة أنها سنة. والسبب في هذا الاختلاف تشبيهها بصلاة العيد لقوله عليه الصلاة والسلام "إن هذا يوم جعله الله عيدا" وأما على من تجب فعلى من وجدت فيه شروط وجوب الصلاة المتقدمة ووجد فيها زائدا عليها أربعة شروط اثنان باتفاق واثنان مختلف فيهما. أما المتفق عليهما فالذكورة والصحة، فلا تجب على امرأة ولا على مريض باتفاق، ولكن إن حضروا كانوا من أهل الجمعة. وأما المختلف فيهما فهما المسافر والعبد، فالجمهور على أنه لا تجب عليهما الجمعة، وداود وأصحابه على أنه تجب عليهما الجمعة. وسبب اختلافهم اختلافهم في صحة الأثر الوارد في ذلك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك. أو امرأة. أو صبي أو مريض" وفي أخرى "إلا خمسة"وفيه "أو مسافر" والحديث لم يصح عند أكثر العلماء.

*4*الفصل الثاني في شروط الجمعة.

@-وأما شروط الجمعة فاتفقوا على أنها شروط الصلاة المفروضة بعينها: أعني الثمانية المتقدمة ما عدا الوقت والأذان، فإنهم اختلفوا فيهما، وكذلك اختلفوا في شروطها المختصة بها. أما الوقت فإن الجمهور على أن وقتها وقت الظهر بعينه: أعني وقت الزوال، وأنها لا تجوز قبل الزوال، وذهب قوم إلى أنه يجوز أن تصلى قبل الزوال وهو قول أحمد بن حنبل. والسبب في هذا الاختلاف في مفهوم الآثار الواردة في تعجيل الجمعة مثل ما خرجه البخاري عن سهل بن سعد أنه قال ما كنا نتغدى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نقيل إلا بعد الجمعة. ومثل ما روي أنهم كانوا يصلون وينصرفون وما للجدران أظلال، فمن فهم من هذه الآثار الصلاة قبل الزوال أجاز ذلك، ومن لم يفهم منها إلا التكبير فقط لم يجز ذلك لئلا تتعارض الأصول في هذا الباب، وذلك أنه قد ثبت من حديث أنس بن مالك "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس" وأيضا فإنها لما كانت بدلا من الظهر وجب أن يكون وقتها وقت الظهر، فوجب من طريق الجمع بين هذه الآثار أن تحمل تلك على التبكير، إذ ليست نصا في الصلاة قبل الزوال، وهو الذي عليه الجمهور.

وأما الأذان فإن جمهور الفقهاء اتفقوا على أن وقته هو إذا جلس الإمام على المنبر واختلفوا هل يؤذن بين يدي الإمام مؤذن واحد فقط أو أكثر من واحد؟ فذهب بعضهم إلى أنه إنما يؤذن بين يدي الإمام مؤذن واحد فقط، وهو الذي يحرم به البيع والشراء. وقال آخرون: بل يؤذن اثنان فقط. وقال قوم: بل إنما يؤذن ثلاثة. والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك، وذلك أنه روى البخاري عن السائب ابن يزيد أنه قال "كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان زمان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء" وروي أيضا عن السائب بن يزيد أنه قال "لم يكن يوم الجمعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد" وروي أيضا عن سعيد بن المسيب أنه قال "كان الأذان يوم الجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر أذانا واحدا حين يخرج الإمام فلما كان زمان عثمان وكثر الناس فزاد الأذان الأول ليتهيأ الناس للجمعة" ورى ابن حبيب "أن المؤذنين كانوا يوم الجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة" فذهب قوم إلى ظاهر ما رواه البخاري، وقالوا: يؤذن يوم الجمعة مؤذنان. وذهب آخرون إلى أن المؤذن واحد فقالوا: إن معنى قوله: فلما كان زمان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث أن النداء الثاني هو الإقامة.

وأخذ آخرون بما رواه ابن حبيب، وأحاديث ابن حبيب عند أهل الحديث ضعيفة ولا سيما بما انفرد به. وأما شروط الوجوب والصحة المختصة ليوم الجمعة فاتفق الكل على أن من شرطها الجماعة، واختلفوا في مقدار الجماعة، فمنهم من قال: واحد مع الإمام وهو الطبري. ومنهم من قال اثنان سوى الإمام. ومنهم من قال: ثلاثة دون الإمام، وهو قول أبي حنيفة. ومنهم من اشترط أربعين، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال قوم ثلاثين. ومنهم من لم يشترط عددا، ولكن رأى أنه يجوز بما دون الأربعين ولا يجوز بالثلاثة والأربعة، وهو مذهب مالك، وحدهم بأنهم الذين يمكن أن تتقرى بهم قرية.

وسبب اختلافهم في هذا اختلافهم في أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع هل ذلك ثلاثة أو أربعة أو اثنان، وهل الإمام داخل فيهم أم ليس بداخل فيهم؟ وهل الجمع المشترط في هذه الصلاة هو أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع في غالب الأحوال، وذلك هو أكثر من الثلاثة والأربعة، فمن ذهب إلى أن الشرط في ذلك هو أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع وكان عنده أن أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع اثنان، فإن كان ممن يعد الإمام في الجمع المشترط في ذلك قال تقوم الجمعة باثنين الإمام وواحد ثان، وإن كان ممن لا يرى أن يعد الإمام في الجمع قال تقوم باثنين سوى الإمام، ومن كان أيضا عنده أن أقل الجمع ثلاثة، فإن كان لا يعد الإمام في جملتهم قال بثلاثة سوى الإمام، وإن كان ممن يعد الإمام في جملتهم وافق قول من قال أقل الجمع اثنان ولم يعد الإمام في جملتهم. وأما من راعى ما ينطلق عليه في الأكثر والعرف المستعمل اسم الجمع قال لا تنعقد بالاثنين ولا بالأربعة ولم يحد في ذلك حدا، ولما كان من شرط الجمعة الاستيطان عنده حد هذا الجمع بالقدر من الناس الذين يمكنهم أن يسكنوا على حدة من الناس وهو مالك رحمه الله. وأما من اشترط الأربعين فمصيرا إلى ما روي أن هذا العدد كان في أول جمعة صليت بالناس، فهذا هو أحد شروط صلاة الجمعة: أعني شروط الوجوب وشروط الصحة فإن من الشروط ما هي شروط وجوب فقط، ومنها ما يجمع الأمرين جميعا: أعني أنها شروط وجوب وشروط صحة. وأما الشرط الثاني وهو الاستيطان، فإن فقهاء الأمصار اتفقوا عليه لاتفاقهم على أن الجمعة لا تجب على مسافر، وخالف في ذلك أهل الظاهر لإيجابهم الجمعة على المسافر.

واشترط أبو حنيفة المصر والسلطان مع هذا، ولم يشترط العدد. وسبب اختلافهم في هذا الباب هو الاحتمال المتطرق إلى الأحوال الراتبة التي اقترنت بهذه الصلاة عند فعله إياها صلى الله عليه وسلم هل هي شرط في صحتها أو وجوبها أم ليست بشرط؟ وذلك أنه لم يصلها صلى الله عليه وسلم إلا في جماعة ومصر ومسجد جامع، فمن رأى أن اقتران هذه الأشياء بصلاته مما يوجب كونها شرطا في صلاة الجمعة اشترطها، ومن رأى بعضها دون بعض اشترط ذلك البعض دون غيره كاشتراط مالك المسجد وتركه اشتراط المصر والسلطان، ومن هذا الوضع اختلفوا في مسائل كثيرة من هذا الباب مثل اختلافهم هل تقام جمعتان في مصر واحد أو لا تقام؟ والسبب في اختلافهم في اشتراط الأحوال والأفعال المقترنة بها هو كون بعض تلك الأحوال أشد مناسبة لأفعال الصلاة من بعض، ولذلك اتفقوا على اشتراط الجماعة، إذ كان معلوما من الشرع أنها حال من الأحوال الموجودة في الصلاة، ولم ير مالك المصر ولا السلطان شرطا في ذلك لكونه غير مناسب لأحوال الصلاة ورأى أن المسجد شرطا لكونه أقرب مناسبة، حتى لقد اختلف المتأخرون من أصحابه هل من شرط المسجد السقف أم لا؟ وهل من شرطه أن تكون الجمعة راتبة فيه أم لا؟ وهذا كله لعله تعمق في هذا الباب ودين الله يسر. ولقائل أن يقول: إن هذه لو كانت شروطا في صحة الصلاة لما جاز أن يسكت عنها عليه الصلاة والسلام، ولا أن يترك بيانها لقوله تعالى {لتبين للناس ما نزل إليهم} ولقوله تعالى {لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} والله المرشد للصواب.

*4*الفصل الثالث في الأركان. اتفق المسلمون على أنها خطبة وركعتان بعد الخطبة، واختلفوا في ذلك في خمس مسائل هي قواعد هذا الباب.

@-(المسألة الأولى) في الخطبة، هل هي شرط في صحة الصلاة وركن من أركانها أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنها شرط وركن. وقال قوم: إنها ليست بفرض، وجمهور أصحاب مالك على أنها فرض إلا ابن الماجشون. وسبب اختلافهم هو هل الأصل المتقدم من احتمال كل ما اقترن بهذه الصلاة أن يكون من شروطها أو لا يكون. فمن رأى أن الخطبة حال من الأحوال المختصة بهذه الصلاة، وبخاصة إذا توهم أنها عوض من الركعتين اللتين نقصتا من هذه الصلاة قال: إنها ركن من أركان هذه الصلاة وشرط في صحتها، ومن رأى أن المقصود منها هو الموعظة المقصودة من سائر الخطب رأى أنها ليست شرطا من شروط الصلاة، وإنما وقع خلاف في هذه الخطبة هل هي فرض أم لا؟ لكونها راتبة من سائر الخطب، وقد احتج قوم لوجوبها بقوله تعالى {فاسعوا إلى ذكر الله} وقالوا هو الخطبة.

@-(المسألة الثانية) واختلف الذين قالوا بوجوبها في القدر المجزئ منها فقال ابن القاسم: هو أقل ما ينطلق اسم خطبة في كلام العرب من الكلام المؤلف المبتدأ بحمد الله. وقال الشافعي: أقل ما يجزئ من ذلك خطبتان اثنتان يكون في كل واحدة منهما قائما يفصل إحداهما من الأخرى بجلسة خفيفة يحمد الله في كل واحدة منهما في أولها ويصلي على النبي ويوصي بتقوى الله ويقرأ شيئا من القرآن في الأولى ويدعو في الآخرة والسبب في اختلافهم هو هل يجزئ من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم اللغوي أو الاسم الشرعي، فمن رأى أن المجزئ أقل ما ينطلق عليه الاسم اللغوي لم يشترط فيها شيئا من الأقوال التي نقلت عنه صلى الله عليه وسلم فيها. ومن رأى أن المجزئ من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم الشرعي اشترط فيها أصول الأقوال التي نقلت من خطبه صلى الله عليه وسلم: أعني الأقوال الراتبة الغير مبتذلة. والسبب في هذا الاختلاف أن الخطبة التي نقلت عنه فيها أقوال راتبة وغير راتبة، فمن اعتبر الأقوال الغير راتبة وغلب حكمها قال: يكفي من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم اللغوي: أعني اسم خطبة عند العرب. ومن اعتبر الأقوال الراتبة وغلب حكمها قال: لا يجزئ من ذلك إلا أقل ما ينطلق عليه اسم الخطبة في عرف الشرع واستعماله، وليس من شرط الخطبة عند مالك الجلوس، وهو شرط كما قلنا عند الشافعي، وذلك أنه من اعتبر المعنى المعقول منه من كونه استراحة للخطيب لم يجعله شرطا، ومن جعل ذلك عبادة جعله شرطا.

@-(المسألة الثالثة) اختلفوا في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب على ثلاثة أقوال: فمنهم من رأى أن الإنصات واجب على كل حال وأنه حكم لازم من أحكام الخطبة، وهم الجمهور ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وجميع فقهاء الأمصار، وهؤلاء انقسموا ثلاثة أقسام، فبعضهم أجاز التشميت ورد السلام في وقت الخطبة، وبه قال الثوري والأوزاعي وغيرهم وبعضهم لم يجز رد السلام ولا التشميت، وبعض فرق بين السلام والتشميت فقالوا يرد السلام ولا يشمت، والقول الثاني مقابل القول الأول، وهو أن الكلام في حال الخطبة جائز إلا في حين قراءة القرآن فيها، وهو مروي عن الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، والقول الثالث الفرق بين أن يسمع الخطبة أو لا يسمعها، فإن سمعها أنصت وإن لم يسمع جاز له أن يسبح أو يتكلم في مسألة من العلم، وبه قال أحمد وعطاء وجماعة، والجمهور على أنه إن تكلم لم تفسد صلاته. وروي عن ابن وهب أنه قال: من لغا فصلاته ظهر أربع وإنما صار الجمهور لوجوب الإنصات لحديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" وأما من لم يوجبه فلا أعلم لهم شبهة إلا أن يكونوا يرون أن هذا الأمر قد عارضه دليل الخطاب في قوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} أي أن ما عدا القرآن فليس يجب له الإنصات، وهذا فيه ضعف والله أعلم. والأشبه أن يكون هذا الحديث لم يصلهم. وأما اختلافهم في رد السلام وتشميث العاطس، فالسبب فيه تعارض عموم الأمر بذلك لعموم الأمر بالإنصات، واحتمال أن يكون كل واحد منهما مستثنى من صاحبه، فمن استثنى من عموم الأمر بالصمت يوم الجمعة الأمر بالسلام وتشميت العاطس أجازهما، ومن استثنى من عموم الأمر برد السلام والتشميت الأمر بالصمت في حين الخطبة لم يجز ذلك، ومن فرق فإنه استثنى رد السلام من النهي عن التكلم في الخطبة، واستثنى من عموم الأمر التشميت وقت الخطبة، وإنما ذهب واحد واحد من هؤلاء إلى واحد واحد من المستثنيات لما غلب على ظنه من قوة العموم في أحدها وضعفه في الآخر، وذلك أن الأمر بالصمت هو عام في الكلام خاص في الوقت، والأمر برد السلام والتشميت هو عام في الوقت خاص في الكلام، فمن استثنى الزمان الخاص من الكلام العام لم يجز رد السلام ولا التشميت في وقت الخطبة، ومن استثنى الكلام الخاص من النهي عن الكلام العام أجاز ذلك. والصواب أن لا يصار لاستثناء أحد العمومين بأحد الخصوصين إلا بدليل، فإن عسر ذلك فبالنظر في ترجيح العمومات والخصوصات، وترجيح تأكيد الأوامر بها والقول في تفصيل ذلك يطول، ولكن معرفة ذلك بإيجاز أنه إن كانت الأوامر قوتها واحدة والعمومات والخصوصات قوتها واحدة ولم يكن هنالك دليل على أي يستثنى من أي وقع التمانع ضرورة، وهذا يقل وجوده، وإن لم يكن فوجه الترجيح في العمومات والخصوصات الواقعة في أمثال هذه المواضع هو النظر إلى جميع أقسام النسب الواقعة بين الخصوصين والعمومين، وهي أربع: عمومان في مرتبة واحدة من القوة، وخصوصان في مرتبة واحدة من القوة، فهذا لا يصار لإستثناء أحدهما إلا بدليل، والثاني مقابل هذا، وهو خصوص في نهاية القوة وعموم في نهاية الضعف، فهذا يجب أن يصار إليه ولا بد أعني أن يستثنى من العموم الخصوص، الثالث خصوصان في مرتبة واحدة، وأحد العمومين أضعف من الثاني، فهذا ينبغي أن يخصص فيه العموم الضعيف، الرابع عمومان في مرتبة واحدة وأحد الخصوصين أقوى من الثاني، فهذا يجب أن يكون الحكم فيه للخصوص القوي، وهذا كله إذا تساوت الأوامر فيها في مفهوم التأكيد، فإن اختلفت حدثت من ذلك تراكيب مختلفة ووجبت المقايسة أيضا بين قوة الألفاظ وقوة الأوامر، ولعسر انضباط هذه الأشياء قيل إن كل مجتهد مصيب أو أقل ذلك غير مأثوم.

@-(المسألة الرابعة) اختلفوا فيمن جاء يوم الجمعة والإمام على المنبر: هل يركع أم لا؟ فذهب بعض إلى أنه لا يركع وهو مذهب مالك، وذهب بعضهم إلى أنه يركع. والسبب في اختلافهم معارضة القياس لعموم الأثر، وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين" يوجب أن يركع الداخل في المسجد يوم الجمعة وإن كان الإمام يخطب، والأمر بالإنصات إلى الخطيب يوجب دليله أن لا يشتغل بشيء مما يشغل عن الإنصات وإن كان عبادة، ويؤيد عموم هذا الأثر ما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام "إذا جاء أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين خفيفتين" خرجه مسلم في بعض رواياته، وأكثر رواياته "أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر الرجل الداخل أن يركع، ولم يقل إذا جاء أحدكم" الحديث. فيتطرق إلى هذا الخلاف في هل تقبل زيادة الراوي الواحد إذا خالفه أصحابه عن الشيخ الأول الذي اجتمعوا في الرواية عنه أم لا؟ فإن صحت الزيادة وجب العمل بها، فإنها نص في موضع الخلاف والنص لا يجب أن يعارض بالقياس، لكن يشبه أن يكون الذي راعاه مالك في هذا هو العمل.

@-(المسألة الخامسة) أكثر الفقهاء على أن من سنة القراءة في صلاة الجمعة قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى لما تكرر ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام، وذلك أنه خرج مسلم عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى بالجمعة، وفي الثانية بإذا جاءك المنافقون" وروى مالك أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة قال "كان يقرأ بهل أتاك حديث الغاشية" واستحب مالك العمل على هذا الحديث وإن قرأ عنده بسبح اسم ربك الأعلى كان حسنا، لأنه مروي عن عمر بن عبد العزيز وأما أبو حنيفة فلم يقف فيها شيئا. والسبب في اختلافهم معارضة حال الفعل للقياس، وذلك أن القياس يوجب أن لا يكون لها سورة راتبة كالحال في سائر الصلوات، ودليل الفعل يقتضي أن يكون لها سورة راتبة. وقال القاضي: خرج مسلم عن النعمان ابن بشير "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية" قال فإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما في الصلاتين، وهذا يدل على أنه ليس هناك سورة راتبة وأن الجمعة ليس كان يقرأ بها دائما.

*4*الفصل الرابع في أحكام الجمعة.

@-وفي هذا الباب أربع مسائل. الأولى: في حكم طهر الجمعة. الثانية: على من تجب ممن خارج المصر. الثالثة: في وقت الرواح المرغب فيه إلى الجمعة. الرابعة: في جواز البيع يوم الجمعة بعد النداء.

@-(المسألة الأولى) اختلفوا في طهر الجمعة؛ فذهب الجمهور إلى أنه سنة، وذهب أهل الظاهر إلى أنه فرض ولا خلاف فيما أعلم أنه ليس شرطا في صحة الصلاة، والسبب في اختلافهم تعارض الآثار وذلك أن في هذا الباب حديث أبي سعيد الخدري، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "طهر يوم الجمعة واجب على كل محتلم كطهر الجنابة" وفيه حديث عائشة قالت: "كان الناس عمال أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لو اغتسلتم؟ والأول صحيح باتفاق، والثاني خرجه أبو داود ومسلم. وظاهر حديث أبي سعيد يقتضي وجوب الغسل، وظاهر حديث عاشة أن ذلك كان لموضع النظافة وأنه ليس عبادة، وقد روي "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" وهو نص في سقوط فرضيته إلا أنه حديث ضعيف. وأما وجوب الجمعة على من هو خارج المصر، فإن قوما قالوا: لا تجب على من خارج المصر، وقوم قالوا: بل تجب، وهؤلاء اختلفوا اختلافا كثيرا، فمنهم من قال: من كان بينه وبين الجمعة مسيرة يوم وجب عليه الإتيان إليها وهو شاذ، ومنهم من قال يجب عليه الإتيان إليها على ثلاثة أميال، ومنهم من قال: يجب عليه الإتيان من حيث يسمع النداء في الأغلب، وذلك من ثلاثة أميال من موضع النداء، وهذان القولان عن مالك، وهذه المسألة ثبتت في شروط الوجوب. وسبب اختلافهم في هذا الباب اختلاف الآثار، وذلك أنه ورد أن الناس كانوا يأتون الجمعة من العوالي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ثلاثة أميال من المدينة. وروى أبو داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "الجمعة على من سمع النداء" وروي "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" وهو أثر ضعيف وأما اختلافهم في الساعات التي وردت في فضل الرواح، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة" فإن الشافعي وجماعة من العلماء اعتقدوا أن هذه الساعات هي ساعات النهار فندبوا إلى الرواح من أول النهار، وذهب مالك إلى أنها أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال وبعده، وقال قوم: هي أجزاء ساعة قبل الزوال وهو الأظهر لوجوب السعي بعد الزوال إلا على مذهب من يرى أن الواجب يدخله الفضيلة. وأما اختلافهم في البيع والشراء وقت النداء فإن قوما قالوا: يفسخ البيع إذا وقع النداء، وقوما قالوا لا يفسخ. وسبب اختلافهم هل النهي عن الشيء الذي أصله مباح إذا تقيد النهي بصفة يعود بفساد المنهي عنه أم لا؟. وآداب الجمعة ثلاث الطيب والسواك واللباس الحسن، ولا خلاف فيه لورود الآثار بذلك.

*3*الباب الرابع في صلاة السفر.

@-وهذا الباب فيه فصلان: الفصل الأول في القصر. الفصل الثاني في الجمع.

*4*الفصل الأول في القصر.

@-والسفر له تأثير في القصر باتفاق، وفي الجمع باختلاف. أما القصر فإنه اتفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر إلا قول شاذ، وهو قول عائشة وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف لقوله تعالى {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} وقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قصر لأنه كان خائفا، واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع: أحدها في حكم القصر، والثاني في المسافة التي يجب فيها القصر، والثالث في السفر الذي يجب فيه القصر، والرابع في الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالتقصير، والخامس في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه إذا أقام في موضع أن يقصر الصلاة. فأما حكم القصر فإنهم اختلفوا فيه على أربعة أقوال: فمنهم من رأى أن القصر هو فرض المسافر المتعين عليه. ومنهم من رأى أن القصر والإتمام كلاهما فرض مخير له كالخيار في واجب الكفارة. ومنهم من رأى أن القصر سنة. ومنهم من رأى أنه رخصة وأن الإتمام أفضل، وبالقول الأول قال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون بأسرهم: أعني أنه فرض متعين، وبالثاني قال بعض أصحاب الشافعي وبالثالث "أعني أنه سنة" قال مالك في أشهر الروايات عنه. وبالرابع "أعني أنه رخصة" قال الشافعي في أشهر الروايات عنه، وهو المنصور عند أصحابه. والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول لصيغة اللفظ المنقول ومعارضة دليل الفعل أيضا للمعنى المعقول ولصيغة اللفظ المنقول، وذلك أن المفهوم من قصر الصلاة للمسافر إنما هو الرخصة لموضع المشقة كما رخص له في الفطر وفي أشياء كثيرة

ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية قال "قلت لعمر: إنما قال الله {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} يريد في قصر الصلاة في السفر، فقال عمر "عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتني عنه فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" فمفهوم هذا الرخصة. وحديث أبي قلابة عن رجل من بني عامر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" وهما في الصحيح، وهذا كله يدل على التخفيف والرخصة ورفع الحرج، لا أن القصر هو الواجب ولا أنه سنة. وأما الأثر الذي يعارض بصيغته المعنى المعقول ومفهوم هذه الآثار فحديث عائشة الثابت باتفاق قالت "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر" وأما دليل الفعل الذي يعارض المعنى المعقول ومفهوم الأثر المنقول فإنه ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام من قصر الصلاة في كل أسفاره، وأنه لم يصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه أتم الصلاة قط فمن ذهب إلى أنه سنة أو واجب مخير فإنما حمله على ذلك أنه لم يصح عنده "أن النبي عليه الصلاة والسلام أتم الصلاة وما هذا شأنه"

فقد يجب أن يكون أحد الوجهين: أعني إما واجبا مخيرا، وإما أن يكون سنة، وإما أن يكون فرضا معينا، لكن كونه فرضا معينا يعارضه المعنى المعقول، وكونه رخصة يعارضه اللفظ المنقول، فوجب أن يكون واجبا مخيرا أو سنة، وكان هذا نوعا من طريق الجمع، وقد اعتلوا لحديث عائشة بالمشهور عنها من أنها كانت تتم، وروى عطاء "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتم الصلاة في السفر ويقصر ويصوم ويفطر ويؤخر الظهر ويعجل العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء" ومما يعارضه أيضا حديث أنس وأبي نجيح المكي قال: اصطحبت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكان بعضهم يتم وبعضهم يقصر وبعضهم يصوم وبعضهم يفطر، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء، ولم يختلف في إتمام الصلاة عن عثمان وعائشة، فهذا هو اختلافهم في الموضع الأول. وأما اختلافهم في الموضع الثاني وهي المسافة التي يجوز فيها القصر، فإن العلماء اختلفوا في ذلك أيضا اختلافا كثيرا، فذهب مالك والشافعي وأحمد وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة برد، وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط.

وقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون: أقل ما تقصر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أفق إلى أفق. وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريبا كان أو بعيدا. والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظ، وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك فيجب القصر حيث المشقة. وأما من لا يراعي في ذلك إلا اللفظ فقط، فقالوا: قد قال النبي عليه الصلاة والسلام "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" فكل من انطلق عليه اسم مسافر جاز له القصر والفطر، وأيدوا ذلك بما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب "أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقصر في نحو السبعة عشر ميلا" وذهب قوم إلى خامس كما قلنا وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف لقوله تعالى {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} وقد قيل إنه مذهب عائشة وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر لأنه كان خائفا.

وأما اختلاف أولئك الذين اعتبروا المشقة فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة برد مروي عن ابن عمر وابن عباس، ورواه مالك، ومذهب الثلاثة أيام مروي أيضا عن ابن مسعود وعثمان وغيرهما. وأما الموضع الثالث وهو اختلافهم في نوع السفر الذي تقتصر فيه الصلاة، فرأى بعضهم أن ذلك مقصور على السفر المتقرب به كالحج والعمرة والجهاد، وممن قال بهذا القول أحمد. ومنهم من أجازه في السفر المباح دون سفر المعصية، وبهذا القول قال مالك والشافعي. ومنهم من أجازه في كل سفر قربة كان أو مباحا أو معصية وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأبو ثور. والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول أو ظاهر اللفظ لدليل الفعل، وذلك أن من اعتبر المشقة أو ظاهر لفظ السفر لم يفرق بين سفر وسفر. وأما من اعتبر دليل الفعل قال: إنه لا يجوز إلا في السفر المتقرب به لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقصر قط إلا في سفر متقرب به. وأما من فرق بين المباح والمعصية فعلى جهة التغليظ،

والأصل فيه: هل تجوز الرخص للعصاة أم لا؟ وهذه مسألة عارض فيها اللفظ المعنى، فاختلف الناس فيها لذلك. وأما الموضع الرابع وهو اختلافهم في الموضع الذي منه يبدأ المسافر بقصر الصلاة، فإن مالكا قال في الموطأ: لا يقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية ولا يتم حتى يدخل أول بيوتها. وقد روي عنه أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال، وذلك عنده أقصى ما تجب فيه الجمعة على من كان خارج المصر في إحدى الروايتين عنه، وبالقول الأول قال الجمهور. والسبب في هذا الاختلاف معارضة مفهوم الاسم لدليل الفعل، وذلك أنه إذا شرع في السفر فقد انطلق عليه اسم مسافر فمن راعى مفهوم الاسم قال: إذل خرج من بيوت القرية قصر. ومن راعى دليل الفعل: أعني فعله عليه الصلاة والسلام قال: لا يقصر إلا إذا خرج من بيوت القرية بثلاثة أميال لما صح من حديث أنس قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ {شعبة الشاك} صلى ركعتين" وأما اختلافهم في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا قام فيه في بلد أن يقصر فاختلاف كثير حكى فيه أبو عمر نحوا من أحد عشر قولا، إلا أن الأشهر منها هو ما عليه فقهاء الأمصار ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها مذهب مالك والشافعي إنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم. والثاني مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يوما أتم. والثالث مذهب أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتم. وسبب الخلاف أنه أمر مسكوت عنه في الشرع والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التي نقلت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيها مقصرا، أو أنه جعل لها حكم المسافر. فالفريق الأول احتجوا لمذهبهم بما روى "أنه عليه الصلاة والسلام أقام بمكة ثلاثا يقصر في عمرته" وهذا ليس فيه حجة على أنه النهاية للتقصير،

وإنما فيه حجة على أنه يقصر في الثلاثة فما دونها. والفريق الثاني احتجوا لمذهبهم بما روي أنه أقام بمكة مقصرا وذلك نحوا من خمسة عشر يوما في بعض الروايات وقد روي سبعة عشر يوما وثمانية عشر يوما وتسعة عشر يوما، رواه البخاري عن ابن عباس، وبكل قال فريق. والفريق الثالث احتجوا بمقامه في حجة بمكة مقصرا أربعة أيام، وقد احتجت المالكية لمذهبها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للمهاجر ثلاثة أيام بمكة مقام بعد قضاء نسكه" فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر، وهي النكتة التي ذهب الجميع إليها، وراموا استنباطها من فعله عليه الصلاة والسلام: أعني متى يرتفع عنه بقصد الإقامة اسم السفر، ولذلك اتفقوا على أنه إن كانت الإقامة مدة لا يرتفع فيها عنه اسم السفر بحسب رأي واحد منهم في تلك المدة وعاقه عائق عن السفر أنه يقصر أبدا، وإن أقام ما شاء الله. ومن راعى الزمان الأقل من مقامه تأول مقامه في الزمان الأكثر مما ادعاه خصمه على هذه الجهة؛ فقالت المالكية مثلا إن الخمسة عشر يوما التي أقامها عليه الصلاة والسلام عام الفتح إنما أقامها وهو أبدا ينوي أنه لا يقيم أربعة أيام، وهذا بعينه يلزمهم في الزمان الذي حدوه، والأشبه في المجتهد في هذا أن يسلك أحد أمرين: إما أن يجعل الحكم لأكثر الزمان الذي روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيه مقصرا، ويجعل ذلك حدا من جهة الأصل هو الإتمام فوجب ألا يزاد على هذا الزمان إلا بدليل، أو يقول إن الأصل في هذا هو أقل الزمان الذي وقع عليه الإجماع، وما ورد من أنه عليه الصلاة والسلام أقام مقصرا أكثر من ذلك الزمان، فيحتمل أن يكون أقامه لأنه جائز للمسافر، ويحتمل أن يكون أقامه بنية الزمان الذي تجوز إقامته فيه مقصرا باتفاق، فعرض له أن قام أكثر من ذلك، وإذا كان الاحتمال وجب التمسك بالأصل، وأقل ما قيل في ذلك يوم وليلة، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن. وروي عن الحسن البصري أن المسافر يقصر أبدا إلا أن يقدم مصرا من الأمصار، وهذا بناء على أن اسم السفر واقع عليه حتى يقدم مصرا من الأمصار، فهذه أمهات المسائل التي تتعلق بالقصر.

*4*الفصل الثاني في الجمع.

@-وأما الجمع فإنه يتعلق به ثلاث مسائل: إحداها جوازه. والثانية في صفة الجمع. والثالثة في مبيحات الجمع. أما جوازه فإنهم أجمعوا على أن الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة سنة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضا في وقت العشاء سنة أيضا. واختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين، فأجازه الجمهور على اختلاف بينهم في المواضع التي يجوز فيها من التي لا يجوز، ومنعه أبو حنيفة وأصحابه بإطلاق. وسبب اختلافهم أولا اختلافهم في تأويل الآثار التي رويت في الجمع والاستدلال منها على جواز الجمع لأنها كلها أفعال وليست أقوالا، والأفعال يتطرق إليها الاحتمال كثيرا أكثر من تطرقه إلى اللفظ. وثانيا اختلافهم أيضا في تصحيح بعضها، وثالثا اختلافهم في إجازة القياس في ذلك فهي ثلاثة أسباب كما ترى. أما الآثار التي اختلفوا في تأويلها، فمنها حديث أنس الثابت باتفاق أخرجه البخاري ومسلم قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب" ومنها حديث ابن عمر أخرجه الشيخان أيضا قال "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجل به السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء" والحديث الثالث حديث ابن عباس خرجه مالك ومسلم قال "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر" فذهب القائلون بجواز الجمع في تأويل هذه الأحاديث إلى أنه أخر الظهر إلى وقت العصر المختص بها وجمع بينهما. وذهب الكوفيون إلى أنه إنما أوقع صلاة الظهر في آخر وقتها وصلاة العصر في أول وقتها على ما جاء في حديث إمامة جبريل قالوا: وعلى هذا يصح حمل حديث ابن عباس لأنه قد انعقد الإجماع أنه لا يجوز هذا في الحضر لغير عذر: أعني أن تصلى الصلاتان معا في وقت إحداهما، واحتجوا لتأويلهم أيضا بحديث ابن مسعود قال "والذي لا إله غيره ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة قط إلا في وقتها إلا صلاتين جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع" قالوا: وأيضا فهذه الآثار محتملة أن تكون على ما تأولناه نحن أو ما تأولتموه أنتم. وقد صح توقيت الصلاة وتبيانها في الأوقات، فلا يجوز أن تنتقل عن أصل ثابت بأمر محتمل. وأما الأثر الذي اختلفوا في تصحيحه، فما رواه مالك من حديث معاذ بن جبل "أنهم أخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا" وهذا الحديث لو صح لكان أظهر من تلك الأحاديث في إجازة الجمع

لأن ظاهره أنه قدم العشاء إلى وقت المغرب، وإن كان لهم أن يقولوا إنه أخر المغرب إلى آخر وقتها وصلى العشاء في أول وقتها لأنه ليس في الحديث أمر مقطوع به على ذلك، بل لفظ الراوي محتمل. وأما اختلافهم في إجازة القياس في ذلك فهو أن يلحق سائر الصلوات في السفر بصلاة عرفة والمزدلفة، أعني أن يجاز الجمع قياسا على تلك، فيقال مثلا: صلاة وجبت في سفر، فجاز أن تجمع أصله جمع الناس بعرفة والمزدلفة، وهو مذهب سالم بن عبد الله: أعني جواز هذا القياس، لكن القياس في العبادات يضعف، فهذه هي أسباب الخلاف الواقع في جواز الجمع.

@-(وأما المسألة الثانية) وهي صورة الجمع فاختلف فيه أيضا القائلون بالجمع أعني في السفر. فمنهم من رأى الاختيار أن تؤخر الصلاة الأولى وتصلى مع الثانية وإن جمعتا معا في أول وقت الأولى جاز، وهي إحدى الروايتين عن مالك، ومنهم من سوى بين الأمرين: أعني أن يقدم الآخرة إلى وقت الأولى أو يعكس الأمر وهو مذهب الشافعي وهي رواية أهل المدينة عن مالك، والأولى رواية ابن القاسم عنه، وإنما كان الاختيار عند مالك هذا النوع من الجمع لأنه الثابت من حديث أنس، ومن سوى بينهما فمصيرا إلى أنه لا يرجح بالعدالة: أعني أنه لا تفضل عدالة عدالة في وجوب العمل بها، ومعنى هذا أنه إذا صح حديث معاذ وجب العمل به كما وجب بحديث أنس إذا كان رواة الحديثين عدولا، وإن كان رواة أحد الحديثين أعدل.

@-(وأما المسألة الثالثة) وهي الأسباب المبيحة للجمع، فاتفق القائلون بجواز الجمع على أن السفر منها، واختلفوا في الجمع في الحضر وفي شروط السفر المبيح له، وذلك أن السفر منهم من جعله سببا مبيحا للجمع أي سفر كان وبأي صفة كان، ومنهم من اشترط فيه ضربا من السير، ونوعا من أنواع السفر، فأما الذي اشترط فيه ضربا من السير فهو مالك في رواية ابن القاسم عنه، وذلك أنه قال: لا يجمع المسافر إلا أن يجد به السير، ومنهم من لم يشترط ذلك وهو الشافعي، وهي إحدى الروايتين عن مالك، ومن ذهب هذا المذهب فإنما راعى قول ابن عمر "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجل به السير" الحديث. ومن لم يذهب هذا المذهب فإنما راعى ظاهر حديث أنس وغيره، وكذلك اختلفوا كما قلنا في نوع السفر الذي يجوز فيه الجمع. فمنهم من قال: هو سفر القربة كالحج والغزو، وهو ظاهر رواية ابن القاسم. ومنهم من قال: هو السفر المباح دون سفر المعصية، وهو قول الشافعي وظاهر رواية المدنيين عن مالك. والسبب في اختلافهم في هذا هو السبب في اختلافهم في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وإن كان هنالك التعميم، لأن القصر نقل قولا وفعلا، والجمع إنما نقل فعلا فقط، فمن اقتصر به على نوع السفر الذي جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجزه في غيره، ومن فهم منه الرخصة للمسافر عداه إلى غيره من الأسفار. وأما الجمع في الحضر لغير عذر، فإن مالكا وأكثر الفقهاء لا يجيزونه. وأجاز ذلك جماعة من أهل الظاهر وأشهب من أصحاب مالك. وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم حديث ابن عباس، فمنهم من تأوله على أنه كان في مطر كما قال مالك. ومنهم من أخذ بعمومه مطلقا. وقد خرج مسلم زيادة في حديثه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "في غير خوف ولا سفر ولا مطر" وبهذا تمسك أهل الظاهر. وأما الجمع في الحضر لعذر المطر فأجازه الشافعي ليلا كان أو نهارا ومنعه مالك في النهار وأجازه في الليل، وأجازه أيضا في الطين دون المطر في الليل، وقد عدل الشافعي مالكا في تفريقه من صلاة النهار في ذلك وصلاة الليل، لأنه روى الحديث وتأوله: أعني خصص عمومه من جهة القياس، وذلك أنه قال في قول ابن عباس "جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر" أرى ذلك كان في مطر قال: فلم يأخذ بعموم الحديث ولا بتأويله: أعني تخصيصه، بل رد بعضه وتأول بعضه، وذلك شيء لا يجوز بإجماع، وذلك أنه لم يأخذ بقوله فيه "جمع بين الظهر والعصر" وأخذ بقوله "والمغرب والعشاء" وتأوله وأحسب أن مالكا رحمه الله إنما رد بعض هذا الحديث لأنه عارضه العمل، فأخذ منه بالبعض الذي لم يعارضه العمل، وهو الجمع في الحضر بين المغرب والعشاء على ما روى أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء جمع معهم لكن النظر في هذا الأصل الذي هو العمل كيف يكون دليلا شرعيا فيه نظر، فإن متقدمي شيوخ المالكية كانوا يقولون إنه من باب الإجماع، وذلك لا وجه له، فإن إجماع البعض لا يحتج به، وكان متأخروهم يقولون إنه من باب نقل التواتر، ويحتجون في ذلك بالصاع وغيره مما نقله أهل المدينة خلفا عن سلف، والعمل إنما هو فعل والفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول فإن التواتر طريقة الخبر لا العمل، وبأن جعل الأفعال تفيد التواتر عسير بل لعله ممنوع، والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوي الذي يذهب إليه أبو حنيفة، وذلك أنه لا يجوز أن يكون أمثال هذه السنن مع تكررها وتكرر وقوع أسبابها غير منسوخة، ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين تلقوا العمل بالسنن خلفا عن سلف، وهو أقوى من عموم البلوي الذي يذهب إليه أبو حنيفة، لأن أهل المدينة أحرى أن لا يذهب عليهم ذلك من غيرهم من الناس الذين يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل، وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا اقترنت بالشيء المنقول إن وافقته أفادت به غلبة ظن وإن خالفته أفادت به ضعف ظن، فأما هل تبلغ هذه القرينة مبلغا ترد بها أخبار الآحاد الثابتة ففيه نظر، وعسى أنها تبلغ في بعض ولا تبلغ في بعض لتفاضل الأشياء في شدة عموم البلوى بها، وذلك أنه كلما كانت السنة الحاجة إليها أمس وهي كثيرة التكرار على المكلفين كان نقلها من طريق الآحاد من غير أن ينتشر قولا أو عملا فيه ضعف، وذلك أنه يوجب ذلك أحد أمرين: إما أنها منسوخة، وإما أن النقل فيه اختلال، وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره. وأما الجمع في الحضر للمريض فإن مالكا أباحه له إذا خاف أن يغمى عليه أو كان به بطن ومنع ذلك الشافعي. والسبب في اختلافهم هو اختلافهم في تعدي علة الجمع في السفر: أعني المشقة، فمن طرد العلة رأى أن هذا من باب الأولى والأحرى، وذلك أن المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشد منها على المسافر، ومن لم يعد هذه العلة وجعلها كما يقولون قاصرة: أي خاصة بذلك الحكم دون غيره لم يجز ذلك.

*3*الباب الخامس من الجملة الثالثة، وهو القول في صلاة الخوف.

@-اختلف العلماء في جواز صلاة الخوف بعد النبي عليه الصلاة والسلام وفي صفتها، فأكثر العلماء على أن صلاة الخوف جائزة لعموم قوله تعالى {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا} الآية. ولما ثبت ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام وعمل الأئمة والخلفاء بعده بذلك، وشذ أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة فقال: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإمام واحد، وإنما تصلى بعده بإمامين يصلي واحد منهما بطائفة ركعتين ثم يصلي الآخر بطائفة أخرى وهي الحارسة ركعتين أيضا وتحرس التي قد صلت. والسبب في اختلافهم هل صلاة النبي بأصحابه صلاة الخوف هي عبادة أو هي لمكان فضل النبي صلى الله عليه وسلم فمن رأى أنها عبادة لم ير أنها خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومن رآها لمكان فضل النبي عليه الصلاة والسلام رآها خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد كان يمكننا أن ينقسم الناس على إمامين، وإنما كان ضرورة اجتماعهم على إمام واحد خاصة من خواص النبي عليه الصلاة والسلام وتأيد عنده هذا التأويل بدليل الخطاب المفهوم من قوله تعالى {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} الآية. ومفهوم الخطاب أنه إذا لم يكن فيهم فالحكم غير هذا الحكم،

وقد ذهبت طائفة من فقهاء الشام إلى أن صلاة الخوف تؤخر عن وقت الخوف إلى وقت الأمن كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق. والجمهور على أن ذلك الفعل يوم الخندق كان قبل نزول صلاة الخوف وأنه منسوخ بها. وأما صفة صلاة الخوف فإن العلماء اختلفوا فيها اختلافا كثيرا لاختلاف الآثار في هذا الباب: أعني المنقولة من فعله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، والمشهور من ذلك سبع صفات. فمن ذلك ما أخرجه مالك ومسلم من حديث صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وصفت طائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاتهم، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم، وبهذا الحديث قال الشافعي، وروى مالك هذا الحديث بعينه عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات موقوفا كمثل حديث يزيد بن رومان أنه لما قضى الركعة بالطائفة الثانية سلم ولم ينتظرهم حتى يفرغوا من الصلاة، واختار مالك هذه الصفة، فالشافعي آثر المسند على الموقوف، ومالك آثر الموقوف لأنه أشبه بالأصول: أعني أنه لا يجلس (قوله يجلس لعله يسلم كما يظهر من سابقه اهـ مصححه) الإمام حتى تفرغ الطائفة الثانية من صلاتها لأن الإمام متبوع لا متبع وغير مختلف عليه. والصفة الثالثة ما ورد في حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، رواه الثوري وجماعة وخرجه أبو داود قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بطائفة وطائفة مستقبلوا العدو، فصلى بالذين معه ركعة وسجدتين وانصرفوا ولم يسلموا فوقفوا بإزاء العدو، ثم جاء الأخرون فقاموا معه فصلى بهم ركعة ثم سلم فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا وذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مراتبهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا "وبهذه الصفة قال أبو حنيفة وأصحابه ما خلا أبا يوسف على ما تقدم". والصفة الرابعة الواردة في حديث أبي عياش الزرقي قال "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فأنزل الله آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة والمشركون أمامه فصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم صف واحد وصف بعد ذلك صف آخر، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعوا جميعا ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وقام الآخر يحرسونهم فلما صلى هؤلاء سجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفه ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعا فسلم بهم جميعا" وهذه الصلاة صلاها بعسفان وصلاها يوم بني سليم.

قال أبو داود: وروي هذا عن جابر وعن ابن عباس وعن مجاهد، وعن أبي موسى وعن هشام ابن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وهو قول الثوري وهو أحوطها يريد أنه ليس في هذه الصفة كبير عمل مخالف لأفعال الصلاة المعروفة، وقال بهذه الصفة جملة من أصحاب مالك وأصحاب الشافعي، وخرجها مسلم عن جابر، وقال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم. والصفة الخامسة الواردة في حديث حذيفة قال ثعلبة بن زهدم قال كنا مع سعيد بن العاصي بطبرستان، فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ قال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا شيئا"

وهذا مخالف للأصل مخالفة كثيرة. وخرج أيضا عن ابن عباس في معناه أنه قال "الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع وفي السفر ركعتان وفي الخوف ركعة واحدة" وأجاز هذه الصفة الثوري. والصفة السادسة الواردة في حديث أبي بكرة وحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بكل طائفة من الطائفتين ركعتين ركعتين، وبه كان يفتي الحسن، وفيه دليل على اختلاف نية الإمام والمأموم لكونه متما، وهم مقصرون، خرجه مسلم عن جابر.

والصفة السابعة الواردة في حديث ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس فيصلي بهم ركعة. وتكون طائفة منهم بينه وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا معه ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين تتقدم كل واحدة من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة ركعة بعد أن ينصرف الإمام فتكون كل واحدة من الطائفتين قد صلت ركعتين، فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، وممن قال بهذه الصفة أشهب عن مالك وجماعة. وقال أبو عمر: الحجة لمن قال بحديث ابن عمر هذا أنه ورد بنقل الأئمة أهل المدينة وهم الحجة في النقل على من خالفهم، وهي أيضا مع هذا أشبه بالأصول، لأن الطائفة الأولى والثانية لم يقضوا الركعة إلا بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة وهو المعروف من سنة القضاء المجتمع عليها في سائر الصلوات، وأكثر العلماء على ما جاء في هذا الحديث من أنه إذا اشتد الخوف جاز أن يصلوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وإيماء من غير ركوع ولا سجود. وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال: لا يصلي الخائف إلا إلى القبلة، ولا يصلي أحد في حال المسايفة. وسبب الخلاف في ذلك مخالفة هذا الفعل للأصول، وقد رأى قوم أن هذه الصفات كلها جائزة، وأن للمكلف أن يصلي أيتها أحب، وقد قيل: إن هذا الاختلاف إنما كان بحسب اختلاف المواطن.

*3*الباب السادس من الجملة الثالثة في صلاة المريض.

@-أجمع العلماء على أن المريض مخاطب بأداء الصلاة، وأنه يسقط عنه فرض القيام إذا لم يستطعه ويصلي جالسا، وكذلك يسقط عنه فرض الركوع والسجود إذا لم يستطعهما أو أحدهما ويومئ مكانهما. واختلفوا فيمن له أن يصلي جالسا وفي هيئة الجلوس وفي هيئة الذي لا يقدر على الجلوس ولا على القيام، فأما من له أن يصلي جالسا فإن قوما قالوا: هذا الذي لا يستطيع القيام أصلا، وقوم قالوا هو الذي يشق عليه القيام من المرض، وهو مذهب مالك. وسبب اختلافهم هو: هل يسقط فرض القيام مع المشقة أو مع عدم القدرة؟ وليس في ذلك نص. وأما صفة الجلوس فإن قوما قالوا: يجلس متربعا: أعني الجلوس الذي هو بدل من القيام، وكره ابن مسعود الجلوس متربعا، فمن ذهب إلى التربيع فلا فرق بينه وبين جلوس التشهد، ومن كره فلأنه ليس من جلوس الصلاة. وأما صفة صلاة الذي لا يقدر على القيام ولا على الجلوس، فإن قوما قالوا يصلي مضطجعا، وقوم قالوا: يصلي كيفما تيسر له، وقوم قالوا: يصلي مستقبلا رجلاه إلى الكعبة، وقوم قالوا: إن لم يستطع الجلوس صلى على جنبه، فإن لم يستطع على جنبه صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة على قدر طاقته، وهو الذي اختاره ابن المنذر.

*3*(الجملة الرابعة) وهذه الجملة تشمل من أفعال الصلاة على التي ليست أداء، وهذه هي إما إعادة وإما قضاء وإما جبر لما زاد أو نقص بالسجود ففي هذه الجملة إذا ثلاثة أبواب. الباب الأول: في الإعادة. الباب الثاني: في القضاء. الباب الثالث: في الجبران الذي يكون بالسجود.

*3*الباب الأول في الإعادة.

@-وهذا الباب الكلام فيه في الأسباب التي تقتضي الإعادة، وهي مفسدات الصلاة. واتفقوا على أن من صلى بغير طهارة أنه يجب عليه الإعادة عمدا أو نسيانا، وكذلك من صلى لغير القبلة عمدا كان ذلك أو نسيانا.

وبالجملة فكل من أخل بشرط من شروط صحة الصلاة وجبت عليه الإعادة وإنما يختلفون من أجل اختلافهم في الشروط المصححة.

(وها هنا مسائل تتعلق بهذا الباب خارجة عما ذكر من فروض الصلاة اختلفوا فيها) فمنها أنهم اتفقوا على أن الحدث يقطع الصلاة، واختلفوا هل يقتضي الإعادة من أولها إذا كان قد ذهب منها ركعة أو ركعتان قبل طرو الحدث أم يبني على ما قد مضى من الصلاة، فذهب الجمهور إلى أنه لا يبني لا في حدث ولا في غيره مما يقطع الصلاة إلا في الرعاف فقط. ومنهم من رأى أنه لا يبني لا في الحدث ولا في الرعاف، وهو الشافعي، وذهب الكوفيون إلى أنه يبني في الأحداث كلها. وسبب اختلافهم أنه لم يرد في جواز ذلك أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما صح عن ابن عمر أنه رعف في الصلاة فبنى ولم يتوضأ، فمن رأى أن هذا الفعل من الصحابي يجري مجرى التوقيف إذ ليس يمكن أن يفعل مثل هذا بقياس أجاز هذا الفعل، ومن كان عنده من هؤلاء أن الرعاف ليس بحدث أجاز البناء في الرعاف فقط ولم يعده لغيره، وهو مذهب مالك، ومن كان عنده أنه حدث أجاز البناء في سائر الأحداث قياسا على الرعاف، ومن رأى أن مثل هذا لا يجب أن يصار إليه إلا بتوقيف من النبي عليه الصلاة والسلام إذ قد انعقد الإجماع على أن المصلي إذا انصرف إلى غير القبلة أنه قد خرج من الصلاة، وكذلك إذا فعل فيها فعلا كثيرا لم يجز البناء لا في الحدث ولا في في الرعاف.

@-(المسألة الثانية) اختلف العلماء هل يقطع الصلاة مرور شيء بين يدي المصلي إذا صلى لغير سترة أو مر بينه وبين السترة؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع الصلاة شيء، وأنه ليس عليه الإعادة، وذهبت طائفة إلى أنه يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب الأسود. وسبب هذا الخلاف معارضة القول للفعل، وذلك أنه خرج مسلم عن أبي ذر أنه عليه الصلاة والسلام قال "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود" وخرج مسلم والبخاري عن عائشة أنها قالت "لقد رأيتني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي" وروي مثل قول الجمهور عن علي وعن أبي، ولا خلاف بينهم في كراهية المرور بين يدي المنفرد والإمام إذا صلى لغير سترة أو مر بينه وبين السترة، ولم يروا بأسا أن يمر خلف السترة وكذلك لم يروا بأسا أن يمر بين يدي المأموم لثبوت حديث ابن عباس وغيره قال "لقد أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، فمررت بين يدي بعض الصفوف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف، فلم ينكر علي ذلك أحد" وهذا عندهم يجري مجرى المسند، وفيه نظر، وإنما اتفق الجمهور على كراهية المرور بين يدي المصلي، لما جاء فيه من الوعيد في ذلك، ولقوله عليه الصلاة والسلام فيه "فليقاتله فإنما هو شيطان".

@-(المسألة الثالثة) اختلفوا في النفخ في الصلاة على ثلاثة أقوال: فقوم كرهوه ولم يروا الإعادة على من فعله، وقوم أوجبوا الإعادة على من نفخ، وقوم فرقوا بين أن يسمع أو لا يسمع. وسبب اختلافهم تردد النفخ بين أن يكون كلاما أو لا يكون كلاما.

@-(المسألة الرابعة) اتفقوا على أن الضحك يقطع الصلاة، واختلفوا في التبسم وسبب اختلافهم تردد التبسم بين أن يلحق بالضحك أو لا يلحق به.

@-(المسألة الخامسة) اختلفوا في صلاة الحاقن، فأكثر العلماء يكرهون أن يصلي الرجل وهو حاقن، لما روي من حديث زيد بن أرقم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة" ولما روي عن عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام ولا وهو يدافع الأخبثان" يعني الغائط والبول. ولما ورد من النهي عن ذلك عن عمر أيضا، وذهب قوم إلى أن صلاته فاسدة، وأنه يعيد. وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على أن صلاة الحاقن فاسدة، وذلك أنه روي عنه أنه أمره بالإعادة في الوقت وبعد الوقت. والسبب في اختلافهم اختلافهم في النهي، هل يدل على فساد المنهى عنه أم ليس يدل على فساده؟ وإنما يدل على تأثيم من فعله فقط إذا كان أصل الفعل الذي تعلق النهي به واجبا أو جائزا، وقد تمسك القائلون بفساد صلاته بحديث رواه الشاميون، منهم من يجعله عن ثوبان، ومنهم من يجعله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يحل لمؤمن أن يصلي وهو حاقن جدا" قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث ضعيف السند لا حجة فيه.

@-(المسألة السادسة) اختلفوا في رد سلام المصلي على من سلم عليه، فرخصت فيه طائفة منهم سعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن البصري وقتادة. ومنع ذلك قوم بالقول وأجازوا الرد بالإشارة، وهو مذهب مالك والشافعي، ومنع آخرون رده بالقول والإشارة، وهو مذهب النعمان، وأجاز قوم الرد في نفسه، وقوم قالوا يرد إذا فرغ من الصلاة. والسبب في اختلافهم: هل رد السلام نوع من التكلم في الصلاة المنهى عنه أم لا؟ فمن رأى أنه من نوع الكلام المنهى عنه، وخصص الأمر برد السلام في قوله تعالى {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} الآية بأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة قال: لا يجوز الرد في الصلاة، ومن رأى أنه ليس داخلا في الكلام المنهى عنه، أو خصص أحاديث النهي بالأمر برد السلام أجازه في الصلاة. قال أبو بكر بن المنذر، ومن قال لا يرد ولا يصير فقد خالف السنة، فإنه قد أخبر حبيب أن النبي عليه الصلاة والسلام رد على الذين سلموا عليه وهو في الصلاة بإشارة.

*3*الباب الثاني في القضاء.

@-والكلام في هذا الباب على من يجب القضاء، وفي صفة أنواع القضاء وفي شروطه، فأما على من يجب القضاء؟ فاتفق المسلمون على أنه يجب على الناسي والنائم، واختلفوا في العامد والمغمى عليه، وإنما اتفق المسلمون على وجوب القضاء على الناسي والنائم لثبوت قوله عليه الصلاة والسلام وفعله: وأعني بقوله عليه الصلاة والسلام "رفع القلم عن ثلاث" فذكر النائم وقوله "إذا نام أحدكم عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" وما روي أنه نام عن الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها. وأما تاركها عمدا حتى يخرج الوقت، فإن الجمهور على أنه آثم، وأن القضاء عليه واجب وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا يقضي وأنه آثم، وأحد من ذهب إلى ذلك أبو محمد بن حزم. وسبب اختلافهم اختلافهم في شيئين: أحدهما في جواز القياس في الشرع. والثاني في قياس العامد على الناسي إذا سلم جواز القياس. فمن رأى أنه إذا وجب القضاء على الناسي الذي قد عذره الشرع في أشياء كثيرة، فالمتعمد أحرى أن يجب عليه لأنه غير معذور أوجب القضاء عليه، ومن رأى أن الناسي والعامد ضدان: والأضداد لا يقاس بعضها على بعض إذ أحكامها مختلفة، وإنما تقاس الأشباه، لم يجز قياس العامد على الناسي، والحق في هذا أنه إذا جعل الوجوب من باب التغليظ كان القياس سائغا. وأما إن جعل من باب الرفق بالناسي والعذر له وأن لا يفوته ذلك الخير، فالعامد في هذا ضد الناسي، والقياس غير سائغ لأن الناسي معذور والعامد غير معذور، الأصل أن القضاء لا يجب بأمر الأداء، وإنما يجب بأمر مجدد على ما قال المتكلمون، لأن القاضي قد فاته أحد شروط التمكن من وقوع الفعل على صحته، وهو الوقت إذ كان شرطا من شروط الصحة والتأخير عن الوقت في قياس التقديم عليه، لكن قد ورد الأثر بالناسي والنائم وتردد العامد بين أن يكون شبيها أو غير شبيه، والله الموفق للحق. وأما المغمى عليه، فإن قوما أسقطوا عنه القضاء فيما ذهب وقته، وقوم أوجبوا عليه القضاء. ومن هؤلاء من اشترط القضاء في عدد معلوم، وقالوا: يقضي في الخمس فما دونها. والسبب في اختلافهم تردده بين النائم والمجنون، فمن شبهه بالنائم أوجب عليه القضاء، ومن شبهه بالمجنون أسقط عنه الوجوب. وأما صفة القضاء، فإن القضاء نوعان: قضاء لجملة الصلاة، وقضاء لبعضها. أما قضاء الجملة فالنظر فيه في صفة القضاء وشروطه ووقته. فأما صفة القضاء فهي بعينها صفة الأداء إذا كانت الصلاتان في صفة واحدة من الفرضية وأما إذا كانت في أحوال مختلفة مثل أن يذكر صلاة حضرية في سفر أو صلاة سفرية في حضر، فاختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: فقوم قالوا: إنما يقضي مثل الذي عليه ولم يراعوا الوقت الحاضر، وهو مذهب مالك وأصحابه، وقوم قالوا: إنما يقضي أبدا أربعا سفرية كانت منسية أو حضرية، فعلى رأي هؤلاء إن ذكر في السفر حضرية صلاها حضرية، وإن ذكر في الحضر سفرية صلاها حضرية وهو مذهب الشافعي. وقال قوم: إنما يقضي أبدا فرض الحال التي هو فيها فيقضي الحضرية في السفر سفرية، والسفرية في الحضر حضرية، فمن شبه القضاء بالأداء راعى الحال الحاضرة وجعل الحكم لها قياسا على المريض يتذكر صلاة نسيها في الصحة أو الصحيح يتذكر صلاة نسيها في المرض: أعني أن فرضه هو فرض الصلاة في الحال الحاضرة، ومن شبه القضاء بالديون أوجب للمقضية صفة المنسية. وأما من أوجب أن يقضي أبدا حضرية، فراعى الصفة في إحداهما والحال في الأخرى، أعني أنه إذا ذكر الحضرية في السفر راعى صفة المقضية، وإذا ذكر السفرية في الحضر راعى الحال؛ وذلك اضطراب جار على غير قياس إلا أن يذهب مذهب الاحتياط، وذلك بتصور فيمن يرى القصر رخصة.

@-(وأما شروط القضاء ووقته) فإن من شروطه الذي اختلفوا فيه الترتيب وذلك أنهم اختلفوا في وجوب الترتيب في قضاء المنسيات: أعني بوجوب ترتيب المنسيات مع الصلاة الحاضرة الوقت، وترتيب المنسيات بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من صلاة واحدة، فذهب مالك إلى أن الترتيب واجب فيها في الخمس صلوات فما دونها، وأنه يبدأ بالمنسية وإن فات وقت الحاضرة حتى أنه قال: إن ذكر المنسية وهو في الحاضرة فسدت الحاضرة عليه، وبمثل ذلك قال أبو حنيفة والثوري إلا أنهم رأوا الترتيب واجبا مع اتساع وقت الحاضرة، واتفق هؤلاء على سقوط وجوب الترتيب مع النسيان. وقال الشافعي لا يجب الترتيب، وإن فعل ذلك إذا كان في الوقت متسع فحسن يعني في وقت الحاضرة. والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب واختلافهم في تشبيه القضاء بالأداء. فأما الآثار فإنه ورد في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال "من نسي صلاة وهو مع الإمام في أخرى فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلى مع الإمام" وأصحاب الشافعي يضعفون هذا الحديث ويصححون حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليتم التي هو فيها، فإذا فرغ منها قضى التي نسي" والحديث الصحيح في هذا الباب هو ما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام، إذا نام أحدكم عن الصلاة أو نسيها" الحديث. وأما اختلافهم في جهة تشبيه القضاء بالأداء فإن من رأى أن الترتيب في الأداء إنما لزم من أجل أن أوقاتها المختصة بصلاة منها هي مرتبة في نفسها إذ كان الزمان لا يعقل إلا مرتبا لم يلحق بها القضاء، لأنه ليس للقضاء وقت مخصوص ومن رأى أن الترتيب في الصلوات المؤداة هو في الفعل وإن كان الزمان واحدا مثل الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، شبه القضاء بالأداء: وقد رأت المالكية أن توجب الترتيب للمقضية من جهة الوقت لا من جهة الفعل لقوله عليه الصلاة والسلام: "فليصلها إذا ذكرها" قالوا: فوقت المنسية وهو وقت الذكر، ولذلك وجب أن تفسد عليه الصلاة التي هو فيها في ذلك الوقت، وهذا لا معنى له لأنه إن كان وقت الذكر وقتا للمنسية فهو بعينه أيضا وقت للحاضرة أو وقت للمنسيات إذا كانت أكثر من صلاة واحدة، وإذا كان الوقت واحدا فلم يبق أن يكون الفساد الواقع فيها إلا من قبل الترتيب بينها كالترتيب الذي يوجد في أجزاء الصلاة الواحدة فإنه ليس إحدى الصلاتين أحق بالوقت من صاحبتها إذ كان وقتا لكليهما إلا أن يقوم دليل الترتيب، وليس ههنا عندي شيء يمكن أن يجعل أصلا في هذا الباب لترتيب المنسيات إلا الجمع عند من سلمه، فإن الصلوات المؤداة أوقاتها مختلفة والترتيب في القضاء إنما يتصور في الوقت الواحد بعينه للصلاتين معا، فافهم هذا فإن فيه غموضا، وأظن مالكا رحمه الله إنما قاس ذلك على الجمع وإنما صار الجميع إلى استحسان الترتيب في المنسيات إذا لم يخف فوات الحاضرة لصلاته عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس يوم الخندق مرتبة، وقد احتج بهذا من أوجب القضاء على العامد، ولا معنى لهذا، فإن هذا منسوخ، وأيضا فإنه كان تركا لعذر وأما التحديد في الخمس فما دونها فليس له وجه إلا أن يقال: إنه إجماع، فهذا حكم القضاء الذي يكون في فوات جملة الصلاة، وأما القضاء الذي يكون في فوات بعض الصلوات، فمنه ما يكون سببه النسيان، ومنه ما يكون سببه سبق الإمام للمأموم: أعني أن يفوت المأموم بعض صلاة الإمام، فأما إذا فات المأموم بعض الصلاة، فإن فيه مسائل ثلاثا قواعد: إحداها متى تفوت الركعة. والثانية هل إتيانه بما فاته بعد صلاة الإمام أداء أو قضاء. والثالثة متى يلزمه حكم صلاة الإمام ومتى لا يلزمه ذلك. أما متى تفوته الركعة، فإن في ذلك مسألتين: إحداهما إذا دخل والإمام قد أهوى إلى الركوع، والثانية إذا كان مع الإمام في الصلاة فسها أن يتبعه في الركوع أو منعه ذلك ما وقع من زحام أو غيره.

@-(وأما المسألة الأولى) فإن فيها ثلاثة أقوال: أحدها وهو الذي عليه الجمهور أنه إذا أدرك الإمام قبل أن يرفع رأسه من الركوع وركع معه فهو مدرك للركعة وليس عليه قضاؤها، وهؤلاء اختلفوا: هل من شرط هذا الداخل أن يكبر تكبيرتين تكبيرة للإحرام وتكبيرة للركوع أو يجزيه تكبيرة الركوع؟. وإن كانت تجزيه فهل من شرطها أن ينوي بها تكبيرة الإحرام أم ليس ذلك من شرطها؟ فقال بعضهم: بل تكبيرة واحدة تجزيه إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح، وهو مذهب مالك والشافعي، والاختيار عندهم تكبيرتان، وقال قوم: لا بد من تكبيرتين، وقال قوم: تجزى واحدة وإن لم ينو بها تكبيرة الافتتاح. والقول الثاني أنه إذا ركع الإمام فقد فاتته الركعة، وأنه لا يدركها ما لم يدركه قائما وهو منسوب إلى أبي هريرة. والقول الثالث أنه إذا انتهى إلى الصف الآخر وقد رفع الإمام رأسه ولم يرفع بعضهم، فأدرك ذلك أنه يجزيه لأن بعضهم أئمة لبعض، وبه قال الشعبي. وسبب هذا الاختلاف تردد اسم الركعة بين أن يدل على الفعل نفسه الذي هو الانحناء فقط، أو على الانحناء والوقوف معا، وذلك أنه قال عليه الصلاة والسلام: "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة" قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان اسم الركعة ينطلق عنده على القيام والانحناء معا قال: إذا فاته قيام الإمام فقد فاتته الركعة، ومن كان اسم الركعة ينطلق عنده على الانحناء نفسه جعل إدراك الانحناء إدراكا للركعة، والاشتراك الذي عرض لهذا الاسم إنما هو من قبل تردده بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، وذلك أن اسم الركعة ينطلق لغة على الانحناء، وينطلق شرعا على القيام والركوع والسجود فمن رأى أن اسم الركعة ينطلق في قوله عليه الصلاة والسلام "من أدرك ركعة" على الركعة الشرعية ولم يذهب مذهب الآخذ ببعض ما تدل عليه الأسماء قال: لابد أن يدرك مع الإمام الثلاثة الأحوال أعني: القيام، والانحناء، والسجود، ويحتمل أن يكون من ذهب إلى اعتبار الانحناء فقط أن يكون اعتبر أكثر ما يدل عليه الاسم ههنا لأن من أدرك الانحناء فقد أدرك منها جزأين، ومن فاته الانحناء إنما هو أدرك منها جزءا واحدا فقط، فعلى هذا يكون الخلاف آيلا إلى اختلافهم في الأخذ ببعض دلالة الأسماء أو بكلها، فالخلاف يتصور فيها من الوجهين جميعا. وأما من اعتبر الركوع من في الصف من المأمومين فلأن الركعة من الصلاة قد تضاف إلى الإمام فقط، وقد تضاف إلى الإمام والمأمومين. فسبب الاختلاف هو الاحتمال في هذه الإضافة: أعني قوله عليه الصلاة والسلام "من أدرك ركعة من الصلاة" وما عليه الجمهور أظهر. وأما اختلافهم في: هل تجزيه تكبيرة واحدة أو تكبيرتان؟ أعني المأموم إذا دخل في الصلاة والإمام راكع. فسببه هل من شرط تكبيرة الإحرام أن يأتي بها واقفا أم لا؟ فمن رأى أن من شرطها الموضع الذي تفعل فيه تعلقا بالفعل أعني فعله عليه الصلاة والسلام، وكان يرى أن التكبير كله فرض قال: لابد من تكبيرتين. ومن رأى أنه ليس من شرطها الموضع تعلقا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام "وتحريمها التكبير" وكان عنده أن تكبيرة الإحرام هي فقط الفرض قال: يجزيه أن يأتي بها وحدها. وأما من أجاز أن يأتي بتكبيرة واحدة ولم ينوبها تكبيرة الإحرام، فقيل يبني على مذهب من يرى أن تكبيرة الإحرام ليست بفرض، وقيل إنما يبني على مذهب من يجوز تأخير نية الصلاة عن تكبيرة الإحرام، لأنه ليس معنى أن ينوي تكبيرة الإحرام إلا مقارنة النية للدخول في الصلاة، لأن تكبيرة الإحرام لها وصفان: النية المقارنة، والأولية: أعني وقوعها في أول الصلاة، فمن اشترط الوصفين قال: لابد من النية المقارنة، ومن اكتفى بالصفة الواحدة اكتفى بتكبيرة واحدة، وإن لم تقارنها النية.

@-(وأما المسألة الثانية) وهي إذا سها عن اتباع الإمام في الركوع حتى سجد الإمام، فإن قوما قالوا: إذا فاته إدراك الركوع معه، فقد فاتته الركعة ووجب عليه قضاؤها، وقوم قالوا: يعتد بالركعة إذا أمكنه أن يتم من الركوع قبل أن يقوم الإمام إلى الركعة الثانية، وقوم قالوا: يتبعه ويعتد بالركعة ما لم يرفع الإمام رأسه من الانحناء في الركعة الثانية، وهذا الاختلاف موجود لأصحاب مالك، وفيه تفصيل واختلاف بينهم بين أن يكون عن نسيان أو أن يكون عن زحام، وبين أن يكون في جمعة أو في غير جمعة، وبين اعتبار أن يكون المأموم عرض له في هذا الركعة الأولى أو في الركعة الثانية، وليس قصدنا تفصيل المذهب ولا تخريجه، وإنما الغرض الإشارة إلى قواعد المسائل وأصولها، فنقول: إن سبب الاختلاف في هذه المسألة هو: هل من شرط فعل المأموم أن يقارن فعل الإمام، أو ليس من شرطه ذلك؟ وهل هذا الشرط هو في جميع أجزاء الركعة الثلاثة؟ أعني القيام والانحناء والسجود أم إنما هو شرط في بعضها؟ ومتى يكون إذا لم يقارن فعله فعل الإمام اختلافا عليه: أعني أن يفعل هو فعلا والإمام فعلا ثانيا، فمن رأى أنه شرط في كل جزء من أجزاء الركعة الواحدة: أعني أن يقارن فعل المأموم فعل الإمام، وإلا كان اختلافا عليه، وقد قال عليه الصلاة والسلام "فلا تختلفوا عليه" قال: متى لم يدرك معه من الركوع ولو جزأ يسيرا لم يعتد بالركعة، ومن اعتبره في بعضها قال: هو مدرك للركعة إذا أدرك فعل الركعة قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية، وليس ذلك اختلافا عليه، فإذا قام إلى الركعة الثانية فإن اتبعه فقد اختلف عليه في الركعه الأولى وأما من قال إنه يتبعه ما لم ينحن في الركعه الثانية فإنه رأى أنه ليس من شرط فعل المأموم أن يقارن بعضه بعض فعل الإمام ولا كله، وإنما من شرطه أن يكون بعده فقط، وإنما اتفقوا على أنه إذا قام من الانحناء في الركعة الثانية أنه لا يعتد بتلك الركعة إن اتبعه فيها، لأنه يكون في حكم الأولى والإمام في حكم الثانية، وذلك غاية الاختلاف عليه.

@-(وأما المسألة الثانية) من المسائل الثلاث الأول التي هي أصول هذا الباب وهي: هل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام أداء أو قضاء؟ فإن في ذلك ثلاثة مذاهب، قوم قالوا: إن ما يأتي به بعد سلام الإمام هو قضاء وإن ما أدرك ليس هو أول صلاته. وقوم قالوا: إن الذي يأتي به بعد سلام الإمام هو أداء، وإن ما أدرك هو أول صلاته. وقوم فرقوا بين الأقوال والأفعال فقالوا: يقضي في الأقوال يعنون في القراءة، ويبني في الأفعال يعنون الأداء، فمن أدرك ركعة من صلاة المغرب على المذهب الأول: أعني مذهب القضاء قام إذا سلم الإمام إلى ركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من غير أن يجلس بينهما، وعلى المذهب الثاني: أعني على البناء قام إلى ركعة واحدة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ويجلس، ثم يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن فقط، وعلى المذهب الثالث يقوم إلى ركعة فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يجلس ثم يقوم إلى ركعة ثانية يقرأ فيها أيضا بأم القرآن وسورة، وقد نسبت الأقاويل الثلاثة إلى المذهب، والصحيح عن مالك أنه يقضي في الأقوال ويبني في الأفعال لأنه لم يختلف قوله في المغرب إنه إذا أدرك منها ركعة أنه يقوم إلى الركعة الثانية ثم يجلس، ولا اختلاف في قوله إنه يقضي بأم القرآن وسورة وسبب اختلافهم أنه ورد في بعض روايات الحديث المشهور "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" والإتمام يقتضي أن يكون ما أدرك هو أول صلاته وفي بعض رواياته "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" والقضاء يوجب أن ما أدرك هو آخر صلاته؛ فمن ذهب مذهب الإتمام قال: ما أدرك هو أول صلاته؛ ومن ذهب مذهب القضاء قال: ما أدرك هو آخر صلاته، ومن ذهب مذهب الجمع جعل القضاء في الأقوال والأداء في الأفعال، وهو ضعيف: أعني أن يكون بعض الصلاة أداء وبعضها قضاء، واتفاقهم على وجوب الترتيب في أجزاء الصلاة، وعلى أن موضع تكبيرة الإحرام هو افتتاح الصلاة، ففيه دليل واضح على أن ما أدرك هو أول صلاته لكن تختلف نية المأموم والإمام في الترتيب فتأمل هذا، ويشبه أن يكون هذا هو أحد ما راعاه من قال: ما أدرك فهو آخر صلاته.

@-(وأما المسألة الثالثة) من المسائل الأول، وهي متى يلزم المأموم حكم صلاة الإمام في الاتباع؟ فإن فيها مسائل: إحداها متى يكون مدركا لصلاة الجمعة. والثانية: متى يكون مدركا معه لحكم سجود السهو: أعني سهو الإمام. والثالثة: متى يلزم المسافر الداخل وراء إمام يتم الإتمام إذا أدرك من صلاة الإمام بعضها.

@-(فأما المسألة الأولى) فإن قوما قالوا: إذا أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة، ويقضي ركعة ثانية، وهو مذهب مالك والشافعي، فإن أدرك أقل صلى ظهرا أربعا. وقوم قالوا: بل يقضي ركعتين أدرك منها ما أدرك، وهو مذهب أبي حنيفة، وسبب الخلاف في هذا هو ما يظن من التعارض بين عموم قوله عليه الصلاة والسلام: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" وبين مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" فإنه من صار إلى عموم قوله عليه الصلاة والسلام "وما فاتكم فأتموا" أوجب أن يقضي ركعتين وإن أدرك منها أقل من ركعتين ومن كان المحذوف عنده في قوله عليه الصلاة والسلام "فقد أدرك الصلاة" أي فقد أدرك حكم الصلاة وقال: دليل الخطاب يقتضي أن من أدرك أقل من ركعة فلم يدرك حكم الصلاة والمحذوف في هذا القول محتمل، فإنه يمكن أن يراد به فضل الصلاة، ويمكن أن يراد به وقت الصلاة، ويمكن أن يراد به حكم الصلاة ولعله ليس هذا المجاز في أحدهما أظهر منه في الثاني، فإن كان الأمر كذلك كان من باب المجمل الذي لا يقتضي حكما، وكان الآخر بالعموم أولى، وإن سلمنا أنه أظهر في أحد هذه المحذوفات وهو مثلا الحكم على قول من يرى ذلك لم يكن هذا الظاهر معارضا للعموم، إلا من باب دليل الخطاب، والعموم أقوى من دليل الخطاب عند الجميع، ولاسيما الدليل المبني على المحتمل أو الظاهر. وأما من يرى أن قوله عليه الصلاة والسلام "فقد أدرك الصلاة" أنه يتضمن جميع هذه المحذوفات فضعيف وغير معلوم من لغة العرب، إلا أن يتقرر أن هنالك اصطلاحا عرفيا أو شرعيا.

وأما مسألة اتباع المأموم للإمام في السجود: أعني في سجود السهو فإن قوما اعتبروا في ذلك الركعة: أعني أن يدرك من الصلاة معه ركعة، وقوم لم يعتبروا ذلك، فمن لم يعتبر ذلك فمصيرا إلى عموم قوله عليه الصلاة والسلام "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ومن اعتبر ذلك فمصيرا إلى مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام "فقد أدرك الصلاة" ولذلك اختلفوا في المسألة الثالثة فقال قوم: إن المسافر إذا أدرك من صلاة الإمام الحاضرة أقل من ركعة لم يتم، وإذا أدرك ركعة لزمه الإتمام، فهذا حكم القضاء الذي يكون لبعض الصلاة من قبل سبق الإمام له. وأما حكم القضاء لبعض الصلاة الذي يكون للإمام والمنفرد من قبل النسيان، فإنهم اتفقوا على أن ما كان منها ركنا فهو يقضي: أعني فريضة، وأنه ليس يجزي منه إلا الإتيان به، وفيه مسائل اختلفوا فيها، بعضهم أوجب فيها القضاء وبعضهم أوجب فيها الإعادة، مثل من نسي أربع سجدات من أربع ركعات سجدة من كل ركعة، فإن قوما قالوا: يصلح الرابعة بأن يسجد لها، ويبطل ما قبلها من الركعات ثم يأتي بها، وهو قول مالك. وقوم قالوا: تبطل الصلاة بأسرها ويلزمه الإعادة، وهي إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل. وقوم قالوا: يأتي بأربع سجدات متوالية وتكمل بها صلاته، وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي. وقوم قالوا: يصلح الرابعة ويعتد بسجدتين، وهو مذهب الشافعي. وسبب الخلاف في هذا مراعاة الترتيب، فمن راعاه في الركعات والسجدات أبطل الصلاة، ومن راعاه في السجدات أبطل الركعات ما عدا الأخيرة قياسا على قضاء ما فات المأموم من صلاة الإمام، ومن لم يراع الترتيب أجاز سجودها معا في ركعة واحدة، ولا سيما إذا اعتقد أن الترتيب ليس هو واجبا في الفعل المكرر في كل ركعة: أعني السجود، وذلك أن كل ركعة تشتمل على قيام وانحناء وسجود، والسجود مكرر، فزعم أصحاب أبي حنيفة أن السجود لما كان مكررا لم يجب أن يراعي فيه التكرير في الترتيب، ومن هذا الجنس اختلاف أصحاب مالك فيمن نسي قراءة أم القرآن من الركعة الأولى فقيل لا يعتد بالركعة ويقضيها، وقيل يعيد الصلاة، وقيل يسجد للسهو وصلاته تامة، وفروع هذا الباب كثيرة، وكلها غير منطوق به، وليس قصدنا ههنا إلا ما يجري مجرى الأصول.

*3*الباب الثالث من الجملة الرابعة في سجود السهو.

@-والسجود المنقول في الشريعة في أحد موضعين إما عند الزيادة أو النقصان اللذين يقعان في أفعال الصلاة وأقوالها من قبل النسيان لا من قبل العمد. وأما عند الشك في أفعال الصلاة، فأما السجود الذي يكون من قبل النسيان لا من قبل الشك فالكلام فيه ينحصر في ستة فصول: الفصل الأول: في معرفة حكم السجود. الثاني: في معرفة مواضعه من الصلاة. الثالث: في معرفة الجنس من الأفعال والأفعال التي يسجد لها. الرابع: في صفة سجود السهو. الخامس: في معرفة من يجب عليه سجود السهو. السادس: بماذا ينبه المأموم الإمام الساهي على سهوه.

*4*الفصل الأول.

@-اختلفوا في سجود السهو هل هو فرض أو سنة، فذهب الشافعي إلى أنه سنة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه فرض لكن من شروط صحة الصلاة. وفرق مالك بين السجود للسهو في الأفعال وبين السجود للسهو في الأقوال وبين الزيادة والنقصان فقال: سجود السهو الذي يكون للأفعال الناقصة واجب، وهو عنده من شروط صحة الصلاة، هذا في المشهور، وعنه أن سجود السهو للنقصان واجب وسجود الزيادة مندوب والسبب في اختلافهم اختلافهم في حمل أفعاله عليه الصلاة والسلام في ذلك على الوجوب أو على الندب فأما أبو حنيفة فحمل أفعاله عليه الصلاة والسلام في السجود على الوجوب إذ كان هو الأصل عندهم إذ جاء بيانا لواجب كما قال عليه الصلاة والسلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وأما الشافعي فحمل أفعاله في ذلك على الندب وأخرجها عن الأصل بالقياس، وذلك أنه لما كان السجود عند الجمهور ليس ينوب عن فرض وإنما ينوب عن ندب رأى أن البدل عما ليس بواجب ليس هو بواجب. وأما مالك فتأكدت عنده الأفعال أكثر من الأقوال، لكونها من صلب الصلاة أكثر من الأقوال، أعني أن الفروض التي هي أفعال هي أكثر من فروض الأقوال، فكأنه رأى أن الأفعال آكد من الأقوال، وإن كان ليس ينوب سجود السهو إلا عما كان منها ليس بفرض، وتفريقه أيضا بين سجود النقصان والزيادة على الرواية الثانية ليكون سجود النقصان شرع بدلا مما سقط من أجزاء الصلاة وسجود الزيادة كأنه استغفار لا بدل.

*4*الفصل الثاني.

@-اختلفوا في مواضع سجود السهو على خمسة أقوال: فذهبت الشافعية إلى أن سجود السهو موضعه أبدا قبل السلام، وذهبت الحنفية إلى أن موضعه أبدا بعد السلام. وفرقت المالكية فقالت: إن كان السجود لنقصان كان قبل السلام وإن كان لزيادة كان بعد السلام. وقال أحمد بن حنبل: يسجد قبل السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل السلام، ويسجد بعد السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد السلام، فما كان من سجود في غير تلك المواضع يسجد له أبدا قبل السلام. وقال أهل الظاهر: لا يسجد للسهو إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، وغير ذلك إن كان فرضا أتى به، وإن كان ندبا فليس عليه شيء والسبب في اختلافهم أنه عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه سجد قبل السلام وسجد بعد السلام، وذلك أنه ثبت من حديث ابن بحينة عنه أنه قال "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس" وثبت أيضا أنه سجد بعد السلام في حديث ذي اليدين المتقدم إذ سلم من اثنتين، فذهب الذين جوزوا القياس في سجود السهو: أعني الذين رأوا تعدية الحكم في المواضع التي سجد فيها عليه الصلاة والسلام إلى أشباهها في هذه الآثار الصحيحة ثلاثة مذاهب: أحدها مذهب الترجيح. والثاني مذهب الجمع. والثالث الجمع بين الجمع والترجيح. فمن رجح حديث ابن بحينة قال: "السجود قبل السلام" واحتج لذلك بحديث أبي سعيد الخدري الثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليصل ركعة وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، فإن كانت الركعة التي صلاها خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان" قالوا: ففيه السجود للزيادة قبل السلام لأنها ممكنة الوقوع خامسة، واحتجوا لذلك أيضا بما روي عن ابن شهاب أنه قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود قبل السلام" وأما من رجح حديث ذي اليدين فقال: السجود بعد السلام، واحتجوا لترجيح هذا الحديث بأن حديث ابن بحينة قد عارضه حديث المغيرة ابن شعبة "أنه عليه الصلاة والسلام قام من اثنتين ولم يجلس ثم سجد بعد السلام" قال أبو عمر: ليس مثله في النقل فيعارض به، واحتجوا أيضا لذلك بحديث ابن مسعود الثابت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خمسا ساهيا وسجد لسهوه بعد السلام". وأما من ذهب مذهب الجمع فإنهم قالوا: إن هذه الأحاديث لا تتناقض، وذلك أن السجود فيها بعد السلام إنما هو في الزيادة والسجود قبل السلام في النقصان، فوجب أن يكون حكم السجود في سائر المواضع كما هو في هذا الموضع، قالوا: وهو أولى من حمل الأحاديث على التعارض. وأما من ذهب مذهب الجمع والترجيح فقال: يسجد في المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على النحو الذي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك هو حكم تلك المواضع. وأما المواضع التي لم يسجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحكم فيها السجود قبل السلام فكأنه قاس على المواضع التي سجد فيها عليه الصلاة والسلام قبل السلام، ولم يقس على المواضع التي سجد فيها بعد السلام، وأبقى سجود المواضع التي سجد فيها على ما سجد فيها، فمن جهة أنه أبقى حكم هذه المواضع على ما وردت عليه وجعلها متغايرة الأحكام هو ضرب من الجمع ورفع للتعارض بين مفهومها ومن جهة أنه عدى مفهوم بعضها دون البعض، وألحق به المسكوت عنه فذلك ضرب من الترجيح: أعني أنه قال على السجود الذي قبل السلام ولم يقس على الذي بعده. وأما من لم يفهم من هذه الأفعال حكما خارجا عنها وقصر حكمها على أنفسها وهم أهل الظاهر فاقتصروا بالسجود على هذه المواضع فقط. وأما أحمد بن حنبل، فجاء نظره مختلطا من نظر أهل الظاهر ونظر أهل القياس، وذلك أنه اقتصر بالسجود كما قلنا بعد السلام على المواضع التي ورد فيها الأثر ولم يعده، وعدى السجود الذي ورد في المواضع التي قبل السلام، ولكل واحد من هؤلاء أدلة يرجح بها مذهبه من جهة القياس: أعني لأصحاب القياس وليس قصدنا في هذا الكتاب في الأكثر ذكر الخلاف الذي يوجبه القياس كما ليس قصدنا ذكر المسائل المسكوت عنها في الشرع إلا في الأقل، وذلك إما من حيث هي مشهورة، وأصل لغيرها، وإما من حيث هي كثيرة الوقوع. والمواضع الخمسة التي سها فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدها أنه قام من اثنتين على ما جاء في حديث ابن بحينة. والثاني أنه سلم من اثنتين على ما جاء في حديث ذي اليدين. والثالث أنه صلى خمسا على ما في حديث ابن عمر، خرجه مسلم والبخاري. والرابع أنه سلم من ثلاث على ما في حديث عمران بن الحصين. والخامس السجود عن الشك على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي بعد. واختلفوا لماذا يجب سجود السهو؟ فقيل يجب للزيادة والنقصان، وهو الأشهر؛ وقيل للسهو نفسه، وبه قال أهل الظاهر والشافعي.

*4*الفصل الثالث.

@-وأما الأقوال والأفعال التي يسجد لها فإن القائلين بسجود السهو لكل نقصان أو زيادة وقعت في الصلاة على طريق السهو اتفقوا على أن السجود يكون عن سنن الصلاة دون الفرائض ودون الرغائب. فالرغائب لا شيء عندهم فيها: أعني إذا سها عنها في الصلاة ما لم يكن أكثر من رغيبة واحدة، مثل ما يرى مالك أنه لا يجب سجود من نسيان تكبيرة واحدة، ويجب من أكثر من واحدة. وأما الفرائض فلا يجزئ عنها الإتيان بها وجبرها إذا كان السهو عنها مما لا يوجب إعادة الصلاة بأسرها على ما تقدم فيما يوجب الإعادة وما يوجب القضاء، أعني على من ترك بعض أركان الصلاة (هكذا هذه بالعبارة بالأصول، وفيها من الغموض ما لا يخفى تأمل ا هـ)، وأما سجود السهو للزيادة فإنه يقع عند الزيادة في الفرائض والسنن جميعا، فهذه الجملة لا اختلاف بينهم فيها، وإنما يختلفون من قبل اختلافهم فيما هو منها فرض أو ليس بفرض، وفيما هو منها سنة أو ليس بسنة، وفيما هو منها سنة أو رغيبة؛ مثال ذلك أن عند مالك ليس يسجد لترك القنوت لأنه عنده مستحب، ويسجد له عند الشافعي لأنه عنده سنة، وليس يخفى عليك هذا مما تقدم القول فيه من اختلافهم بين ما هو سنة أو فريضة أو رغيبة، وعند مالك وأصحابه سجود السهو للزيادة اليسيرة في الصلاة وإن كانت من غير جنس الصلاة، وينبغي أن تعلم أن السنة والرغيبة هي عندهم من باب الندب، وإنما تختلفان عندهم بالأقل والأكثر: أعني في تأكيد الأمر بها، وذلك راجع إلى قرائن أحوال تلك العبادة، ولذلك يكثر اختلافهم في هذا الجنس كثيرا، حتى إن بعضهم يرى أن في بعض السنن ما إذا تركت عمدا إن كانت فعلا، أو فعلت عمدا إن كانت تركا أن حكمها حكم الواجب: أعني في تعلق الإثم بها، وهذا موجود كثيرا لأصحاب مالك، وكذلك تجدهم قد اتفقوا ما خلا أهل الظاهر على أن تارك السنن المتكررة بالجملة آثم، مثل ما لو ترك إنسان الوتر أو ركعتي الفجر دائما لكان مفسقا آثما، فكأن العبادات بحسب هذا النظر مثلها ما هي فرض بعينها وجنسها مثل الصلوات الخمس. ومنها ما هي سنة بعينها فرض بجنسها مثل الوتر وركعتي الفجر وما أشبه ذلك من السنن. وكذلك قد تكون عند بعضهم الرغائب رغائب بعينها سنن بجنسها مثل ما حكيناه عن مالك من إيجاب السجود لأكثر من تكبيرة واحدة: أعني للسهو عنها، ولا تكون فيما أحسب عند هؤلاء سنة بعينها وجنسها. وأما أهل الظاهر فالسنن عندهم هي سنن بعينها لقوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي الذي سأله عن فروض الإسلام "أفلح إن صدق، دخل الجنة إن صدق" وذلك بعد أن قال له: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه: يعني الفرائض، وقد تقدم هذا الحديث. واتفقوا من هذا الباب على سجود السهو لترك الجلسة الوسطى واختلفوا فيها هل هي فرض أو سنة، وكذلك اختلفوا هل يرجع الإمام إذا سبح به إليها أو ليس يرجع؟ وإن رجع فمتى يرجع؟ قال الجمهور: يرجع ما لم يستو قائما. وقال قوم: يرجع ما لم يعقد الركعة الثالثة. وقال قوم: لا يرجع إن فارق الأرض قيد شبر، وإذا رجع عند الذين لا يرون رجوعه، فالجمهور على أن صلاته جائزة. وقال قوم: تبطل صلاته.

*4*الفصل الرابع.

@-وأما صفة سجود السهو فإنهم اختلفوا في ذلك؛ فرأى مالك أن حكم سجدتي السهو إذا كانت بعد السلام أن يتشهد فيها ويسلم منها، وبه قال أبو حنيفة لأن السجود كله عنده بعد السلام، وإذا كانت قبل السلام أن يتشهد لها فقط، وأن السلام من الصلاة هو سلام منها، وبه قال الشافعي إذا كان السجود كله عنده قبل السلام، وقد روي عن مالك أنه لا يتشهد للتي قبل السلام، وبه قال جماعة. قال أبو عمر: أما السلام من التي بعد السلام فثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما التشهد فلا أحفظه من وجه ثابت. وسبب هذا الاختلاف هو اختلافهم في تصحيح ما ورد من ذلك في حديث ابن مسعود أعني من أنه عليه الصلاة والسلام "تشهد ثم سلم" وتشبيه سجدتي السهو بالسجدتين الأخيرتين من الصلاة، فمن شبهها بها لم يوجب لها التشهد، وبخاصة إذا كانت في نفس الصلاة. وقال أبو بكر بن المنذر: اختلف العلماء في هذه المسألة على ستة أقوال: فقالت طائفة: لا تشهد فيها ولا تسليم، وبه قال أنس بن مالك والحسن وعطاء. وقال قوم: مقابل هذا وهو أن فيها تشهدا وتسليما. وقال قوم: فيها تشهد فقط دون تسليم، وبه قال الحكم وحماد والنخعي، وقال قوم: مقابل هذا وهو أنه فيها تسليما وليس فيها تشهد وهو قول ابن سيرين. والقول الخامس إن شاء تشهد وسلم، وإن شاء لم يفعل، وروي ذلك عن عطاء. والسادس قول أحمد بن حنبل إنه إن سجد بعد السلام تشهد وإن سجد قبل السلام لم يتشهد، وهو الذي حكيناه نحن عن مالك. قال أبو بكر قد ثبت "أنه صلى الله عليه وسلم كبر فيها أربع تكبيرات وأنه سلم" وفي ثبوت تشهده فيها نظر.

*4*الفصل الخامس.

@-اتفقوا على أن سجود السهو من سنة المنفرد والإمام. واختلفوا في المأموم يسهو وراء الإمام هل عليه سجود أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أن الإمام يحمل عنه السهو، وشذ مكحول فألزمه السجود في خاصة نفسه. وسبب اختلافهم اختلافهم فيما يحمل الإمام من الأركان عن المأموم وما لا يحمله، واتفقوا على أن الإمام إذا سها أن المأموم يتبعه في سجود السهو وإن لم يتبعه في سهوه. واختلفوا متى يسجد المأموم إذا فاته مع الإمام بعض الصلاة وعلى الإمام سجود سهو، فقال قوم: يسجد مع الإمام ثم يقوم لقضاء ما عليه، وسواء كان سجوده قبل السلام أو بعده، وبه قال عطاء والحسن والنخعي والشعبي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقال قوم: يقضي ثم يسجد، وبه قال ابن سيرين وإسحاق. وقال قوم: إذا سجد قبل التسليم سجدهما معه، وإن سجد بعد التسليم سجدهما بعد أن يقضي، وبه قال مالك والليث والأوزاعي. وقال قوم: يسجدهما مع الإمام ثم يسجدهما ثانية بعد القضاء، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم اختلافهم أي أولى وأخلق أن يتبعه في السجود مصاحبا له أو في آخر صلاته، فكأنهم اتفقوا على أن الاتباع واجب لقوله عليه الصلاة والسلام "إنما جعل الإمام ليؤتم به" واختلفوا هل موضعها للمأموم هو موضع السجود أعني في آخر الصلاة؟ أو موضعها هو وقت سجود الإمام؟ فمن آثر مقارنة فعله لفعل الإمام على موضع السجود ورأى ذلك شرطا في الاتباع، أعني أن يكون فعلهما واحدا حقا قال: يسجد مع الإمام وإن لم يأت بها في موضع السجود، ومن آثر موضع السجود قال: يؤخرها إلى آخر الصلاة، ومن أوجب عليه الأمرين أوجب عليه السجود مرتين وهو ضعيف.

*4*الفصل السادس.

@-واتفقوا على أن السنة لمن سها في صلاته أن يسبح له، وذلك للرجل لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال "مالي أراكم أكثرتم من التصفيق من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء" واختلفوا في النساء فقال مالك وجماعة: إن التسبيح للرجال والنساء. وقال الشافعي وجماعة: للرجال التسبيح وللنساء التصفيق. والسبب في اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام "وإنما التصفيق للنساء" فمن ذهب إلى أن معنى ذلك أن التصفيق هو حكم النساء في السهو وهو الظاهر قال: النساء يصفقن ولا يسبحن، ومن فهم من ذلك الذم للتصفيق قال: الرجال والنساء في التسبيح سواء، وفيه ضعف لأنه خروج عن الظاهر بغير دليل، إلا أن تقاس المرأة في ذلك على الرجل، والمرأة كثيرا ما يخالف حكمها في الصلاة حكم الرجل، ولذلك يضعف القياس.

وأما سجود السهو الذي هو لموضع الشك فإن الفقهاء اختلفوا فيمن شك في صلاته فلم يدر كم صلى أواحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا على ثلاثة مذاهب. فقال قوم: يبني على اليقين وهو الأقل ولا يجزيه التحري ويسجد سجدتي السهو، وهو قول مالك والشافعي وداود. وقال أبو حنيفة: إن كان أول أمره فسدت صلاته، وإن تكرر ذلك منه تحرى وعمل على غلبة الظن ثم يسجد سجدتين بعد السلام. وقالت طائفة: إنه ليس عليه إذا شك لا رجوع إلى اليقين ولا تحر، وإنما عليه السجود فقط إذا شك. والسبب في اختلافهم تعارض ظواهر الآثار الواردة في هذا الباب، وذلك أن في هذا الباب ثلاثة آثار: أحدها حديث البناء على اليقين، وهو حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان" خرجه مسلم. والثاني حديث ابن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "إذا سها أحدكم في صلاته فليتحر وليسجد سجدتين" وفي رواية أخرى عنه "فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتي السهو ويتشهد ويسلم" والثالث حديث أبي هريرة خرجه مالك والبخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس" وفي هذا المعنى أيضا حديث عبد الله بن جعفر، خرجه أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدها ويسلم" فذهب الناس في هذه الأحاديث مذهب الجمع ومذهب الترجيح، والذين ذهبوا مذهب الترجيح منهم من لم يلتفت إلى المعارض، ومنهم من رام تأويل المعارض وصرفه إلى الذي رجح، ومنهم من جمع الأمرين، أعني جمع بعضها ورجح بعضها، وأول غير المرجح إلى معنى المرجح، ومنهم من جمع بين بعضها وأسقط حكم البعض. فأما من ذهب مذهب الجمع في بعض والترجيح في بعض مع تأويل غير المرجح وصرفه إلى المرجح، فمالك بن أنس فإنه حمل حديث أبي سعيد الخدري على الذي لم يستنكحه الشك، وحمل حديث أبي هريرة على الذي يغلب عليه الشك ويستنكحه، وذلك من باب الجمع، وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد بالتحري هنالك هو الرجوع إلى اليقين، فأثبت على مذهبه الأحاديث كلها. وأما من ذهب مذهب الجمع بين بعضها وإسقاط البعض وهو الترجيح من غير تأويل المرجح عليه فأبو حنيفة، فإنه قال: إن حديث أبي سعيد إنما هو حكم من لم يكن عنده ظن غالب يعمل عليه، وحديث ابن مسعود على الذي عنده ظن غالب، وأسقط حكم حديث أبي هريرة وذلك أنه قال: ما في حديث أبي سعيد وابن مسعود زيادة، والزيادة يجب قبولها والأخذ بها، وهذا أيضا كأنه ضرب من الجمع. وأما الذي رجح بعضها وأسقط حكم البعض فالذين قالوا إنما عليه السجود فقط، وذلك أن هؤلاء رجحوا حديث أبي هريرة وأسقطوا حديث أبي سعيد وابن مسعود، ولذلك كان أضعف الأقوال، فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا القسم من قسمي كتاب الصلاة وهو القول في الصلاة المفروضة، فلنصر بعد إلى القول في القسم الثاني من الصلاة الشرعية، وهي الصلوات التي ليست فروض عين.

*2*كتاب الصلاة الثاني.

@-ولأن الصلاة التي ليست بمفروضة على الأعيان منها ما هي سنة، ومنها ما هي نفل، ومنها ما هي فرض على الكفاية، وكانت هذه الأحكام منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، رأينا أن نفرد القول في واحدة واحدة من هذه الصلوات، وهي بالجملة عشر: ركعتا الفجر والوتر والنفل وركعتا دخول المسجد والقيام في رمضان والكسوف والاستسقاء والعيدان وسجود القرآن، فإنه صلاة ما يشتمل هذا الكتاب على عشرة أبواب، والصلاة على الميت نذكرها على حدة في باب أحكام الميت على ما جرت به عادة الفقهاء، وهو الذي يترجمونه بكتاب الجنائز.

*3*الباب الأول القول في الوتر.

@-واختلفوا في الوتر في خمسة مواضع: منها في حكمه، ومنها في صفته، ومنها في وقته، ومنها في القنوت فيه، ومنها في صلاته على الراحلة. أما حكمه فقد تقدم القول فيه عند بيان عدد الصلوات المفروضة. وأما صفته فإن مالكا رحمه الله استحب أن يوتر بثلاث يفصل بينها بسلام. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات من غير أن يفصل بينها بسلام. وقال الشافعي: الوتر ركعة واحدة. ولكل قول من هذه الأقاويل سلف من الصحابة والتابعين. والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب، وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث عائشة "أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة" وثبت عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا رأيت أن الصبح يدركك فأوتر بواحدة" وخرج مسلم عن عائشة "أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي ثلاث عشرة ركعة ويوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها" وخرج أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري أنه عليه الصلاة والسلام قال "الوتر حق على كل مسلم فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" وخرج أبو داود "أنه كان يوتر بسبع وتسع وخمس" وخرج عن عبد الله بن قيس قال "قلت لعائشة بكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث وست وثلاث وثمان وثلاث عشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة"

وحديث ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "المغرب وتر صلاة النهار" فذهب العلماء في هذه الأحاديث مذهب الترجيح. فمن ذهب إلى أن الوتر ركعة واحدة فمصيرا إلى قوله عليه الصلاة والسلام "فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة" وإلى حديث عائشة "أنه كان يوتر بواحدة" ومن ذهب إلى أن الوتر ثلاث من غير أن يفصل بينها وقصر حكم الوتر على الثلاث فقط، فليس يصح له أن يحتج بشيء مما في هذا الباب، لأنها كلها تقتضي التخيير ما عدا حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام "المغرب وتر صلاة النهار" فإن لأبي حنيفة أن يقول: إنه إذا شبه شيء بشيء وجعل حكمهما واحدا كان المشبه به أحرى أن يكون بتلك الصفة، ولما شبهت المغرب بوتر صلاة النهار وكانت ثلاثا وجب أن يكون وتر صلاة الليل ثلاثا. وأما مالك فإنه تمسك في هذا الباب بأنه عليه الصلاة والسلام لم يوتر قط إلا في أثر شفع، فرأى أن ذلك من سنة الوتر، وأن أقل ذلك ركعتان، فالوتر عنده على الحقيقة إما أن يكون ركعة واحدة، ولكن من شرطها أن يتقدمها شفع، وإما أن يرى أن الوتر المأمور به هو يشتمل على شفع ووتر، فإنه إذا زيد على الشفع وتر صار الكل وترا،

ويشهد لهذا المذهب حديث عبد الله بن قيس المتقدم، فإنه سمي الوتر فيه العدد المركب من شفع ووتر ويشهد لاعتقاده أن الوتر هو الركعة الواحدة أنه كان يقول: كيف يوتر بواحدة ليس قبلها شيء، وأي شيء يوتر له؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "توتر له ما قد صلى" فإن ظاهر هذا القول أنه كان يرى أن الوتر الشرعي هو العدد الوتر بنفسه: أعني الغير مركب من الشفع والوتر وذلك أن هذا هو وتر لغيره، وهذا التأويل عليه أولى. والحق في هذا أن ظاهر هذه الأحاديث يقتضي التخيير في صفة الوتر من الواحدة إلى التسع على ما روي ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنظر إنما هو في هل من شرط الوتر أن يتقدمه شفع منفصل أم ليس ذلك من شرطه، فيشبه أن يقال ذلك من شرطه، لأنه هكذا كان وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشبه أن يقال ليس ذلك من شرطه لأن مسلما قد خرج "أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا انتهى إلى الوتر أيقظ عائشة فأوترت" وظاهره أنها كانت توتر دون أن تقدم على وترها شفعا،

وأيضا فإنه قد خرج من طريق عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بتسع ركعات يجلس في الثامنة والتاسعة ولا يسلم إلا في التاسعة ثم يصلي ركعتين وهو جالس فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أس وأخذ اللحم أوتر بسبع ركعات ولم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس فتلك تسع ركعات" وهذا الحديث فيه الوتر متقدم على الشفع، ففيه حجة على أنه ليس من شرط الوتر أن يتقدمه شفع، وأن الوتر ينطلق على الثلاث ومن الحجة في ذلك ما روى أبو داود عن أبي بن كعب قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد" وعن عائشة مثله "وقالت في الثالثة بقل هو الله أحد والمعوذتين". وأما وقته فإن العلماء اتفقوا على أن وقته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر لورود ذلك من طرق شتى عنه عليه الصلاة والسلام، ومن أثبت ما في ذلك ما خرجه مسلم عن أبي نضرة العوفي أن أبا سعيد أخبرهم أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر فقال "الوتر قبل الصبح" واختلفوا في جواز صلاته بعد الفجر، فقوم منعوا ذلك وقوم أجازوه ما لم يصل الصبح، وبالقول الأول قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري، وبالثاني قال الشافعي ومالك وأحمد.

وسبب اختلافهم معارضة عمل الصحابة في ذلك بالآثار، وذلك أن ظاهر الآثار الواردة في ذلك أن لا يجوز أن يصلي بعد الصبح كحديث أبي نضرة المتقدم وحديث أبي حذيفة العدوي نص في هذا خرجه أبو داود وفيه "وجعلها لكم ما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر" ولا خلاف بين أهل الأصول أن ما بعد إلى بخلاف ما قبلها إذا كانت غاية، وإن هذا وإن كان من باب دليل الخطاب فهو من أنواعه المتفق عليها، مثل قوله {وأتموا الصيام إلى الليل} وقوله {إلى المرفقين} لا خلاف بين العلماء أن ما بعد الغاية بخلاف الغاية وأما العمل المخالف في ذلك للأثر فإنه روي عن ابن مسعود وابن عباس وعبادة بن الصامت وحذيفة وأبي الدرداء وعائشة أنهم كانوا يوترون بعد الفجر وقبل صلاة الصبح، ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا؛ وقد رأى قوم أن مثل هذا هو داخل في باب الإجماع ولا معنى لهذا فإنه ليس ينسب إلى ساكت قول قائل: أعني أنه ليس ينسب إلى الإجماع من لم يعرف له قول في المسألة.

وأما هذه المسألة فكيف يصح أن يقال إنه لم يرو في ذلك خلاف عن الصحابة، وأي خلاف أعظم من خلاف الصحابة الذين رووا هذه الأحاديث، أعني خلافهم لهؤلاء الذين أجازوا صلاة الوتر بعد الفجر، والذي عندي في هذا أن هذا من فعلهم ليس مخالفا للآثار الواردة في ذلك أعني في إجازتهم الوتر بعد الفجر، بل إجازتهم ذلك هو من باب القضاء لا من باب الأداء، وإنما يكون قولهم خلاف الآثار لو جعلوا صلاته بعد الفجر من باب الأداء فتأمل هذا، وإنما يتطرق الخلاف لهذه المسألة من باب اختلافهم في هل القضاء في العبادة المؤقتة يحتاج إلى أمر جديد أم لا؟ أعني غير أمر الأداء وهذا التأويل بهم أليق، فإن أكثر ما نقل عنهم هذا المذهب من أنهم أبصروا يقضون الوتر قبل الصلاة وبعد الفجر وإن كان الذي نقل عن ابن مسعود في ذلك قول، أعني أنه كان يقول: إن وقت الوتر من بعد العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح، فليس يجب لمكان هذا أن يظن بجميع من ذكرناه من الصحابة أنه يذهب هذا المذهب من قبل أنه أبصر يصلي الوتر بعد الفجر، فينبغي أن تتأمل صفة النقل في ذلك عنهم. وقد حكى ابن المنذر في وقت الوتر عن الناس خمسة أقوال: منها القولان المشهوران اللذان ذكرتهما. والقول الثالث أنه يصلي الوتر وإن صلى الصبح، وهو قول طاوس. والرابع أنه يصليها وإن طلعت الشمس، وبه قال أبو ثور والأوزاعي. والخامس أنه يوتر من الليلة القابلة وهو قول سعيد بن جبير. وهذا الاختلاف إنما سببه اختلافهم في تأكيده وقربه من درجة الفرض، فمن رآه أقرب أوجب القضاء في زمان أبعد من الزمان المختص به، ومن رآه أبعد أوجب القضاء في زمان أقرب، ومن رآه سنة كسائر السنن ضعف عنده القضاء إذ القضاء إنما يجب في الواجبات، وعلى هذا يجيء اختلافهم في قضاء صلاة العيد لمن فاتته، وينبغي أن لا يفرق في هذا بين الندب والواجب أعني أن من رأى أن القضاء في الواجب يكون بأمر متجدد أن يعتقد مثل ذلك في الندب، ومن رأى أنه يجب بالأمر الأول أن يعتقد مثل ذلك في الندب

وأما اختلافهم في القنوت فيه فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يقنت فيه ومنعه مالك وأجازه الشافعي في أحد قوليه في النصف الآخر من رمضان، وأجازه قوم في النصف الأول من رمضان، وقوم في رمضان كله.

والسبب في اختلافهم في ذلك اختلاف الآثار، وذلك أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم القنوت مطلقا، وروي عنه القنوت شهرا، وروي عنه أنه آخر أمره لم يكن يقنت في شيء من الصلاة، وأنه نهى عن ذلك، وقد تقدمت هذه المسألة. وأما صلاة الوتر على الراحلة حيث توجهت به فإن الجمهور على جواز ذلك لثبوت ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام، أعني أنه كان يوتر على الراحلة: وهو مما يعتمدونه في الحجة على أنها ليست بفرض إذا كان قد صح عنه عليه الصلاة والسلام "أنه كان يتنفل على الراحلة" ولم يصح عنه أنه صلى قط مفروضة على الراحلة. وأما الحنفية فلمكان اتفاقهم معهم على هذه المقدمة، وهو أن كل صلاة مفروضة لا تصلى على الراحلة، واعتقادهم أن الوتر فرض وجب عندهم من ذلك أن لا تصلى على الراحلة، وردوا الخبر بالقياس وذلك ضعيف.

وذهب أكثر العلماء إلى أن المرء إذا أوتر ثم نام فقام يتنفل أنه لا يوتر ثانية، لقوله عليه الصلاة والسلام "لا وتران في ليلة" خرج ذلك أبو داود، وذهب بعضهم إلى أنه يشفع الوتر الأول بأن يضيف إليه ركعة ثانية ويوتر أخرى بعد التنفل شفعا، وهي المسألة التي يعرفونها بنقض الوتر وفيه ضعف من وجهين: أحدهما أن الوتر ليس ينقلب إلى النفل بتشفيعه، والثاني أن التنفل بواحدة غير معروف من الشرع. وتجويز هذا ولا تجويزه هو سبب الخلاف في ذلك، فمن راعى من الوتر المعقول وهو ضد الشفع قال ينقلب شفعا إذا أضيف إليه ركعة ثانيا، ومن راعى منه المعنى الشرعي قال: ليس ينقلب شفعا لأن الشفع نفل والوتر سنة مؤكدة أو واجبة.

*3*الباب الثاني في ركعتي الفجر.

@-واتفقوا على أن ركعتي الفجر سنة لمعاهدته عليه الصلاة والسلام على فعلها أكثر منه على سائر ا